الحرب الاقتصادية على سورية

 د. عدنان سليمان 

أولاً– مدخل مفاهيميّ

مدخل أول: قد يكون "قيصر" اسماً لشخص نُسب إليه قانون العقوبات الأمريكيّ على سورية، كما أنه قد يكون وهماً، أو صناعة وهم، ليُبنى عليه فعلٌ أو إجراءٌ سياسيٌّ أو اقتصاديٌّ تجاه سورية، بمعنى، كل الرواية: الشخص والصور (كيف أنَّ شخصاً واحداً يتنقل في اللحظة ذاتها عبر الجغرافيا السورية ليجمع صوراً لأكثر من خمسين ألف جثة ...)، قد لا تختلف كثيراً، عن امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل لتُشنّ الحرب عليه، مع أنه تبين لاحقاً بعد الحرب بأنه لم يمتلك يوماً تلك الأسلحة. وبذلك، فالغاية أو النتيجة المرجوة، هي أولاً، وبعدها يأتي بناء الوسيلة أو الأداة. عندها تصبح الرواية الأكثر دقة، إنها عقوبات اقتصادية أمريكية على سورية، أو الحرب الاقتصادية على سورية، لأن صفة " القانون" الأمريكي، لا تلزم غير أمريكا والدول الغربية المتحالفة معها، مع أنَّ العقوبات والحصار الاقتصادي واقعة فعلياً على سورية، وبذلك، يغدو استخدام مصطلح الحرب، أو العقوبات الاقتصادية، أكثر عملانية من مصطلح قانون لا يمتلك أية مشروعية دولية، بعدّه أُحادياً وظالماً وغير إنسانيّ.

مدخل ثان: مع أنَّ عالم الاجتماع الفرنسي "غوستاف لوبون" ليس معاصراً حين كتب عن "علم نفس الجماهير"، وذلك في العام 1890، لكن أهمية هذا الموضوع دفعت "سيغموند فرويد" وبعد أكثر من عشر سنوات ليصدر كتاباً يحمل العنوان نفسه "علم نفس الجماهير"، نظراً لما أحدثه من تأثيرٍ في علم السياسة الحديث آنذاك، ومرة أخرى، تُعاد طباعة كتاب "لوبون"، وأكثر من مرّة، بعناوين أخرى مثل: "سيكولوجية الحشد"، أو الجماهير[1] . ومرامي القصد هنا، أنَّ الحروب الهجينة من الجيل الرابع والخامس، دخلت هذا المجال الوظيفي من علم النفس الاجتماعيّ أو الجماهيري مبكراً، للتأثير في وعي الأفراد والجماعات، حيث تدرّس هذه العلوم في الكليات العسكرية الأمريكية، وتستخدم حديثاً لإعادة تشكيل وعي وسلوك الأفراد، بما يتناسب مع تحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو انتخابية. في السياق ذاته، فلنلاحظ مثلاً حجم التهويل الإعلامي المصاحب لتطبيق ما يسمى بقانون "قيصر"، في الإعلام الغربي والخليجي، حتى أنَّ المبعوث الأمريكي إلى سورية "جيمس جيفري" لا يتوانى عن الظهور إعلامياً بشكل متواصل متحدّثاً عن أنَّ القانون يحمي المدنيين السوريين، ويطبق الخناق على القيادة السياسية. إذاً، أصبحت مفردات مثل: الخناق، والجوع، والانهيار الاقتصاديّ، وتدهور سعر صرف الليرة، أدوات للاشتغال على وعي السوريين، إذ إنَّ الموت قادم لا محالة جراء الحصار، بدفع الأفراد إلى سياق جمعي مهزوم، ليشكل رافعة ضغط اجتماعي لتقديم تنازلات في السياسة والاقتصاد وإعادة بناء سورية من قبل القيادة السياسية. ذلك السياق الإعلامي المكثّف عاطفيا ونفسيّاً (حتى أن الإعلام المحلي أُخذ في سياق المبالغة ذاته، وراح طوال أسابيع متواصلة يتحدث عن قيصر وتداعياته ...)، ليشتغل على هزيمة الوعي الإيجابي والوطني، ففوضى الأسواق وارتفاعات الأسعار وتغيرات سعر الصرف، كلها حالات فزع وخوف تأثرت بقيصر (إضافة لعشرات العوامل والمحددات الأخرى)، وصولاً إلى مراحل متقدمة من الخيبات الاجتماعية، وتهديد السلم الاجتماعي، وإشاعة الفوضى وصولاً إلى الدولة الفاشلة.

ثانياً– الظاهرة-الحدث

من الضرورة بمكان، فهم قانون سيزر أو قيصر The Caesar Syria Civilian Protection Act في سياق حملة العقوبات الاقتصادية الغربية على سورية، تحصيلاً لمكاسب سياسية واقتصادية لأمريكا والدول الغربية. ومع أنه مشروع قانون قديم صادق عليه "مبدئياً" مجلس النوّاب الأمريكي منذ تاريخ 15 تشرين الأول/أكتوبر 2016، ثم أقرّه الكونغرس بالغالبية، ووقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قانون الموازنة العسكرية لعام 2020 المتضمن قانون "سيزر" الخاص بسورية )دخل حيز التطبيق عملياً في 17 حزيران/يونيو، حيث لا يبدو الفرق كبيراً، بين أسابيع قليلة قبل هذا التاريخ وأسابيع قليلة بعده ...) ، رامياً إلى فرض عقوبات مشددة على سورية وحلفائها (إيران وروسيا)، كما ويفرض عقوبات جديدة على أية جهة أو شركة أو شخص أو دولة تدعم الدولة السورية اقتصادياً أو عسكرياً أو تكنولوجياً، في حال تبين أنها تقدم أي دعم لعمليات الجيش السوريّ. واجهت سورية مسلسل العقوبات والحصار الاقتصادي منذ الثمانينيات، وتواجه منذ السنوات الأولى للحرب حصاراً خانقاً يصل إلى منع وصول المواد الغذائية والعملات الصعبة لتمويل المستوردات الضرورية، بتشديد العقوبات المصرفية والإدارية على كل ما يتعلق بالتجارة الخارجية والتحويلات المالية للاستيراد والتصدير من وإلى داخل البلاد.وإذا كان أهم ما في بنود "قيصر" هو ذلك الاستهداف المعلن لكلِّ من يحاول أو يسعى لمساعدة السوريين في إعادة إعمار بلادهم، فإن المقصود بذلك تحديداً هو روسيا وإيران. ومن هنا، فإنَّ فهم السياق الذي ترافق مع الحملة الإعلامية لتطبيق القانون، يستدعي بالضرورة فهم طبيعة التطورات الجيوسياسية المصاحبة للحرب الاقتصادية على سورية، حيث يستبطن قانون قيصر صراعاً أو "معركة إعادة إعمار سورية" وفقاً "لرايموند هينبوش"، الذي يقول في ورقة بحثية أعدها في شباط/فبراير الماضي: إنَّ سورية دون إعادة إعمار ستبقى دولة فاشلة، ولن يكون اقتصادها قادراً على استعادة الاستقرار[2]. إذاً، يندرج التذكير بمآلات القانون وتهديداته على سورية في إطار الصراع بين مشروعين: مشروع التفتيت الجغرافي والاقتصادي لسورية، وتراخي سلطة الدولة وسيادتها على أجزاء واسعة من البلاد، وإبقاء مساحات غنية بالنفط والقمح في الشرق رهينة الاحتلال الأمريكي، وأخرى في شمال غرب حلب وإدلب تحت رهانات تركيا وفصائلها المسلحة، المشروع الذي يخدم مصالح "إسرائيل"، ويبقي سورية دولة متهالكة وفاشلة. والمشروع الثاني الذي تحاول بوساطته الدولة السورية استعادة سلطتها وسيادتها على كامل الجغرافيا السورية، ويقف إلى جانبها في ذلك كلّ من إيران وروسيا والصين، عبر مستويات عسكرية وسياسية واقتصادية، وصولاً إلى الدولة التنموية والمركزية والمستقلة من التبعيات السياسية والاقتصادية للمشروع الأول. ولذلك يستدعي فهم وتحليل زخم مشروع قانون قيصر، بعدّه أكثر من عقوبات وحصار اقتصاديّ، وليس أقلّ من محاولة استعباد سياسيّ، للوصول إلى تنازلات سياسية واقتصادية، ليس آخرها الظفر بحصة كبيرة من مشروع إعادة بناء سورية. ومع أنَّ روسيا وإيران قد أعلنتا رسمياً أن هذه التهديدات لا تعنيها كدول، وأنّها مستمرة بتقديم كل أشكال الدعم الاقتصادي لسورية، لكن ثمة شركات ورساميل خاصة، ستكون حذرة من التعامل مع الحكومة السورية. ويبقى من الصعب، الذهاب باتجاه مؤكّد، في ما إذا كان هذا السياق الجيوسياسي ومحاوره هو أقرب إلى انفراجات وحلول سياسية، أو هو ذاهب إلى حافة الهاوية، وأبعد، نحو حشد محور المقاومة لانفجار شعبيٍّ أو عسكريّ أو حربٍ مباشرة. فثمّة شعوب ودول هنا، تريد هي أيضاً، أن "تتنفّس".

ثالثاً– إدارة الموقف (تهديدات وتحديات)

التحدي الأول: تقدم العقوبات الجديدة المفروضة في سياق قانون قيصر على سورية فرصة تاريخية يمكن استثمارها إيجابياً في حدود الممكن والمتاح من الإرادة والموارد والإمكانيات، لتحويل جملة التهديدات التي ينتجها القانون، اقتصادياً واجتماعياً، إلى فرص تاريخية وطنية، بحكم ما تمثله سورية من الموقع الجغرافي والإنتاج الزراعي والصناعي المتنوع، لتجاوز تبعات الحصار. ومع أنَّ الوضع الجديد، قد لا يخلق أو لا ينتج واقعاً أسوأ بكثير مما هو قائم منذ سنوات الحرب الطويلة، بعد تاريخ طويل من التعامل مع نتائج العقوبات الأوروبية والأمريكية، بل هو العكس، سيخلق فرصاً جديدة مختلفة للتعاون مع سورية وكسر الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي، سواء من قبل روسيا أو الصين أو إيران أو دولة عربية متعاونة مع سورية. إنَّ صدور القانون في هذا التوقيت، والتهديد به، والتذكير المستمر بتداعياته، (في خلفية المشهد استحقاق الانتخابات الرئاسية الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر القادم، وضمّ الضفة الغربية لـ "إسرائيل" في إطار صفقة القرن ...)، والذي يُراد منه أولاً إطالة أمد الأزمة السورية، اقتصاديّاً واجتماعيّاً، وإعاقة عملية إعادة الإعمار ثانياً، أو الاتفاق على تقاسم تكلفتها (تتراوح التقديرات بين 250 و400 مليار دولار)، الأمر الذي لن تتركه أمريكا وأوروبا والدول الخليجية وتركيا، لإيران وروسيا والصين، لتنفرد به وحدها. من هنا، تأتي عملية التهديد بالعقوبات والحصار الاقتصادي دائماً، وتحجيم دور الشركات الإيرانية والروسية والصينية في إعادة بناء سورية، وتحديداً بعد نية القيادة السورية التوجه لحسم العملية العسكرية في إدلب.

التحدي الثاني: تتعيّن السوق وفوضاها، في شغلها جلّ الحيّز الاقتصادي، باختصارها الدورة الاقتصادية الكاملة (إنتاج-تبادل- توزيع- استهلاك) إلى هيمنة التبادل والتوزيع، وهنا، في هذا الفضاء الاقتصادي الوطني، تتم إزاحة الإنتاج (الزراعة والصناعة) إلى حدوده الدنيا، ليصبح الاقتصاد كسيحاً أو بغير هندسته الاقتصادية المادية والاجتماعية. وبكل بساطة، فقد أثمرت تلك السياسات الاقتصادية الليبرالية، (التي ترسخت منذ العام 2003)، عن هيمنة تدريجية لمفاعيل وأنشطة الاقتصادي الريعي، على حساب الاقتصاد الحقيقي المنتج، بحيث تقلّصت قدرات الدولة تنموياً واقتصادياً أمام تطور سريع لاقتصاد التجارة والخدمات، ليغدو الاقتصاد بكليّته رهناً باختلالات الأسواق وتطورها، بعدّها حيزاً أو مجالاً لإعادة توزيع القيمة المنتجة في القطاعات المادية، أو الأرباح المتحققة في قطاع التجارة، وعلى حساب الأجور والدخل الوطني. من هنا يمكن فهم تعثر الجمع بين مشروعي العدالة الاجتماعية والديمقراطية الاقتصادية (مرتكزات اقتصاد السوق الاجتماعي التنموي)، لصالح منظومة الفوضى والاحتكار، حيث تتقدم دائرة التبادل والتوزيع (وزارة التجارة الداخلية في كامل المشهد الداخلي)، وتنكفئ دائرة الإنتاج ويتراجع الاستهلاك (حيث ينبغي لوزارة الاقتصاد أن ترسم سياسات اقتصادية كلية مالية ونقدية). فك الارتباط الغريب هذا بين عناصر الدورة الاقتصادية، يجعل قضية تعافي الاقتصاد وتحفيز موارده وإمكاناته أكثر صعوبة، حيث تأخذ اختلالات السوق وتقلباتها كل الجهد الحكوميّ اليوميّ، لأن السوق تنتج دورة سريعة لتقاسم الأرباح الكبيرة، بينما يتعثر إنتاج القيمة المادية في الفروع الاقتصادية الحقيقية، حيث الأسواق تدريجياً تدين بحركتها لإعادة توزيع التجارة (استيراداً أو إنتاجاً). ذلك هو التحدي الجوهري اليوم، حيث يظهر سعر الصرف وارتفاعات الأسعار، كما لو أنها رافعة الاقتصاد الوطني، تلك الرؤية الأحادية، حين تختزل الاقتصاد إلى بعدي النقد والأسعار، ومن أدوات إلى أهداف، كما لو أنَّ الاقتصاد يقف على رأسه، لكن حينما تتقدم المعالجات الاقتصادية الحقيقية، وتتراجع المعالجات النقدية، حينها، يصبح سعر الصرف وتقلبات الأسعار مجرد تعبير نقدي عن القيمة والتكلفة والإنتاج، وحينها تصبح الكتلة المادية الإنتاجية والسلعية أكبر وأهم من الكتلة النقدية، فلا تغدو الأسواق كما لو أنها صانعة تطور اقتصادي، لأن صناعة الاقتصاد التنموي تعود إلى نصابها في حقل الإنتاج الحقيقيّ، الاقتصاد المنتج، وليس الريعي، ذلك ما يحيل التحدي الحقيقي إلى فرصة تاريخية ووطنية، ثمينة وواعدة.

رابعاً– البناء على تفاعلات الحدث

يُعَدُّ ضروريّاً اليوم، أن تبني سورية تحالفاتها الاستراتيجية بما يخدم موقعها في دائرة الصراع الجيوسياسي، بين المحور الأمريكي الذي انتقل إلى مرحلة الهجوم (الحرب الاقتصادية والحصار وتفاعلات قيصر الإقليمية) مع احتدام الحلول السياسية وحظوظ إعادة إعمار سورية، والمحور الممتد من الصين وروسيا وإيران إلى العراق ولبنان وسورية. وأن تطور الحكومة السورية الاتفاقيات الاقتصادية مع روسيا إلى مرتبة التحالف الاستراتيجي الاقتصادي، على أن تشكل سورية امتداداً لوجستياً لسلسلة الإنتاج الروسي عبر جزيرة ومرافئ القرم. وحيث ينمو في سورية الكثير من المنتجات الزراعية، وتنتج الكثير من السلع الصناعية، والتي تحتاجها روسيا (الخضار والفواكه والحمضيات والمنتوجات النسيجية والغذائية ...) الأمر الذي يحتاج لتوسيع قاعدة التبادل التجاري بين الدولتين (صيغ مختلفة للتبادل التجاري والمالي، من المقايضة إلى تبادل عملتي البلدين، وبنوك تجارية ترعى ذلك...). بالإضافة للآفاق الواسعة التي ينبغي أن تفتحها الاستثمارات الروسية في قطاعي النفط والغاز السوريين، على أن تشكل سورية استمراراً لسلسلة النقل البحري عبر المتوسط بسبب موقعها الجغرافي وموانئها، وخاصة بعد استثمار مرفأ طرطوس من الشركات الروسية، والتوسع بحركة التجارة من المرافئ السورية إلى جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا، في الوقت الذي تقوم به الشركات الروسية بتطوير قطاع النقل البحري والطرقي في سورية وإنشاء مطارات ومرافئ جديدة.

يمكن اليوم البناء على الموقف الإيجابي الصينيّ من الحرب على سورية طيلة السنوات التسع، وتطور العلاقات الاقتصادية، في الانتقال إلى مستوى أكثر تفاعلاً وتحفيزاً للاستثمارات الصينية في إعادة إعمار سورية، فالصين ليست صندوق النقد الدولي، ولا تفرض شروطاً سياسية وسيادية لتوطين استثماراتها، وإذا كانت الصين قد أدمجت حتى اليوم أكثر من 126 دولة على طول "مشروع الحزام والطريق" منها 12 دولة عربية، فإن سورية ومرافئها هي الأكثر جاذبية لوصول الصين إلى شرق المتوسط (في ظل اعتراض أمريكا على إدارة واستثمار مرفأ حيفا الإسرائيليّ، وتعثر الاتفاق والعرض الصيني مع الحكومة اللبنانية للاستثمار في المرافئ والطاقة والبنى التحتية بأكثر من 12 مليار دولار). ويذهب "علي القادري" في بحثه عن "دور الصين في الأمن القومي لسورية "، إلى ضرورة أن تستند هذه العملية إلى مبادئ مبادرة «الحزام والطريق، لأن سقوط سورية سيدفع هذه الدولة إلى أحضان الغرب، مثل هذه النتيجة ستُضعف الصين وحلفاءها وستغير هيكل القوة العالمية بشكل كبير لمصلحة الولايات المتحدة وحلفائها. فصراع القوى على الأراضي السورية لعبة قوة إمبريالية، والمنتصرون في الحرب قد يصنعون أو يكسرون الحزام والطريق»[3]. إنَّ قدرة الصين التي تمتلك اليوم أكثر من ثلاثة آلاف مليار دولار، تبحث عن فرص استثمارية في الخارج وعن الإسهام في إعادة بناء الاقتصاد السوري (بنى تحتية-إعمار المساكن-إقامة مطارات ومرافئ وسكك حديد ...)، يتوقف على نتائج الصراع الجيوسياسي على إعادة بناء سورية، وتوافقات مع روسيا، ولكن بالدرجة الأساسية، على رغبة وإمكانية الدولة السورية في تعميق الاتجاه شرقاً، والاستفادة من الإمكانات الصينية المتميزة في إعادة بناء سورية.


 في البدائل والخيارات الداخلية لإعادة إنتاج فرص حقيقية للتخفيف من الصدمات الاقتصادية والمعيشية، ثمة ضرورة تاريخية ووجودية لفك الارتباط تدريجياً مع تداعيات السياسات الاقتصادية الليبرالية، والعودة عن تحرير الاقتصاد والتجارة، على أن تتبنى الدولة السورية نهج الاقتصاد التنمويّ الموجه للداخل، المنتج والمقاوم للصدمات الخارجية، قليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي، وتطوير سياسة بدائل المستوردات لنقل كتلة هائلة من القطع الأجنبي (70% من السلع الصناعية) لصالح إنتاجها محلياً، وإعادة تأهيل مقومات ومحركات الإنتاج المادية المحلية في الزراعة والصناعة والحرف والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتقديم كل الدعم والتسهيلات المادية لها، لتنزاح بعدها كتلة نقدية هائلة من التداول والمضاربة، لصالح الكتلة السلعية الإنتاجية، ما يخفف من زخم التضخم وارتفاع الأسعار ويعيد لليرة السورية بعضاً من قوتها، على أن يعاد النظر بحصة الاستثمارات الحكومية في الموازنات السنوية (32% في موازنة 2020) بحيث تعود إلى نسبة 60%، الأمر الذي ينشط الدورة الاقتصادية ويحفز الاستثمارات الخاصة ويرفع معدلات الاستهلاك، بعد تصحيح معادلة الأجور من الدخل لصالح تحسين المستوى المادي والمعيشي، وتراجع حصة الأرباح من الثروة التي يستحوذ عليها العدد القليل من محركات النشاط التجاري في الاقتصاد الوطنيّ.



الجمل بالتعاون مركز دمشق للدراسات