الدراما السورية تبحث عن أفق

عانت الدراما السوريّة خلال موسم العرض الرمضاني الفائت أزمة تسويقٍ حادّة، تضاف إلى أزمتها الأبرز على مستويي الشكل والمضمون، مما أفرز أعمالاً أقل ما يقال عنها بأنّها مخيبّة للآمال، مع وجود استثناءاتٍ قليلة عزّت الجمهور ببعض مؤشرات العافية، في جسدٍ أحمد الأحمد في مشهد من «الندم»بات معتّلاً أكثر من أيّ وقتٍ مضى.

معظم إنتاجات موسم 2016، لم تجد طريقها للعرض على المحطّات الخليجية الكبرى (سوقها التقليدي الأبرز خلال العقود الثلاثة الماضية)، باستثناء أعمال البيئة الشاميّة، إلى جانب عملين تم إنتاجهما بالشراكة بين «كلاكيت» وشبكة «أبو ظبي»، واعتبرت محطتا «الجديد» وnbn اللبنانيتان منبرين رديفين لقنوات الهيئة العامّة للإذاعة والتلفزيون الرسمية، في عرض المسلسلات الاجتماعية، ولكّن أسعار الشراء لم تغطِّ سوى جزء قليلٍ من كلفة الإنتاج، مع تسلل بعض الأعمال الرديئة، شكلاً ومضموناً إلى قائمة عروضها الرمضانية.
وعلمنا أن غالبية المحطّات اللبنانية (مع وجود استثناءات نادرة)؛ اشترت هذا العام الحلقة التلفزيونية (للأعمال الاجتماعية غير المشتركة) بسعرٍ يراوح بين الـ 500 والـ 1500 دولار، أي أقل 90% مقارنة بأسعار ما قبل الأزمة السورية. أما الأعمال التي حظيت بتصنيفٍ ممتاز من جانب لجان الشراء في الهيئة العامّة للإذاعة والتلفزيون، فقيل إنّ سعر شرائها لم يتجاوز الـ 13 مليون ليرة سوريّة (قرابة 900 دولار للحلقة الواحدة)، والشراء يتم لمرّة واحدة. أما العرض، فغالباً ما يكون عبر محطتين أو ثلاث من محطّات الإعلام الرسمي.
نحن إذاً أمام حقيقةٍ مفادها أنّ السوق الخليجي قد أغلق لاعتباراتٍ سياسية بشكل شبه كامل في وجه الدراما السوريّة الاجتماعية. أمّا المحطّات اللبنانية فتعطي الأولوية للدراما المحليّة، أو الأعمال المشتركة بخبراتٍ فنيّة سوريّة، وبمشاركة نجم سوري أو أكثر كعاملٍ محفّزٍ تسويقياً يستقطب المعلن، وتعتبر العمل الاجتماعي السوري الذي تدفع مقابله أسعاراً زهيدة بمثابة «تعبئة مساحات للبث» خلال رمضان.
في المقابل، تقتصر السوق السورية على محطتيّ «سما» و«الدنيا» الخاصتين، وتكتفيان غالباً بما تنتجه «سما الفن» كشركةٍ شقيقة تعود للمالك ذاته، إلى جانب قنوات الإعلام الرسمي التي يتسرب إلى شاشاتها الغث والسمين تحت شعار تشجيع المنتج الدرامي الوطني. لكنّ أسعار الشراء تبدو غير تشجيعية بالمرّة إلا لأصحاب الإنتاجات ذات الميزانيات المتواضعة، من أصحاب الشركات الناشئة، أو صغار المنتجين الذين وجدوا في دعم الدولة فرصة لـ «بيزنس» مضمون الربح، يضّر فعلياً بصناعة الدراما السوريّة، ويزيد اعتلالها.
مع ذلك، بمجرد انتهاء موسم دراما 2016، أعلنت شركات سوريّة عدة عن أكثر من 20 عملاً تنوي إنتاجها للموسم المقبل، غالبيتها اجتماعي (حيث يكمن مأزق الدراما السوريّة)، بعضها بدأ التصوير، أو تجرى التحضيرات له بجديّة، ومعظمها يبدو واعداً على مستوى عودة كتّاب ومخرجين معروفين للعمل بعد توقّف سنوات كالمخرج هشام شربتجي، والكاتب عدنان العودة، والانتظار المرتقب لجديد الثنائي حسن سامي يوسف ونجيب نصير؛ ما يطرح سؤالاً جديّاً حول وجود استراتيجية شاملة لشركات الإنتاج تواجه فيها أزمة التسويق، أم سيتم البحث مجدداً عن خلاصاتٍ فردية، تتجاوب مع معطيات السوق الجديدة، وهذا يقود بطبيعة الحال إلى مضارباتٍ مخجلة فيما بينهم تستفيد منها المحطات، وتمضي لمسافة أبعد في الإضرار بسمعة المُنْتج السوري؟
في أروقة القطاع الخاص الذي يشكّل معظم الإنتاج الدرامي السوري، يكابر بعضهم أمام الإعلام ولا يعترف بوجود أزمة تسويق أصلاً، بل يتباهى بِكَون أعماله وجدت طريقها إلى العرض، ولكن بأي ثمن؟ وعلى أيّ محطّات؟!
في المقابل، بدا عدنان حمزة رئيس مجلس إدارة شركة «ايه. بي. سي» صريحاً في إجابته . كشف لنا عن نيّته التوجّه إلى إنتاج «أعمال عربية مشتركة على مستوى الأبطال، يتم تنفيذها في لبنان، بمشاركة خبراتٍ سوريّة». ويؤكد رفضه المطلق لخيار «الأعمال الشاميّة» التي توزع بشكل أفضل من الاجتماعية، إذ يراها ذات مسارات واحدة تقريباً، وتزيّف التاريخ، ولا تمت للواقع بصلة، وتسيء إلى المرأة السوريّة.
بعد عملين ضخمين، الأوّل «بانتظار الياسمين» (2015) الذي نجح في عرضه على محطات عدة أهمّها OSN ودبي، ويستعد حالياً لينافس فيه على جائزة «إيمي أوورد» العالمية، والثاني «أيّام لا تنسى» (2016)، أنتجه بالشراكة مع «سوريانا للتوزيع والإنتاج الفني» ولم يحظَ بفرص عرضٍ عادلة الموسم الفائت، فتأجّل تسويقه لما بعد شهر رمضان؛ بات حمزة يتحلى بواقعية فرضتها «دورة التاريخ التي أعادت صناعة الدراما للازدهار في بيروت، نتيجةً للأزمة السوريّة». وتابع شرح وجهة نظره قائلاً: «كمنتجين سوريين، لا يمكننا الاستغناء عن سوق الخليج لأنّه ليس لدينا سوى جهة رسمية واحدة تشتري إنتاجاتنا، وما تدفعه قد لا يغطيّ سوى نسبةٍ قليلة من الكلفة، وبالتالي الاعتماد على السوق المحلي غير ممكن عملياً، والحل قد يكون في الـ «بان آراب» بعيداً عن الإسقاطات السياسيّة، وما يفرضه الواقع السوري درامياً، مع شعورنا العميق بالأسف لأنّ هويّة الدراما السورية يتهددها الخطر بناءً على معطيات الوضع الراهن، ما لم نجد الحلول التي قد تعيدها إلى أفضل حالاتها».
وللحد من الخسائر، وفي ظل «عدم وجود محطّات سورية كما في مصر، وبالتالي سوق يمكن أن يسهم في نمو هذا القطاع»؛ دعا رئيس مجلس إدارة شركة «ايه. بي. سي» إلى إعادة النظر في طريقة الدعم الذي تقدّمه الحكومة السوريّة للدراما، عبر «رفع القيمة الشرائية للأعمال، وأن يكون الشراء بناء على رأي لجان مشتركة تتكون من أسماء مختصّة (فنيّين ونقّاد) تنتقي ما ستعرضه قنوات الإعلام الرسمي مع نهاية كل موسم إنتاجي، مما يحول دون شراء الأعمال الرديئة، ويعاد النظر في شرائح الأسعار استناداً لتقييمٍ ثانٍ بعد العرض تصنّفها على أساس فئات، وهذا من شأنه أن يرتقي بصناعة الدراما، وخلق تنافس حقيقي بين الشركات». وختم عدنان حمزة بالقول: «ذلك قد يكون أحد الحلول السريعة، وليس الحل هو مراكمة الإنتاج بينما يبدو الطلب قليلاً جداً».
الدور الأساسي للدولة في إيجاد الحلول لأزمات الدراما السورية، ومنها التسويق؛ من بين القضايا المطروحة للنقاش جديّاً خلال المرحلة الحالية. وهذا ما سألنا عنه ديانا جبّور المديرة العامة في المؤسسة العامّة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي «سوريانا»، بوصفها ممثلّةً للقطاع العام. تجيب جبّور: «ما يجب علينا فعله، هو ما نقوم به حقيقةً في مواصلة إنتاج أعمال مميّزة، تتبنى وجهات نظر تعبرّ عن دورنا، وحضارتنا، وواقعنا، ورؤيتنا للمستقبل، وتأمين الاحتياجات الفنيّة المطلوبة لتلك الأعمال، وتشغيل أكبر عدد ممكن من الفنّانين والفنيين، لأنّ هؤلاء هم عماد هذه الصناعة». لكنكم تخضعون كمؤسسة لآليات القطاع الخاص نفسها في التجاوب مع معطيات السوق، مما قد يؤثر في هذا المضمون؟ تجيب: «الارتهان لمتطلبات السوق شيء مختلف عن السعي للتسلل إليه. نحن نحاول في النهاية أن نبث أفكارنا ورسائلنا عبر أعمالنا الدرامية. ولكن إذا بقيت هذه الأفكار أسيرة دائرة مغلقة من المتلقيّن، فإنّ الرسائل لن تصل، وما نفعله هو الموازنة بين نوعية أعمالنا، بمعنى أن تكون لدينا أعمال ذات مضمون فكري، حضاري، وسياسي مباشر أحياناً، وأخرى مضمونها اجتماعي لكنّه ينحاز للمواطن السوري. أما موضوع الشراء فلا أحد يمكنه ضمانه سلفاً في ظل مقاطعة المحطّات، وإلا لما كان معظم المنتجين منيوا بخسائر فادحة هذا العام والذي سبقه».
ماذا عن زيادة الإنتاج في ظل نقص الطلب؟ أنتم أنتجتم قرابة سدس الإنتاج السوري الموسم الفائت على سبيل المثال، ألا يمكن أن تشكّل زيادة الإنتاج في ظل نقص الطلب نوعاً من الإضرار للسوق، يساهم في محدودية أسعار الشراء؟ «هذا الكلام صحيح في ما يخص الإنتاج الرديء، لكن الإنتاجات اللائقة لا يمكن أن تُحدثَ الأثر السلبي الذي تتحدث عنه، فإنتاج عمل ضخم بمعيار السوق في القطّاع الخاص قد يتكلف حوالى مليوناً ونصف مليون دولار، وهذا يعادل تقريباً كامل الميزانية المالية السنوية للمؤسسة، بينما ننتج نحن بهذا المبلغ خمسة أو ستة أعمال، الشرط الإنتاجي فيها ليس مقتّراً أمام الكاميرا، رغم كون أجور الفنّانين والفنيين منخفضة قليلاً، لكنّنا شركاء مع الجميع في حماية هذه الصناعة، التي لا يحميها إنتاج واحد حتّى لو كان ضخماً، بل بإبقاء العجلة دائرة، وغير ذلك فإن الفني سيغادر البلاد، بعدما غادرها بعض نجوم الصف الأوّل، عندها سنضطّر للتأسيس من الصفر، بعدما يكون الآخرون قد تجاوزونا، والدراما الأردنية، أو السينما الجزائرية خير مثال».
وطرحت ديانا جبّور سؤالاً معاكساً، خلصت من خلاله إلى القول: «حينما يتوقف القطاع العام، فهل سيستمر الخاص؟ الإنتاج السوري سينكمش، وينفرد المنتجون الصغار بالسوق، وهذا يعني القضاء كلياً على الدراما، وتكريس صورة سيئة لها، تؤدي إلى انفضاض الجمهور عنها». ولخصّت رؤيتها لحل أزمة التسويق قائلة: «الحل ليس عند الآخر، بل لدينا، بإيجاد شكل من أشكال الاتحاد بين الموزعين السوريين، يضع ضوابط، وآليات للتوزيع، تمنع المضاربة، بالتوازي مع رفع معايير القبول لدى التلفزيون السوري، لأنّ العرض المحلي هو أساس منجاة المُنْتِج الصغير من الخسارة، وحينما نتشدد في معايير العرض على المحطّات الوطنية، نقطع الطريق أمام تسرب الرداءة إلى الشاشة، كما أنّ رفع سعر شراء المُنْتَجْ اللائق، يبقي عين المنتجين السوريين على السوق المحليّة، وبالتالي نتحاشى الارتهان لسوق يناقضنا فكرياً».
استكمالاً لتلمّس آفاق الحل؛ عقدت جمعية «عين الفنون» في دمشق ثالث جلسات منتداها الثقافي أخيراً، ودعتنا إليه  لحضور المناقشات التي تركّزت حول «تحديّات صناعة الدراما السوريّة، وآفاقها المستقبلية»، بمشاركة كتّابٍ، ومخرجين، وممثلين، وإعلاميين سوريين، تناولوا واقع دراما أصبحت بحسب وصف الكاتب حسن. م. يوسف كـ «اليتيمة على موائد اللئام».
كذلك، تطرقّت النقاشات إلى أزمة النصوص، وجودة المنتج الدرامي، وعدم وجود «آليّات حقيقية أو كاملة لهذه الصناعة»، وأزمة التسويق بطبيعة الحال. وهنا كانت المداخلة الأبرز لضيف المنتدى المنتج والموزّع اللبناني جمال دوبا. طرح الأخير فكرة إيجاد تحالفات بين أصحاب محطّات ومنتجين سوريين، عراقيين، لبنانيين، فلسطينيين، أردنيين، وسوريين، لتجاوز الأزمة، وتستهدف هذه التحالفات سوقاً «يقارب عدد جمهوره المستهدف الـ75 مليون نسمة، تتشابه قضاياهم، وهمومهم، وواقعهم، باعتبار الدراما السورية تشكّل عمق بلاد الشام»، مع إمكانية البحث عن سوق مشترك «سوري، لبناني، مصري»، وآخر يستهدف «الشام وبلاد المغرب العربي». ولفت إلى أهميّة «الاستثمار في الميديا الرقمية، كسوقٍ بديل للعرض، يوّفر إيرادات تفوق عوائد الأسواق التقليدية، وعدم الاستثمار فيه يمثّل خطيئة كبرى».
بُعَيدَ انتهاء نقاشات المنتدى، وفي انتظار ما سيصدر عنه من وثيقة تلخّص نقاشاته، يتم وضعها بين أيدي المعنيين؛ قال دوبا في مداخلةٍ إنّ «سوريا فوتّت فرصتها الذهبية أيّام ذروة الدراما السوريّة في عام 2008. يومها، كان ممكناً خلق سوق داخلي من محطّات التلفزة، ووضع ضريبة على استهلاك المواد البصرية والإذاعية (Audiovisual)، وتجييرها كما تفعل بريطانيا لتدعيم هذا القطاع (البنية التحتية التقنية، الإنتاج، وتوسيع نطاق البث)، ويمكن استدراك ذلك اليوم بأن تلعب الدولة دوراً كبيراً في خلق أسواق رقمية أمام الدراما السورية، والاستثمار فيها، كالبحث عن بدائل إعلانية عبر الصفحات الرقمية، بعيداً عن شركات الاتصالات الكبرى والبنوك، وتنشيط هذا السوق، كسوق إعلان داخلي يدّر أضعاف الإعلان الخارجي».
وأعرب المنتج والموزّع اللبناني عن ثقته بأنّ «فرص الدراما السوريّة تسويقياً لم تنته، بوصفها حالة أصيلة في قلب بلاد الشام، فهذه ليست المرّة الأولى التي تواجه فيها أزمة، وربّما لن تكون الأخيرة، وكل ما تحتاج إليه هو إعادة تنظيم الصفوف».

محمد الأزن

المصدر: الأخبار

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.