الآباء الصغار والوقوع في مطب التبسيط

27-11-2006

الآباء الصغار والوقوع في مطب التبسيط

يقول دريد لحام: في فيلمي الآباء الصغار وكعادتي لجأت الى البساطة، والبساطة المطلقة،كوني مشهد من الفيلم لاأجيد ان أقدم ملاحم سينمائية، فأنا لم أسع لأقدم الحرب والسلم أو ذهب مع الريح.

اذا كان التأرجح بين البساطة والتبسيط هي القاعدة الأساسية لأفلام دريد لحام، فإنه غالبا ماينجح عندما يحقق البساطة،ويتعثر عندما يلجأ الى التبسيط... فالفن السينمائي على الاغلب لايحتمل التبسيط، إذ إنه فن مركب،بل شديد التعقيد.هنا لايعتبر الفيلم عند دريد بديلا عن أعماله التلفزيونية أو المسرحية، لكنه في الأغلب قريب من الطريقة التي ينطلق منها في تقديم اعماله تلك،وملخص منطلق دريد هو سعيه كي يقدم اعمالاً ذات اهداف أخلاقية تمس العائلة، وقد ترسخ منطلقه هذا بخاصة في المرحلة الثانية من حياته السينمائية،عندما ابتعد عن التعاون مع مخرجين سينمائيين محترفيين وقرر أن يوقع على إخراج أفلامه بنفسه. 

الفيلم الكوميدي بالمطلق لايحتمل اي نسبة من الترهل،إذ لابد ان يستند الى قصة محبوكة،وشخصيات متطورة، وكل عبارة تجري على لسان ممثليه يجب ان تكون ذات هدف، ومحققة لأهميةٍ تخدم الحدث الرئيسي.هنا في ( الآباء الصغار) لايستخدم دريد عبارةفيلم كوميدي،بل يعنون إعلانات الفيلم بعبارة ( فيلم للعائلة)، واضح ان المقصود أن فيلم العائلة يواجه افلاماً ليست للعائلة،او مايعرف بأفلام هواة النوع،مثل افلام:الرعب،المغامرات،التشويق... الخ. ‏

هنا، وتحت عنوان فيلم للعائلة، يرسم عملاً فنياً يستند الى شخصيات بسيطة ذات عمق انساني،كلُ تصرّف تقوم به ذو دلالات اجتماعية وعاطفية في آن معا. الفيلم يحتوي حبكات بسيطة جداً،يكاد المشاهد لايشعر بها. منذ الدقائق الخمس عشرة الاولى ، يعرف المشاهد كامل الحكاية،وبالتالي لايشغل رأسه في اكتشاف أي شيء جديد،الشخصيات الرئيسية تقدم نفسها منذ البداية، والشخصيات الثانوية لاتأثير لها ،فلو حذفت لما تأثر الفيلم بأي شيء. لااختزال في اللقطات السينمائية، كاميرا مفتوحة على مشهد واحد،تصل اللقطات الى ان تكون فوتوغرافية في بعض الأحيان. افلام دريد لحام ليست موجهة بتاتا للذين يملكون معرفة سينمائية واعية، ليست موجهة للمشاهدين الذين يمقتون المشاهد التي تفصح عن نفسها، ولاتترك لمشاهدها اي مساحة لكي يكتشف بنفسه دلالة ما. 
  سينما دريد لحام، و(الآباء الصغار) جزء منها،لاتلجأ إلى الاختزال ـ وهو أساسٌ في الفن السينمائي ـ ، إنها سينما تقدم نفسها بوضوحٍ مبالغ فيه،دون خلفيات أو عناصر موازية،الحدث هنا أحادي،يحكي عن اسرة مؤلفة من ام ـ سلمى المصري ـ (رضية) وأب ـ دريد لحام ـ (ودود) وأربعة اولاد (جابر ومعن ونورا وغزل)،تموت الام نتيجة مرض عضال، وتواجه الأسرة مصاعب الاستمرار. تظهر في حياتهم (امل)حنان الترك، الباحثةفي الاثار و القادمة من القاهرة ،تصل إليهم عبر رغبتها في استئجار غرفة، بعد أن تقرر الأسرة تأجير واحدة من غرف المنزل الثلاث، بهدف الاستفادة من قيمة الايجار في تحمل أعباء الحياة نتيجة انقطاع راتب الام المتوفاة. ‏

وسرعان ماتندمج امل مع الأسرة المنكوبة بوفاة ربتها، وتنشأ المفارقة اللفظية من التعارض بين اللهجتين الدمشقية والمصرية، ومن (الفلاش باك) الذي يثبت في كل محطة له أن الاسرة تنفذ رغبات الام الراحلة. ‏

فيلم العائلة يقود الى الابتسامة في أغلب مواقفه !! فالمشاهد التي نراها أمامنا، وسيط بصري يصل في بعض الاحيان كي يحقق الشروط السينمائية، وفي احيان اخرى يشعرك بأنك امام عمل تلفزيوني يعرض على شاشة عريضة. 
 ‏ العُقده الوحيدة في فيلم طوله ساعتان هو اعتقاد الاولاد الأربعة ان أباهم قد وقع في غرام الباحثة القادمة من القاهرة امل، لكن سرعان ماتنفك هذه العقده، بإعلان الاب ان لااحد يمكن ان يحل مكان الام الراحلة. ‏

المشاهد يقبل الشخصيات المعروضة أمامه منذ اللحظة الاولى. لااتذكر اثناء مشاهدة (الاباء الصغار) اني قلت (لا) لأي شخصية من الشخصيات، باستثناء موت الام،فكل شيء يعرض أمامنا سهلٌ. ‏

الشوارع لاازدحام فيها، الميكرو باص يقف امام ركابه ويصعدون بمنتهى البساطة، مخفر الشرطة مكان مناسب كي يدرس ودود ويتخرج من كلية الحقوق، عمل الاولاد بفرط البازلاء والفول يكفيهم متطلبات الحياة، النظافة تعم كل الامكنة التي عرضت أمامنا، لامشكلات هناك ولامنغصات، المنغص الوحيد موت الأم،والسرور والراحة يحصلان بحصول الاب على شهادة الحقوق.
‏ كل مايقدم عبر الشريط السينمائي (الآباء الصغار) إنساني بامتياز، شخصيات تقدم نفسها مباشرة دون اي تأسيس، وبالتالي لاحبكة هناك. اراد دريد لحام ان يقدم عملا لانقاط سلبية فيه، عملاً اخلاقياً، أحادياً، سهلاً، بسيطاً، يجلب الابتسامة دون ان يكون كوميدياً، ويقود الدمعة الى العين دون ان يكون هناك مواقف تراجيدية. ‏

دريد لحام في ندوة أقيمت الشهر الماضي في نقابة الصحفيين بالقاهرة حيث اطلق عرض الفيلم في القاهرة قال: احلموا، لايوجد شيء اسمه المستحيل، علينا أن نتسلح بالإرادة حتى نحقق أحلامنا. ‏

ويضيف متحدثا عن فيلم الآباء الصغار: هذا الفيلم كان حلمي الأكبر، وفاجأني المنتج يوسف الديب عندماتحمس لإنتاجه !!وأردت من خلال الفيلم أن أقول إن العائلة المتماسكة المتفهمة هي التي تصنع وطناً متماسكاً ومتفاهماً. من خلال (الآباء الصغار) أدعو الجميع للاهتمام بالاطفال،فكثيرون يسألونني: لماذا لانرى الاطفال في الأعمال الفنية وهم نصف المجتمع ؟هذه البراعم الصغيرة لابد من تأهيلها بشكل صحيح حتى نضمن مستقبلاً أفضل لوطننا،ويجب أن تكون تنشئة الاطفال سليمة من خلال عائلة سليمة. 
 ‏ شارك دريد، في كتابة السيناريو، المخضرم رفيق الصبان، لكن هذه المشاركة لم تلعب دوراً هاماً، فبقيت هناك تفاصيل لامبرر لها، أدت إلى التطويل، إضافة الى محدودية مواقع التصوير،وابتعاد السيناريو عن المشاهد الحركية، اضافة الى اغراق السيناريو في الحوار الزائد، واحيانا المكرر، فالمفارقة التي قادت الابتسامة الى شفاه المشاهدين عندابراز التعارض بين اللهجتين الدمشقية والمصرية، تكررت الى درجة ان بعض المشاهد اصبحت إذاعية. الفكرة البسيطه جدا للفيلم قادت دريد في إخراجه الى نقل اجواء فنية حميمة جدا، صادقة،ووصل صدقها الى جمهور المشاهدين، لكنه لم يعبر بالشخصيات الى ابراز مابداخلها، وبقيت الملامسة انسانية خارجية. ‏

السينما ماتشاهده لاماتسمعه، هنا المشاهدة توازت مع السماع، وكان لهما الأثر نفسه. ‏

فيلم (الآباء الصغار) سعى لتقديم قفشات لكوميديا ذكية،واستفاد من قدرة المخرج على الامساك بعفوية الاطفال الأربعة الذين حركهم باقتدار يحسب له، خبرة دريد لحام ممثلاً،تجعله يوما بعد يوم يخبر عن حرفية عالية،وقدرة على ادهاش مشاهديه بالاداء السهل الممتنع. في الفيلم تلعب حنان الترك دوراً رئيساً ،خبرتها كممثلة محترفة، أنقذت الفيلم من الوقوع في مطبّ التبسيط، وساعدت دريد في الوقت نفسه على حمل جزء ٍرئيسي ٍمن المشاهد، خبرة حنان الترك ونضجها جعلت المشاهد التي تجمعها بالآخرين مليئة بالمواقف الكوميدية التي ساعدت على ايصال الرسالة الاجتماعية الحميمة التي سعى لها دريد.

امور عديدة تسجل للشريط السينمائي (الآباء الصغار) أولها عودة الانتاج السوري ـ المصري المشترك، والثاني تعزيز الاشرطة السينمائية التي يمكن ان تعيد افراد الاسرة الى ارتياد الصالات السينمائية، وثالثها بث الروح في انتاج القطاع الخاص السوري.وابرزها ان دريد لحام رغم كل العقبات التي تواجه صناعة السينما، مازال قادرا على ان يقف وراء انتاجات سينمائية جماهيرية، قادرة ان تعيدنا الى الدراما الاجتماعية النظيفة. ‏

نادر اصفهاني

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...