أرسل من قبل فيصل الملوحي (غير مختبر) في الإثنين, 2007-10-22 08:50.
سحر { باب الحارة}
كتبها : فيصل الملوحي
١ـ لم سيطر مسلسل{ باب الحارة} على عقول المشاهدين ، وأخذ بألبابهم ؟
٢ـ لم سيطر على عقول المشاهدين في المشرق و المغرب، وأخذ بألبابهم ؟
كانت الإجابة عن السؤال الأول محور أكثر من ندوة وقول في الرائي { التليفزيون} و في الصحف والمحلات، ولم ينس المتحاورون مناقشة السؤال الثاني.
فهل أجد لي كوة أحشر فيها بضع كلمات أجيب فيها عن هذين السؤالين ، فإذا كانت حقا فمن عند الله ، وإن كانت غير ذلك ، فمن نفسي وأبرأ إلى الله منها .
أولا : أثر الأدب بعامة ، والتمثيل بخاصة:
ليس جديدا أن أقول:
إن من البيان لسحرا للعقول وللقلوب،
و إن من الأدب لهزا للمجتمع و تغييرا ،
وإن من التمثيل لتبديلا في الأفكار و المبادئ و السلوك ، إن للخير أو للشر .
إنما أردت أن أقول: ما كان مسلسل{ باب الحارة } بدعا حين أجج في النفوس هذه مشاعر عنفوان الشباب ، وأيقظ في القلوب حمية الرجال للقيم التي كادت أن تندثر{ اللهم إلا إشعاعات مازالت تبثها بعض النفوس ، وتضيء في بعض أماكن الخير}.
إن لعناصر العمل الفني المسرحي { من مؤلف و مخرج و ممثلين و مؤثرات حسية صوتية وشكلية. . } أثرا عميقا في العقول والنفوس ، و ما تلهفنا للقيم الحميدة إلا نتيجة عملية لهذا الأثر ، دون أن ننكر أن في النفوس بعض الحنين إليها .
كان الأفراد والمجتمع قبل أربعين سنة ونيف – حين انخرطنا في التمثيل – ينفعلون بالمسرح – لا يقتصر هذا على لحظة المشاهدة كما يحدث اليوم– بل بصاحبهم في حياتهم اليومية.
أما اليوم فأخبروني– بربكم – ماذا تفعل كل هذه المسرحيات في النفوس، هل تغير شيئا في المجتمع؟ أم تحولت إلى وسيلة لتزجية الوقت { اللهم إلا من بصيص يلوح لنا في الأفق، ثم ينطفئ } ، قد ترجع الأسباب إلى غزارة العروض المسرحية، و إلى التناقض فيما تدعو إليه.
النجاح الأكبر لمسلسل{ باب الحارة } سببه هذه {التوليفة } الرائعة لعناصر العمل الفني المسرحي، ثم يأتي بعدها حنين الناس إلى القيم.
دليلي على هـذا أنه لن يترك في الأفكــار و المبادئ و السلوك إلا أثرا يكاد يمحي بعد حين { لا تأخذوا هذا من منطلق القنوط من رحمة الله ، و لا من باب الزهد في هذه الأعمال ، فعلينا أن نلح ونلح كما يقول طه حسين حتى يأتي الله بالفرج ونلقى من يصغي إلينا } غوار الطوشة – و ما أدراك ما غوار الطوشة – ألم تكن له فترة عز ، ألم يتربع على عرش العروض المسرحية في سورية ، وكان له صدى محبب في كثير من البلاد العربية؟
أنا أميز _ فنياً _ بين دريد لحام و غوار الطوشة ، دريد لحام من أعمدة المسرح العربي السوري ، و له روائع أسكرتنا ، و لكن هل يسمح لي جمهور غوار الطوشة و دريد لحام نفسه ألا أضع { صح النوم } وأشباهها في ميزان واحد مع أعماله الأخرى موضوعاً وفنا ، و أنها _ في رأيي _ أساءت إلى قيم المجتمع ، و إلى الفن نفسه.
فهل نستطيع الادعاء بأنها سيطرت على الجمهور لما تحمله من قيم ؟!
وهذا ما يجعلني أشفق على مسلسل{ باب الحارة} من النسيان في المستقبل القريب.
ملحوظة ضرورية: لا ينقل العمل الفني الواقع بتفصيلاته، و إنما يتخيل أحداثا تنقل لنا بأمانة صورة هذا الواقع بعامة.
والأهم من هذا أنه لا يستطيع نقل القيم الاجتماعية – كل القيم - المستحبة والممجوجة، بل ربما كان أكثر جوراً في نقل القيم الممجوجة، و ما ذلك بعيب في القصة و المسرح، ولا بذريعة نسقط بها عظمة مجتمع.
ثانيا: شمولية الرمزية المحلية { الشامية }:
في الإنسان نزعات إلى بيته و محلته ثم إلى مدينته، و تمتد لتشمل كل من تربطه بهم أواصر الدم والفكر والمصالح. . . . وليس في هذا التعدد تناقض و لا تناحر، بل تكامل إنساني عظيم.
فإذا نقل إلينا مسلسل { باب الحارة } صورة للمجتمع الشامي، فهو في آن واحد ينقل إلينا صورة للمجتمع العربي بخاصة و الشرقي بعامة ، فالقيم واحدة ، والعادات متقاربة ، والآمال والآ لام ذاتها . والتضامن مع الأسرة الصغيرة تضامن مع الأسرة الأكبر.
فلا تعجبوا إن منع المسلسل التجول في دمشق والقدس والجزائر الغالية. . .