الدراما السورية: نجاحات وإخفاقات

 نجاحات مقبولة

بطعم «الندم»

● لم يكن ينقص «الندم» (إخراج الليث حجو) سوى حضور نجيب نصير كونه رافق السيناريست والروائي حسن سامي يوسف في أغلب نصوصه التلفزيونية، وربما كان وجوده سيخلّص العمل من الوجدانيات الزائدة، أو يشّده أكثر نحو الحياة بعيداً عن الرومانسية والإنشاء، ثم يجعله يتخطى استطالاته السردية، التي ولّدت نوعاً من الملل. هذه المشاكل لم تجهض الإجماع النقدي والجماهيري على المسلسل، خاصة أنه يطل في موسم الخيبات الكبرى. يتوازى نجاح «الندم» مع ألق ممثليه وقدرتهم على دمج الأداء مع الحضور والاقتراحات البصرية الجديدة بالنسبة إلى شغل معظهم. يبرع سلّوم حداد في تجسيد تناقضات أبو عبدو الغول، بين جبروت طاغ وانكسار مجحف يليه... هكذا، منح نجم «الزير سالم» العمل إيقاعاً مختلفاً بمجرد ظهوره على الكاميرا.

كذلك، سحب محمود نصر البساط نحوه حين خلّص شخصيته من هالة النبوة التي كتبت بها. يبقى الملمح الأكثر توفيقاً بالنسبة إلى «الندم» هو الشغل على شخصية «هشام» (جابر جوخدار) المعارض الذي يعتقل بتهمة التجسس ليذوق مرارة التعذيب إلى درجة تجعله يتمنى الموت ولا يراه. وبعد خروجه بعفو رئاسي، سيعود الأمن ليعتقله. مقاربة موضوعية وسليمة لما يجري في كواليس الاستبداد. وبالتوازي مع الضبط والإدارة الإخراجية لأحداث النص وأداء ممثليه، برعت مصممة الماكياج ردينة تابت بشغل يقارب الفن السابع أكثر مما يصلح للتلفزيون.

السلطة والفساد

● لا يمكن الحديث عن أعمال مشرقة هذا العام، إذ لن يكتمل العد ليصل إلى ثلاثة لو تحدّثنا عن المسلسلات المقبولة. فالإنتاجات الجادة غلبت عليها الهنّات والهفوات في أماكن عديدة، لكنها لم تحرم «العرّاب- تحت الحزام» (سيناريو وحوار خالد خليفة وأحمد القصّار وإخراج حاتم علي) من نصيبه من النجاح. انطلقت الحكاية بالاتكاء على الفرضية الأصلية في الجزء الثاني من الفيلم الشهير، أي مع تولي «مايكل كورليوني» (آل باتشينو) إدارة العائلة الحاكمة بأمر الصفقات المشبوهة والعلاقات غير المشروعة، كونه قادماً من كواليس نظيفة إذا ما قورنت بمستنقع الفساد الذي يحيط به. المعادل السوري هنا كان شخصية جاد (باسل خيّاط). يؤدي الأخير بالإفادة من الكاريزما والموهبة الخاصة ليصبح أبرز لاعبي الدومينو في العمل ويغرق في فساد أصحابه بعد أن يعتلي عرش «العراب» ثم ينجح في توليف سلطته على مال الطبقة الدمشقية المحافظة بزواج «بزنس» توافقي. يجول شقيقه الأكبر قيصر (باسم ياخور) على هواه، فيضرب ويقتل وينهب ويسرق ويدير بأذرعه المتعددة ميدان الفساد. على ضفة موازية، ينتزع حاتم علي لنفسه مساحة تمثيلية كبيرة بدور «نورس» المثقّف والروائي الذي دفع ثمناً باهظاً، تمثّل في اعتقاله نتيجة إيوائه ابنة أبو عليا المصابة بتخلف عقلي والتائهة في عشوائيات دمشق. لكن من المستهجن الشكل الأنيق الذي خرج عليه نورس من المعتقل!

موسم الخيبات

هل قلت كوميديا؟

● لم يفعل المخرج سيف الشيخ نجيب هذا الموسم شيئاً يذكر، سوى أنه رفع كلّ صيت طيّب عن مشروع «بقعة ضوء» بعدما دمّر جزءه الـ 12 كلياً. لكن عندما يقارن الشيخ نجيب بفادي غازي، فإنّ الكفة سترجح حتماً لصالح الأوّل. الثاني ارتكب حماقة تنتحل بطريقة مغلوطة صفة الدراما، وتعتدي بأسلوب ممنهج على فن باسم «سليمو وحريمو» (كتابة وإخراج غازي). لن يفاجئنا المستوى الهابط الذي توقعناه، ولا ظهور مجموعة كبيرة من ممثلات لم يسبق أن سمع أحد بهن. الكارثة هي وجود ممثل بحجم عبد المنعم عمايري وموهبته! الرجل لم يعنه أنه كان أبرز نجوم الموسم في العام الماضي بدوره في «غداً نلتقي» (إياد أبو الشامات ورامي حنا)، ولم يفكر بما اقترفت يداه جرّاء مهزلة اسمها «صايعين ضايعين» (رازي وردة وصفوان نعمو). أراد أن «يلعب بالمقصقص حتى يأته الطيّار» كما يقول المثل الشعبي الدارج في الشام. في الوقت الميّت بعد نهاية الموسم الماضي، استرزق «أبو سلمى» بهذا المسلسل الكارثي. ولم يأبه بكم الافتعال والسماجة والتصنّع وغياب أي بصيص للكوميديا. ربما يحسب لهذا العمل تغيير قواعد اللعبة. بدل أن يرسم بسمة على شفاه المتفرّج، أعطى ذريعة لدموع غزيرة، كنوع من الشفقة على هذه البضاعة، ومن أطلق عليه تسمية مسلسل، ثم من اشتراه بتراب الفلوس!

أقفلوا هذه الحارة

● لا نبالغ لو قلنا إن كل مشهد من الدراما الشامية، يستحق المحاكمة العلنية بتهمة الإساءة المتعمدة لتاريخ دمشق، فكيف إذا كان هناك عمل بينها يؤسس لتجمعات مريبة لناحية «شللية مذهبية» من الممثلين والمنتج والمخرج والمحطة التي تبنّت المسلسل! لم ينتج مسلسل «عطر الشام» سوى اجترار مضنٍ، ولن يتحمل المسؤولية سوى «باب الحارة» الذي وصل إلى جزئه الثامن هذا الموسم والحبل على الجرّار. هكذا، عدنا إلى الفبركات الكرتونية التي يرتضيها الرقيب بحجة الترويج للتحرر، والتقيد بالقوانين واللجوء إلى القضاء بدلاً من سلخ الكفوف وضرب الشبريات، ولو على حساب انقلابات جذرية هزيلة للشخصيات. فما الضير بأن يصبح العكيد معتز ذا صوت ناعم وبنية غضّة؟ في كل الأحوال، هذا ليس جديداً، لكن المدهش هو تحوّل الشارة إلى منبر لتوزيع الجلاءات بحسب الولاءات للآغا بسّام الملا... ثم جنوحه ليكون هذا الجزء مجرد وصلة لمسلسل فاشل اسمه «حمّام شامي» (بطولة مصطفى الخاني) لم يتمكّن صناعه من تسويقه بسبب رداءته. هذا الموسم، انفرد الخاني بدور النمس في «باب الحارة» بصدارة المشهد، ولن يتمكّن أحد من مجاراته بحجم الحضور وبالطريقة المصطنعة ذاتها.

عشوائية واستخفاف

● لا يمكن إحصاء الخيبات هذا الموسم، لكن يمكن الحديث عن سوق الجملة للإخفاقات الدرامية وحجم الاستباحة المطلقة لمهن يفترض أنها إبداعية، فإذا بها تجافي أي ملمح له علاقة بالموهبة، وتغرق في مستنقع التهريج والتظارف السمج وغياب السخرية المرّة وكوميديا الموقف في ما يخص الأعمال الكوميدية، أو تسقط في هوّة الرجعية والتخلف والكليشيه المكرور في الدراما الشامية، أو عرض الأزياء والظهور بمنطق الموديل في الدراما المشتركة أو توغل في التشتت والضياع، وغياب المبررات الدرامية والذرائع الحقيقية ودمار البناء الدرامي بعد الحلقات الأولى. حدث ذلك في الدراما الاجتماعية المعاصرة على رأسها «أحمر» (كتابة علي وجيه ويامن حجلي وإخراج جود سعيد). وثب السينمائي السوري إلى حقل التلفزيون بمنطق استعلائي، واحتقار واضح لمشروعه، فإذا به يهوي إلى الفشل حين عجز عن ضبط الزمن، وتاه وسط بحر من الفلاشباكات المشتتة والقصص المنفصلة كلياً. هذا إلى جانب تلاشي المنطق الدرامي التصاعدي والدخول في زاروب في حلقة، والخروج من أوتوستراد عريض في حلقة ثانية ثم العودة عكس السير فجأة! أضف إلى ذلك فرضيات حالمة لصحافية في إذاعة تجارية تتحدى مافيات المال والسياسة، ومن ثم وصول قلب شاب عاشق هو جود (عبد المنعم عمايري) قتلته المافيات التي تلاحقها زوجته، ليعود للنبض في قلب ضابط أمن أرعن، فإذا بهذا الضابط يعود متيماً بزوجة جود الصحافية سماح بعد عدائها الطويل!

«جريمة» درامية!

● الدراما الردئية هذا العام صبّت في خانة الدراما العربية المشتركة، ولو تمثّلت بأكثر من نوع. هي إما بضاعة منتهية الصلاحية يظن أبطالها أن التمثيل ليس سوى حالة «تجغيل» وإعجابهم بجمالهم الساحر. أما الحدث الذي تقوم عليه، فهو عبارة عن سلسلة مصادفات مريخية، وبناء أبله للحدث وتجميع كليبات طويلة لا تقول شيئاً، سوى إضاعة وقت من يتوّرط بمشاهدتها (مثال على ذلك «جريمة شغف» لنور شيشكلي ووليد ناصيف) أو أنّها مسروقة بوقاحة من أفلام عالمية، كـ «نص يوم» (باسم السلكا وسامر البرقاوي). وفي حال نأت بنفسها عن هذا وذاك، فإنها ستعود إلى التاريخ وتعبث فيه على هوى صنّاعها كما حصل في «سمرقند» الذي فاجأنا بمشاركة أمل بوشوشة رغم أنها لا تجيد العربية الفصحى بشكل سليم، فيما يضع الممثلة ميساء مغربي في مكان ليست أهلاً له، بخاصة أنها تعاني من مشكلة زميلتها في مخارج الحروف والنطق السليم للغة العربية الفصحى. ورغم أنّ عابد فهد صاحب تاريخ طويل ونجاحات متلاحقة في التاريخ، إلا أنه يعيد تجسيد ذاته في شخصية حسن الصبّاح التي اختلف عليها تاريخياً. تبنى صنّاع المسلسل النظرة الاستشراقية إلى الصبّاح، وروّجوا لها بافتراضات كرتونية كأننا أمام زورو عربي أو سوبرمان الصحراء الذي تتكسّر السهام على زنده وتعجز الجيوش المتراصة عن الإيقاع به.

وسام كنعان

المصدر: الأخبار

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.