الربيع العربي بين أوباما و الأخوان المسلمين

الجمل *بقلم: ف. ويليام إنغداهل  - ترجمة رنده القاسم


ساد ضجيج كبير حول قرار الرئيس الأميركي ترامب المتعلق بسحب الجنود الأميركيين من سورية مع الإعلان بأن السبب وراء القيام بذلك يكمن في أن داعش، أو ما يسمى الدولة الإسلامية، قد هزمت بشكل كبير. و لكن السبب وراء هذا القرار أهم بكثير، و  ما وراء الظهور المفاجئ لداعش عبر سورية عام 2014 يستدعي تسليط  الضوء على الوثائق المتعلقة بفترة ولاية أوباما.

و في حال أجبرت وزارة العدل على جعل هذه  الوثائق علنية خلال دعوة قضائية أو نتيجة المطالبات بحرية المعلومات، فإن الأمر سوف يهز منظمات مثل السي آي ايه و الكثيرين في معسكر أوباما.

عام 2010 عملت الإدارة الأميركية تحت حكم باراك أوباما على وضع خطة عمل من أجل سلسلة تغيير أنظمة، بدعم من الولايات المتحدة، عبر الشرق الأوسط الإسلامي و هي السلسلة الأكثر طموحا و الأبعد مدى منذ الحرب العالمية الأولى و اتفاقية سايكس بيكو الأنغلو فرنسية. 

ترمي الخطة إلى خلق موجة من الحروب و الفوضى في دول ضعيفة، و فيضانات من لاجئي الحرب لا يمكن تصورها حتى من قبل أكثر السياسيين تشاؤما و أبعد من أن يصدقها أي إنسان عاقل في العالم. 

في آب من عام 2010، أي قبل ستة أشهر من انطلاق ثورة الياسمين في تونس من قبل منظمات غير حكومية في واشنطن بما فيها NED  و Soros    Foundations   و  Freedom House   و غيرها، وقع الرئيس أوباما "توجيهات الدراسة الرئاسية -11" أو (PDS-11) و التي توجه الأوامر إلى الوكالات الحكومية في واشنطن من أجل التجهيز ل "التغيير". و من المفترض أن يكون التغيير سياسة راديكالية تستدعي دعم واشنطن لجماعة الأخوان المسلمين الإسلامية الأصولية السرية عبر العالم الإسلامي في الشرق الأوسط و المتضمنة إطلاق العنان لعهد من الإرهاب سوف يغير العالم بأسره. 

و وفقا لشهادة "بيتر هويكسترا"، الرئيس السابق للجنة الاستخبارات الدائمة  في مجلس النواب الأميركي، فإن "توجيهات الدراسة الرئاسية – 11" (PDS-11) في إدارة أوباما، والتي تصنف بأنها سرية للغاية، تأمر الحكومة بتقييم واسع  لاحتمالات التغييرات السياسية في الشرق الأوسط و دور الأخوان المسلمين في هذه العملية.

و لصياغة محتويات (PDS-11)، تم تشكيل مجموعة مهام ذات سرية عالية ضمن مجلس الأمن القومي في إدارة أوباما، يرأسها دينيس روس، سامانثا باور، غايل سميث، بين روديس و مايكل  ماكفول.

أعضاء مجموعة المهام مثيرون للانتباه من جوانب عدة:

"سامانثا باور" ، التي أضحت سفيرة أوباما لدى الأمم المتحدة و قادت حملت شيطنة روسيا بعد انقلاب الثورة الملونة الأوكرانية التابع للسي آي ايه عام 2014، لعبت دورا هاما في إقناع الرئيس أوباما أن معمر القذافي في ليبيا يجب أن يبعد عسكريا بسبب ما سمته "أسباب إنسانية" .

"دينيس روس"، المتهم من قبل أعدائه الفلسطينيين بأنه أكثر تأييدا لإسرائيل من الإسرائيليين، شارك في تأسيس معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP) برعاية لجنة العلاقات العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك)، و كان مساعدا خاصا للرئيس أوباما و مديرا في مجلس الأمن القومي فيما يتعلق بشؤون الشرق الأوسط و الخليج الفارسي و أفغانستان و باكستان و جنوب آسيا في الوقت الذي كان فيه  جزءا من مجموعة مهام PSD-11 .

"غايل سميث" ترأست في عام 2015 USAID))، و هي وكالة تابعة لحكومة الولايات المتحدة و مرتبطة بالسي آي ايه و تقوم بتحويل  ملايين دافعي الضرائب الأميركيين إلى منظمات غير حكومية مسؤولة عن الربيع العربي و ثورات ملونة أخرى هدفها تغيير النظام. مايكل ماكفول، الذي وصف نفسه مرة بأنه متخصص  في الديمقراطية و الحركات المضادة للدكتاتورية و الثورات، عين فيما بعد سفيرا لأوباما في موسكو حيث نسق احتجاجات المعارضة ضد بوتين.

"تقرير PSD-11 السري للغاية" الذي كتبته مجموعة المهام ظهر بشكل جزئي في سلسلة من المطالبات بتطبيق قانون الحرية الشرعية في الحصول على المعلومات. و الوثائق الرسمية التي أطلقت تكشف أن مجموعة المهام في مجلس الأمن القومي خلصت إلى أن الأخوان المسلمين "حركة حيوية" بحيث يمكن أن تدعمها حكومة الولايات المتحدة عبر شمال إفريقيا و الشرق الأوسط، و التوجيهات الرئاسية الناتجة عن ذلك أمرت الدبلوماسيين الأميركيين بالتواصل مع كبار قادة الأخوان المسلمين و  منح دعم فعلي لوصول المنظمة إلى السلطة في دول رئيسية مثل مصر و ليبيا و تونس و سوريا  مع بدء الربيع العربي عام 2011.

و خلصت الورقة السرية في PSD-11 إلى نتيجة غريبة مفادها أن  شعار الإسلام السياسي الخاص بالأخوان المسلمين، إضافة إلى حماسهم القومي، قد يقود إلى "الإصلاح و الاستقرار". إنها كذبة، كذبة معروفة جدا بالنسبة لأعضاء مجموعة مهام PSD-11 التابعة لأوباما.

"الأخوان المسلمون" منظمة سرية شبيهة بالماسونية، ذات ذراع إرهابي سري و مظهر علني كاذب يدعي "السعي السلمي من أجل الأعمال الخيرية". تم تأسيسها في مصر عام 1928 من قبل حسن البنا الذي وضع الشعار الموجه للمجموعة، و اختصرت عقيدة جماعته من الأخوان المسلمين في ست عبارات: "الله غايتنا، النبي قائدنا، القرآن دستورنا، الجهاد طريقنا، الموت في خدمة الله أسمى أمانينا، الله أكبر الله أكبر"خلق البنا جيشا سريا أو مخفيا من الأخوان في مصر و فيما بعد عبر العالم، عرف باسم "النظام الخاص" أو كما يشار إليه من قبل البريطانيين في مصر "الجهاز السري".

كان هذا الجناح العسكري من الأخوان المسلمين، و فعليا هو "مكتب الاغتيال". لقن البنا مجنديه، و حصريا الذكور، أن الجهاد فرض على كل مسلم، و تحدث عن نبل الموت في خدمة الله، و كتب بأن الله يضمن حياة نبيلة للأمم التي تعرف كيف تموت موتة نبيلة، كما ألقى الوعظ عن تقديس  الموت حيث أن النصر يأتي فقط مع إتقان فن الموت، و بالنسبة للأخوان المسلمين هذا الإتقان يبلغ كماله مع قتل "الكافرين" في الجهاد أو الحرب المقدسة باسم الله. و الكافرون يمكن أن يكونوا  مسلمين آخرين مثل الشيعة أو الصوفيين الذين لا يتبعون ممارسات البنا السنية الصارمة، أو قد يكونوا مسيحيين.

نادى حسن البنا بإقرار قانون الشريعة الإسلامية الصارم، و الفصل الكامل بين الطلاب الذكور و الإناث، مع وجود منهج دراسي خاص للفتيات، و منع الرقص و الدعوة إلى دول إسلامية تتحد فيما بعد ضمن الخلافة الإسلامية.خلال الحرب العالمية الثانية، هربت شخصيات قيادية بارزة  من الأخوان المسلمين من مصر الواقعة تحت السيطرة البريطانية إلى برلين، و من بينهم حليف حسن البنا المقرب "أمين الحسيني" مفتي القدس، و الذي عمل بشكل أساسي مع منظمة "إس إس" (التي كانت تابعة للحزب النازي الألماني)  و هاينريش هيلمر (أقوى رجال أدولف هتلر و الذي قاد فرقة القوات الخاصة الألمانية والبوليس السري المعروف بالجيستابو)  من أجل خلق وحدات إرهابية خاصة من الأخوان المسلمين في "إس إس"، "سميت هاندشار إس إس" Handschar SS) ) تعمل على قتل الجنود السوفييت و اليهود.

و في الخمسينات في ميونيغ بعد الحرب اكتشفت السي آي ايه الأخوان المسلمين النازيين المتطوعين في المنفى و قررت أنهم يمكن أن يكونوا ذا فائدة.و فعليا كل المنظمات و القادة الإرهابيين الجهاديين قدموا من الأخوان المسلمين:

"أسامة بن لادن"، الذي عمل لصالح السي آي ايه في باكستان و قام على تجنيد المجاهدين من أجل قتال السوفييت في أفغانستان، كان عضوا في الأخوان المسلمين تم تجنيده من قبل السي آي ايه و رئيس الاستخبارات السعودية الأمير تركي الفيصل، من أجل خلق ما سمي القاعدة. و من الإرهابيين الآخرين الأعضاء في الأخوان أيمن الظواهري 

و "الشيخ الضرير عمر عبد الرحمن" الذي توفي مؤخرا في سجن الولايات المتحدة أثناء قضائه حكما لدوره في تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993، و قد اتهم الشيخ عمر بالتآمر لاغتيال رئيس مصر حسني مبارك و التخطيط لاغتيال أنور السادات على يد الأخوان المسلمين إضافة إلى تفجير مركز التجارة العالمي. 

أعضاء مجموعة المهام PSD-11 التابعين لإدارة أوباما في مجلس الأمن القومي، و الذي أوصوا بقيام الحكومة الأميركية باحتضان الأخوان المسلمين الإرهابيين في دول إسلامية ضمن الشرق الأوسط العربي، يعرفون جيدا مع من يتعاملون. و منذ الخمسينات  و السي آي أيه تعمل مع الأخوان حول العالم:

القاعدة في أفغانستان و القاعدة في العراق و سورية و جبهة النصرة في سوريه و كذلك ما يسمى الدولة الإسلامية أو داعش، كلها أسماء تتغير مع تغير لون جلد الحرباء لتناسب محيطها.ظهور القاعدة في العراق و سورية و من بعدها داعش، الحروب القاتلة و الفوضى التي اجتاحت الشرق الأوسط العربي و وصلت إلى أوربا الغربية منذ 2010 ، كلها تعود مباشرة لسياسات أوباما، فذاك الذي أسموه ربيعا عربيا أتى من توجيهات مجموعة المهام الرئاسية PSD-11  ، و هذا ما يخشى من كشفه مع رفع السرية عن ملفات وزارة العدل الأميركية خلال الأشهر القامة. البعض في واشنطن يتحدث عن الخيانة ، يا لها من كلمة قوية.


*محاضر و مستشار أميركي في شؤون الأخطار الإستراتيجية، حاصل على شهادة في السياسة من جامعة برينستون الأميركية و له كتب عن النفط و علم السياسة الطبيعة هي الأكثر مبيعا.

 


عن مجلة New Eastern Outlook   الإلكترونية