إشكالية الدولة والدين: المجتمع السوري أُنموذجاً

الجمل: عقدَ مركزُ دمشق للأبحاثِ والدراساتِ – مِداد ورشةً حواريّةً ضمن فعّالية "رواق دمشق"، بعنوان: «إشكاليّة الدّولة والدِّين:المجتمع السوريّ أُنموذجاً». وهو عنوان الورقة الخلفيّة التي أعدَّها الدكتور كريم أبو حلاوة رئيس قسم الدراسات الاجتماعية في المركز.

شارك في هذه الورشة كلٌّ من السيدات والسادة الآتية أسماؤهم: الدكتورة أيسر ميداني، الدكتورة ريما اسكندراني، الدكتورة ربى ميرزا، الأستاذة روعة الكنج، الدكتورة لميس يوسف، الدكتورة نهلة عيسى، الأستاذ نبيل صالح، الدكتور أكرم القش، الدكتور إسماعيل مروة، الدكتور محمود العرق، الدكتور أحمد الدرزي، الدكتور منير الحمش، الدكتور وضاح الخطيب، الدكتور رفيق صالح. ومن مركز دمشق حضر كلّ من الدكتور عقيل محفوض، الدكتورة إنصاف حمد، الدكتور  كنان ياغي، العميد تركي حسن.

أدارَ الجلسة الأستاذ هامس زريق مدير عام مركز دمشق، رحب بالضيوف بدايةً، وأشار إلى أن هذه الجلسة تحت هذا العنوان تأتي متزامنةً مع المشكلة التي تشغل منصات التواصل الاجتماعيّ حالياً حول المرسوم رقم /16/ الناظم لعمل وزارة الأوقاف.

ولئلا ندخل بالتفاصيل الفنيّة للمرسوم نفسه آثرنا أن نتناول الموضوع بسياقه العامّ الذي يشكل فيه هذا القانون واحداً من تفاصيله المهمة.كذلك أشار الأستاذ هامس زريق إلى أن مركز دمشق وجّه دعوة إلى وزارة الأوقاف، وإلى بعض الشخصيات الإسلاميّة، لكنهم عزفوا عن المشاركة، رغم أن إدارة المركز كانت تتمنى وجودهم ضمن الضيوف، ومشاركتهم في النقاش.       

بعدها عرض الدكتور كريم أبو حلاوة الورقة الخلفية والتي حددت الأطر العامة للحوار، وتضمنت أبرزُ نقاطها الآتي:

- تتشابك العلاقة التي تربط الدّين بالدّولة وتتعقد، بدءاً من التكوينات الدولتية الأولى، وصولاً إلى الدولة الحديثة (دولة الحقّ والقانون)؛ فالدّين والسياسة بُعدان تكوينيان من أبعاد الحياة الاجتماعيّة.وفي الشرق بالمعنى الحضاريّ كان للدّين حضورٌ قويٌ ومستمرٌ، فالشرق روحاني منذ القدم.

- تظهر الفوارق بين الدّول في طريقة تنظيم وإشباع الحاجات الروحيّة للأفراد والجماعات، أي أنَّ أشكال الارتباط بين السياسيّ والدينيّ تمتد من التماهي إلى التحالف فالتنافس، لتبلغ حدّ الصّراع والتناقض.

- إنَّ البعد الكاشف للأزمة في سورية عرّى وفضح دعاوى الإسلام السياسيّ المتطرف بصيغه الوهابيّة والإخوانيّة وتنظيماته الأكثر دموية، بدءاً من "القاعدة" إلى "جبهة النصرة" و"داعش"، وسواها من التنظيمات التي لم تتردد باستخدام كل أشكال العنف وأكثر الإيديولوجيات تعصباً وظلامية لتكريس وجودها.

- الآن، وبعد تكشف أبعاد اللوحة ومآلاتها، واتضاح انتصار الدولة السوريّة، لم يعدْ لتيار الإسلامِ الجهاديِّ العنفيّ مكانٌ أو حظوةٌ، فسارعت التيارات الإسلامية  الدّعوية، والتي تصف نفسها بالوسطية والاعتدال إلى ملء الفراغ، مثل: القبيسيات، فريق الشباب الدينيّ، انتشار الخطاب الدينيّ الوعظيّ والإرشاديّ والتعليميّ، والذي لا يخلو من إشارات وتنبيهات، تدلل على موقفه الرافض لواقع التنوّع الدينيّ والأثنيّ والثقافيّ في الحياة السوريّة ، عبر الحديث عن اللباس تارةً والأسماء تارةً أخرى، وصولاً لتفسير النصوص والأحداث، ومحاولات تنميط صورة المسلم من هذا المذهب أو ذاك وتقديمها بوصفها تعبيراً عن جوهر الإسلام!!

- إنَّ التجاذب المستمر بين الدِّين والسياسة والتساؤلات المتصلة بأساليب إدارة الشأن الدينيّ تبرز العديد من الأسئلة الملحة من قبيل:• ما دور الدِّين في المجتمعات التعددية؟

• ما الآثار السلبية المترتبة على نشر وتقوية خطاب دينّي معين على حساب بقية الخطابات؟

• ما العلاقة بين الهيمنة الثقافية التي يتوسلها الإسلام السياسيّ واستخدامها كوسائل للوصول إلى السلطة؟

• أين يكمن دور الدولة، دولة الحقّ والقانون، في البقاء كدولة لجميع مواطنيها؟

• ما فوائد تنظيم الحياة الدينيّة داخل المجتمع، وما دور وزارة الأوقاف ودار الإفتاء وهيئة العلماء في هذا التنظيم؟

• ما التحفظات والمخاوف التي يثيرها القانون 16؟وغيرها من الأفكار والتساؤلات التي سينشرها المركز كاملة في وقت لاحق.بعد ذلك انتقل الحديث إلى الحاضرين، وقد تم طرح العديد من الأفكار والآراء، بعضها مُجمعٌ عليه وبعضها الآخر إشكاليّ وجدليّ، وفي ما يأتي أبرز النقاط التي تم الحديث عنها:

- يجب أن ينطلق الحديث عن العلاقة بين الدّين والدولة في سورية، أساساً من الطبيعة المتدينة لمجتمعاتنا والدور الكبير الذي يلعبه الدّين فيها، إذ كان لرجال الدِّينِ في سورية دورٌ محوريٌّ في تشكيل الدولة السوريّة منذ نحو مئة عام.

- ليس هناك حاجة لفصل الدِّين عن الدّولة، فهما منفصلان كانفصال الماء عن الزيت، ومن المفيد التوقف عن هذا الحديث، لأنه قد يكون استفزازيّاً في هذه المرحلة. ينبغي علينا أن نفكّر في إدارة موقف الدولة من الحياة الدينيّة.

- في العلاقة بين الدّين والدّولة يسود في سورية الاتجاه القائم على مدنيّة السلطة ودينيّة التشريع، وتتخذ العلاقة شكلاً براغماتيّاً قائماً على تبادل المصالح والأدوار الوظيفيّة، بما يخدم سياسة الطرفين.

- إنَّ المعضلة الكبرى في العلاقة الناظمة بين السلطات السياسيّة والدينيّة تكمن في لعبة المصالح، أي محاولة كل طرف تحقيق مصالحه بواسطة الآخر.

- قد يكون الدّين حاجة إنسانيّة، لكنها فرديّة. ما يجري اليوم هو تقييد الإنسان وحياته بسبب الدِّين بصفته سلطةً جديدةً، وكذلك بسبب تماهي الدّين والسياسة. لا نكون أحراراً ونحن تحت سلطة المؤسسة الدينيّة، فحريتنا رهن لما ترضاه هذه المؤسسة أو ترفضه.

- إنَّ غياب هيئات ناظمة أو مطوِّرة للفكر الدينيّ جعل منه باباً يسهّل اختراق الخارج لنا، هذا ما ثبت تاريخيّاً وفي الأزمة الأخيرة التي مازلنا نعيشها.

- ليست التيارات الدينيّة هي المسبب الوحيد للأزمة. فشلنا كمجتمع، إضافةً إلى تقصير الدّولة في إدارة المجتمع ترك فرغات سمحت لهذه التيارات في التغلغل وتركت لها مجالاً لتطبيق أجنداتها.

- إنَّ المؤسسات الدينيّة غير الرسمية هي الأكثر خطورة. والإسلام الاجتماعي والشعبي أخطر من الإسلام السياسيّ، فمعرفة حاجات الناس من داخلهم قد تخلق في المستقبل "إسلاماً تعليميّاً" أو "صحيّاً" أو غير ذلك، فلا يعود محتاجاً حتى للسلطة السياسية لفرض هيمنته.- ستُفضي الهيمنةُ الثقافيّة–التي يتوسّلها الإسلامُ السياسي-على نحوٍ ضروريّ إلى السيطرة الاجتماعية، ثم السياسية للوصول إلى السلطة.

- لم تستخدم الدولة القسر في عملية التغيير، وهذا يُعَدُّ في ظروف الحرب الحالية، فرصة ضائعة. ينبغي على الدولة أن تنتبه إلى أننا في مرحلة فراغ، يمكن على أساس تعاملٍ مُجدٍ معها إعادة تشكيل الدولة وحتى الإقليم، وإذا لم تستثمر بشكل جيد فنحن ذاهبون إلى أزمات متكررة ومتجددة.- إنَّ الحربَ فرصةٌ تاريخيّةٌ، ومبرّرٌ كافٍ؛ ذلك لإعادة هيكلة جميع المؤسسات في الدولة، وعلى رأسها المؤسسة الدينية.- لا يمكن كفالة التعددية والحريات الدينية بالنوايا الطيبة، بل بالتشريعات والقوانين والمراقبة.

أما عن موضوع المرسوم رقم /16/ فيمكن إيجاز ما قيل بالآتي:

يجب النظر إلى هذا المرسوم دون اصطفافات، رغم صعوبة هذا الأمر؛ إذ إنَّ الحديث عن قضية أساسية مرتبطة بأولويات بلد، فكيف إذا كانت تتعلق بموضوعٍ دينيّ.

إنَّ إصدار هذا المرسوم بهذه الطريقة، وتداوله بتسريبات بعضها صحيح وأغلبها مشكوك فيه، أثار في المجتمع السوريّ لغطاً وتساؤلات وهواجس لم تبددها تصريحات وزير الأوقاف؛ بل ربما أكدت بعضاً منها.

جاء التحفّظ في ما يتعلّق بهذا المرسوم على عدد قليل من المواد، أما المتبقي منها، فهو ناظم وضابط للعمل الدينيّ ونحن معه. يجبُ تنظيمُ القِطاعِ الدّينيّ، وأن يكون تحت عين الدولة، وهذا شكل من أشكال العلمنة. كما يجب ضبط الموارد الماديّة والمعنويّة لهذا القطاع.

يظهر الاحتجاجُ الأساسُ إزاء البعد الاقتصاديّ الماليّ وموضوع التعليم والثقافة، إذ يسمح للوزارة بالتوسع في كلّ المراحل التعليمية من رياض الأطفال وحتى الجامعات.

إنَّ سورية في سياقها وحضارتها وبنيتها التاريخي بلد مسلم، حتى إذا فكرنا بالحديث عن دولة علمانية، لا يمكننا إغفال هذا الأمر الذي يشكل تطلعات قسم كبير من عناصر البنية الاجتماعية في سورية؛ لكن يُلاحظ أنَّ هذا المرسوم يلغي دور مؤسسة الفتوى (دار الإفتاء).

إنَّ مشكلة المرسوم الأساسية أنّه يتكلم على مكوّن واحد فقط من المكوّنات السورية الكثيرة، في حين يجب أن يشمل نظام الوقف كل المكونات الدينية في البلد لتكون كلها "تحت عين الدولة". يجب أن يؤمم الدّين مع وجود سلطة عامة تديره.
من الحلول التي تم طرحها: 

ينبغي أن يكون الحوار الوطنيُّ الشاملُ بعيداً عن الانفعال وردّات الفعل. وبفكر وطني يؤمن ببلده وشعبه وجيشه ومستقبله، والابتعاد عن أي خطاب عدائيّ.

يجب أن تكون المؤسسة الدينيّة بشخصيتها الاعتباريّة مُوظَّفةً للتوجيه والإرشاد لمن أراد، وأن يكون التديّن أمراً فرديّاً، وأن تكون السياسة بأيدي الخبراء بغض النظر عن انتماءاتهم.

إنَّ إدارةَ الأوقاف موضوعٌ اقتصاديٌّ بحت، يمكن أن يدرس من منظور خيارات اقتصاديّة ذات جدوى، ويوضع له إطار تنظيميّ، ويدار كأيّ مرفق اقتصاديّ يتوخّى له أن يسهم في عملية التنميّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

ينبغي بناء مؤسسات مجتمعٍ مدنيّ فاعلة، يحوّل وجودها الشأن الدينيّ إلى وظيفة مجتمعيّة لا أكثر.

إنَّ الثقافة مسرحُ صراعِ الأفكار، يجب منح حصانةٍ للمنابر الثقافيّة أسوة بمثيلاتها الدينيّة، وبذلك نخلق مجالاً بديلاً منافساً، يسمح -على المدى الطويل-بالخروج من التشريع الفائض في الموضوع الدينيّ، لأنه لم يعط أي نتيجة في العقود الماضية.

 

وسوف يقوم مركز دمشق للأبحاث والدراسات، في وقت لاحق، بنشر الورقة الخلفية إضافة إلى المداخلات والتعليقات كاملة  

 

الجمل: بالتعاون مع مركز مداد للدراسات