حقائق جديدة على الأرض السورية

الجمل ـ *بقلم أليكسندر أورلوف ـ ترجمة رنده القاسم:


أضحى جليا ،و  بناء على  الأحداث الحالية في سورية ، أن الصواب يكمن في المراهنة على تدمير المجموعات الإرهابية المسلحة عوضا عن أي نوع من المفاوضات. 

ففي النهاية ، فشلت المحادثات في أستانة، كما حدث في جينيف من قبل، في خلق شروط مسبقة من أجل تسوية سلمية للصراع السوري، ما يعني تأخير إعادة بناء البلد.

علاوة على ذلك، تمكنت  القوى المعادية للأسد، بما فيها القوات السورية الديمقراطية الكردية المدعومة من واشنطن، من وضع يدها على  حقول نفط و غاز سورية..و  مع احتدام القتال ضد الدولة الإسلامية في العراق و سورية، يبدو من المستحيل التكهن بالزمن الذي ستنتهي به الحرب على سورية.

ومؤخرا أعلن المتحدث باسم الرئاسة التركية ، إبراهيم قالين، عن تأجيل بدء اجتماع الحوار الوطني السوري و الذي كان من المقرر انعقاده في سوتشي ، روسيا ،الثامن عشر من تشرين الثاني. و كان من المفترض أن يجمع ثلاث و ثلاثين  منظمة عاملة في سورية، بما فيها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، غير أن أنقره عارضت مشاركته صراحة، و أكدت على أن الحزب منظمة إرهابية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني . و نجم عن هذا الاحتجاج سحب روسيا دعوتها لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي و إعادة جدولة الحدث برمته.

و لكن فكرة عقد اجتماع مماثل لم تعد مناسبة بعد الآن. فسورية مقسمة إلى عدة مناطق و هي تابعة لجانبين ، الجانب المدعوم من الولايات المتحدة و الممتد عبر المناطق الشرقية و الشمالية من الدولة، و المنطقة الروسية –التركية –الإيرانية و هي مجزأة أكثر من سابقتها ، ما يزيد من صعوبة حل الخلافات بين الدول التي تدعمها و حلفائها.

إلى حد كبير شمال سورية هو أكثر المناطق اضطرابا، و تعقد المشاورات حول الوضع في هذه المنطقة على مدار الساعة في أستانه، حيث تتفاوض روسيا الاتحادية و تركيا و الجمهورية الإسلامية الإيرانية حول قواعد تدخل حلفائهم على الأرض. و لكن ، هنا نشأ الخلاف بين تركيا و روسيا حول مسألة المشاركة الكردية،  فجمع ممثلين أكراد و أتراك على نفس طاولة المفاوضات مهمة صعبة جدا، و بدون وجود كل المجموعات على طاولة المفاوضات، ستكون الاتفاقات بلا جدوى.

في شمال سورية ، في دير الزور، تنمو حالة معقدة للغاية، و يبقى هناك سؤال أساسي متعلق بالسيطرة على طرقات النقل في البوكمال، و هناك نقطة تقاطع هامة جدا  قرب خطوط النفط و الغاز، و البلدة نفسها لا تملك قيمة كبيرة، و لكن التقاطع  بجانبها ، إضافة إلى الطريق الممتد بين البوكمال و التنف هو الأكثر أهمية. و توافق واشنطن على أن تسيطر على هذه المنطقة القوات العراقية المدعومة من الميليشيات الشيعية المؤيدة لإيران، و لكن الموضوع أكثر تعقيدا من هذا، فالهجوم العراقي يقوده المقاتلون الشيعة المؤيدون لإيران من الحشد الشعبي، و يتبعهم الشرطة العسكرية مع وجود جنود الجيش العراقي في المؤخرة. و التعقيد يكمن في حقيقة أن الحشد الشعبي قد يسلم مفترق الطرق إلى قوات بشار الأسد، السيناريو الذي يعارضه الأميركيون. و لكن، في حال حلت وحدات عسكرية عراقية مكان هذه القوات الشيعية، فإن مفترق الطرق سيحول إلى قوات سورية الديمقراطية الكردية.

و من أجل السيطرة على الوضع حول البوكمال، أرسلت  واشنطن احتياطي من قوتها البالغة 3000 و المتمركزة في المنطقة الواقعة تحت سيطرة قوات سورية الديمقراطية. و كانت هذه القوة قد أثرت على الأحداث بالفعل ، و استولت على سد  تشرين على نهر الفرات لتسلمه فيما بعد لقوات سورية الديمقراطية. و من الواضح ، أن السيناريو ذاته يكرر في البوكمال، و لكن القوات المستخدمة في هذه العملية أكبر عددا بسبب وجود قوة قادمة من العراق.

و بنفس الوقت يبدو من غير الواضح من سيسيطر على ممر الحدود بين  التنف و البوكمال. واشنطن تريد أن يسيطر على الممر ما يسمى الجيش السوري الحر و الموجود في المنطقة الخالية من التصعيد، و مبدئيا  كانت هذه هي القوات الذاهبة لأجل محاولة الاستيلاء على البوكمال، غير أن  القوات الحكومية السورية أعاقتها و تركت  واشنطن و عملاءها يركزون  على هزيمة داعش, و مع عدم سيطرة أي من الطرفين على نقطة التقاطع، ربما يعيد الجيش السوري الحر المحاولة. و تسعى الولايات المتحدة قدر الإمكان نحو طرق لتعقيد مناطق السيطرة في الشمال، في محاولة لحرمان الحكومة السورية من الوصول إلى كل من حقول النفط  و طريق عبور هام نحو العراق ، و في حال نجح البنتاغون في تحقيق هذا الهدف، قد يسمح للقوات السورية بالسيطرة على البوكمال نظرا لعدم أهميتها في هذه الحالة.

و كل الأمور تشير إلى تصعيد الصراع في هذه الفترة مع بدء الأطراف بالتحضير لمفاوضات تتعلق بتقسيم الأراضي، على الرغم من أن قلة توافق على الطريقة المقسمة فيها الآن. و قد أعلنت دمشق و الإيرانيون استعدادهم لتحرير الرقة من الأكراد، و كان هذا دون الإشارة بأن أنقره لن تقوم بدعم هذا الأمر فحسب، و لكن أيضا التأكيد على دعم روسيا لعملية كهذه ، و بهذا تحل مشاكلها الخاصة على حساب الآخرين. غير أن موسكو على الأغلب ستتفادى الصراع مع المجموعات الكردية.

لا تزال داعش تملك عددا من البلدات الصغيرة تحت سيطرتها على طول نهر الفرات إلى جانب دعم ميليشيات قبلية سنية، و يصعب  وصف هؤلاء بأنهم جزء من داعش لأنهم يملكون أهدافا و أعداءا مختلفين ، و هذه هي القبائل التي تحول الآن دون تقدم الأكراد، مع وجود عدد قليل من مقاتلي داعش يسيطرون على الخط. و وفقا لتقارير عدة ، فإن داعش قد سحبت بشكل كامل وحدات النخبة من سورية، و بالمجمل لا يوجد أكثر من ألف مقاتل من داعش في سورية مدعومين من ميليشيات محلية لا تملك أكثر من أربعة آلاف مقاتل..و بالكاد يمكن وصف هؤلاء المقاتلين بأعضاء من داعش، لأنهم كانوا معظم الوقت أعضاء في وحدات دفاع ذاتي تركز على السيطرة على بلداتها الخاصة.

و بشكل عام، تقود داعش عملية إجلاء واسعة، مع مغادرة سورية من قبل خمسة عشر ألف مقاتل على الأقل و حوالي خمسة و عشرين ألف مدني مؤيد لداعش  خلال الأشهر التسعة الماضية ، و هذه القوات تشكل خلايا نائمة عبر المنطقة، و هذه الخلايا تشكل خطرا دائما الأمر الذي تجسد في تدمر عندما تمكن مائتي مقاتل فقط من المقاومة  لمدة ثلاثة أسابيع.

و من الواضح أن الحرب الإرهابية سوف تقاد عبر خطوط  الهجمات الموثوقة و المجربة من الصحراء و عبر الهجمات الإرهابية التقليدية ضمن المدن، و منذ فترة وقع هجوم في دير الزور مخلفا عشرات القتلى و الجرحى،  و هذا المخطط برمته مألوف بالنسبة لداعش، مع ذهاب هذه المجموعة تحت الأرض للمرة الثالثة في تاريخها القصير، فإنها قادرة على شن حرب إرهاب مؤجلة.

و بنفس الوقت الوضع في سورية يتطور بطريقة تغدو فيها داعش  الأقل أهمية في المشاكل الحالية، فالصراعات الدائرة بين "الفائزين" تصبح تدريجيا المشكلة الحالية، و كلما تطور هذا الأمر، كلما أصبح أكثر صعوبة. و قد أعلنت دمشق عن هجوم على الرقة سيسفر عنه تصعيد بين دمشق و واشنطن، و النتيجة تعتمد على موقف إيران, فإذا قررت طهران دعم خطوات دمشق، عندها ستتعرض الولايات المتحدة لخطر صراع مع كل من روسيا و إيران ، تاركة الأتراك مرة ثانية لمصيرهم، إضافة إلى ذلك سيدفع أردوغان موسكو نحو المواجهة مع الأكراد.

و يعول الكثير  على موقف إيران في منطقة البوكمال، حيث تواجه القوات الشيعية معركة ضارية ضد بقايا داعش و الجيش السوري الحر.

و هناك أيضا احتمال أن يدع الجيش السوري الحر الأردن تستولي على كل الحدود السورية الأردنية، ما يجعلها ممرا مباشرا لكل الميليشيات نحو سورية ، و بهذا فإن الأمل الوحيد يكمن في استمرار  إيران بتوفير الدعم للحيلولة دون وقع ذلك.

من المبكر جدا التحدث عن نهاية الصراع السوري، سوف يستمر و لكن بشكل مختلف و بين قوى مختلفة، و روسيا أعلنت عن نيتها سحب قواتها العسكرية من سورية ، تاركة عددا كافيا من الجنود للحفاظ على قاعدتيها العسكريتين ، و من الواضح أنه عاجلا أم آجلا ستؤدي  الصدامات المسلحة إلى وضع يغدو فيه من الضروري حل القضية سياسيا، و سيتوجب على إيران و تركيا و الولايات المتحدة الوصول إلى اتفاق.


*عالم سياسي  متخصص في الشؤون الشرقية


عن مجلة New Eastern Outlook الالكترونية



إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.