المحافظون غير المحافظين

اجتمع مجلس الشعب في الثانية عشرة ظهر أمس الأحد بحضور السيد حسين مخلوف وزير الإدارة المحلية، وغطى الزملاء النواب كامل هموم المحافظات الخدمية لذلك رأيت أن أتكلم في الإستراتيجي الذي لاتوليه حكومتنا الكثير من الوقت، أو حتى أي وقت بحجة الحرب:

السيدة رئيسة المجلس، السيد وزير الإدارة المحلية، الزملاء النواب:
ورثنا في الجمهورية العربية السورية نظام الإنتداب الفرنسي في القوانين والإدارة، وعلى الرغم من مرور 68 عاما على الجلاء مازالت حكوماتنا تعتمد ضباط الشرطة كمحافظين ومدراء مناطق ونواحي..والشرطي كما نعلم مبرمج كحارس همه ورؤيته محصورة في المجال الأمني، وهي في أغلبها نظرة اتهامية أكثر منها رؤية تنموية واستراتيجية للمجتمع المدني ..
يأتي المحافظ الشرطي إلى المدينة مواطنا جديدا لايعرفها، ويقضي السنة الأولى من ولايته في التعرف إلى مشاكل المدينة، ثم يقضي العام الثاني في الصراع على النفوذ مع العائلات المتنفذة على حكم المدينة، ليستسلم في العام الثالث أمام صخور الواقع المؤلم، فتصبح فاعليته اجتماعية ـ إعلامية، حيث يكثر من الظهور على شاشات التملق والغباء الوطني ..
ويبقى السؤال: لماذا لايتم اختيار المحافظين ومدراء المناطق من بين أعضاء مجالس المدن الذين خبرو مشاكلها وحاجاتها وطموحات أهلها المشروعة ؟!

وفي تمام الساعة الثانية ظهرا التقينا السيد عماد خميس رئيس الحكومة، نحن نواب محافظة اللاذقية، في مبنى مجلس الوزراء، وكان الرجل حليما وودودا ولديه معلومات حول غالبية القضايا التي طرحناها، الأمر الذي سهل مهمتنا ويسر حوارنا ، وقد طرحت عليه أربع قضايا:

1 ـ مضاعفة الميزانية السنوية لمحافظتي اللاذقية وطرطوس بما يتناسب طردا مع عدد الوافدين إليهما بعد الحرب، حيث يشكلون ضغطا على الخدمات والإستهلاك والصحة والتعليم والأمن ...وأكد السيد الرئيس أن الحكومة ستلحظ زيادة ميزاية المدينتين في خطة العام 2017

2 ـ إقامة سدات مائية لتجميع مياه الأمطار في قرى الساحل التي تهدر مياهها السماوية منذ بداية التاريخ، وقد قال سيادته أنه تحدث مع السيد وزير الري لأجل وضع خارطة مائية للساحل السوري وأن فكرة إقامة سدات المياه أمر في مستطاع الحكومة لدعم مشاريع التنمية في ريف الساحل .

3 ـ افتقار قرى ريف جبلة إلى خدمات الصرف الصحي ومحطات المعالجة، مما يتسب في تلوث مياه الينابيع، ويحول ريف جبلة مع مرور الزمن إلى مجتمع مريض غير قادر على إنتاج المقاتلين والمزارعين.. ولم يعلق السيد الرئيس على الأمر، ذلك أن غالبية قرى الريف السوري تعاني من ذلك..

4 ـ رجال عدلية اللاذقية مستاؤون من قرار نقل القصر العدلي إلى مبنى الكهرباء في السكنتوري بالرمل الشمالي (نعتذر عن ذكر التفاصيل التي طرحناها مع رئيس الحكومة نظرا لحساسيتها) وقد وعد بالاستجابة لمطلب رجال عدل اللاذقية، وهناك خبر طيب سرّبه لي نقيب المحامين الزميل نزار اسكيف حول مقر مناسب ريثما يتم بناء قصر العدل الجديد في المشروع العاشر ..

وقد ساندني غالبية الزملاء النواب في موضوع القصر العدلي وأضافوا تفاصيل دقيقة حوله، كما غطى الزملاء غالبية القضايا والمشاريع والخدمات التي تحتاجها المحافظة: بناء مدارس لأبناء الشهداء ـ زيادة تعويض إصابة الجندي ـ تأمين صحي للعمال المياومين ـ ترخيص العقارات على الشيوع والإسراع بوضع مخططات تنظيمية للأرياف ـ وقف احتكار شاطئ اللاذقية لصالح المستثمرين، مع سؤال: هل مازالت اللاذقية مدينة بحرية ؟ ـ إيجاد آلية جديدة تنهي عمليات الغش بالإمتحانات ـ دعم الوحدات الإدارية ـ الشهداء المدنيون ـ توسيع مركز الباسل ـ عدم التزام معامل العصائر باستجرار كميات من إنتاج الحمضيات ـ إعادة توزيع الكازيات بشكل سليم ـ زيادة عدد رحلات الخطوط الحديدية ـ تنظيم توزيع السلل الغذائية بدلا من التعفن في المستودعات ـ تأمين علف لمبقرة فديو بدفع مؤجل ـ تنفيذ مجمع عين الشرقية الطبي ـ إلزام مؤسسة الخضار بشراء مواسم الحمضيات، والكثير من القضايا الأخرى ناقشها نواب اللاذقية بالتفصيل ولاقى أغلبها قبولا واستعدادا لدى رئيس الحكومة الذي اقترح تشكيل لجنة برلمانية للحمضيات في الساحل، والبدء بتعيين المهندسين الجدد غير المكلفين بخدمة العلم، وانطلاق العمل بمشفى جبلة، وتأمين موارد جديدة للخزينة بعيدا عن معيشة المواطن كرفع نسبة الضرائب على الكسارات على سبيل المثال ..وقد انتهى النقاش في تمام الخامسة إلا ربع ، بعدما زقزقت عصافير بطوننا دون أن يغامر السيد رئيس الحكومة بدعوتنا على الغداء تأكيدا لحديثه عن فقر خزينة الحكومة..

الثلاثاء 18 / 10 / 2016 : استضاف المجلس اليوم السيد أحمد الحمو وزير الصناعة، وقد كان الرجل ضعيفا في ردوده أمام النواب، فبدا كوزير مازال يرتدي لبوس المدير ، وقد لايكون كذلك في الجانب العملي، ولكني أوصّف وقائع الجلسة، حيث تناول الزملاء الواقع الصناعي البائس الذي لايليق بدولة قامت فيها ثورة باسم العمال والفلاحين منذ نصف قرن، ولانتحدث هنا عن المصانع التي تقع في المناطق الساخنة، وإنما عن حركة المنشآت الصناعية التي ماتزال تحت رعاية الدولة وقوانينها التي تسببت بإفلاس بعضها ومرض بعضها الآخر، ولا أضع اللوم على السيد الوزير الذي ورث آلية لم يحد عنها سوى الوزير المرحوم عصام الزعيم الذي قرر الخروج على السياق العام فكان كمن يمشي نحو حتفه.. ذلك أن ثورة آذار قامت باسم العمال والفلاحين، غير أن الطبقة الفلاحية غلبت على العمالية فأممت المعامل والعمال أيضا، ولو أن العمال قادوا الثورة لكانت أخذت طابعا مدنيا لاريفيا، وما كنا وصلنا إلى هذي الفوضى في القطاع الصناعي، ذلك أن بنية تفكير العمال مدنية وهي تفهم آلية الصناعة و التسويق، غير أن الفلاحين الذين قادوا المعامل أداروها بعقلية الحقل لا السوق فكان ماكان، وهذا بحث طويل فيما لو أراد الرفاق البعثيون مراجعة أخطاء الثورة والنهوض بالحزب ومؤسسات الدولة التي مازالو يقودونها بعقلية منتصف القرن الماضي..

إذاً فقد تحدث الزملاء النواب عن إعادة تأهيل المناطق الصناعية، وتخفيف شروط الترخيص في المناطق الآمنة، والقروض الصناعية، وتأمين الكهرباء والمحروقات للمعامل، وتشجيع الصناعات الطبية (وهي غير الصناعات الدوائية) ، وتفعيل الرقابة الصحية على الصناعات الغذائية والدوائية، وأسباب تهريب موسم القطن إلى تركيا ، وتشجيع المنتج المحلي بدلا من إغراق السوق بالمستورد، تطوير خطوط الإنتاج، واحتضان أفكار المخترعين الجدد، وعدم تعهيد بعض معامل الإسمنت لمستثمر خارجي، والكثير من القضايا الأخرى التي أجاب عنها السيد الحمو كما لو أنه يجري مقابلة صحفية، ولم يكن مقنعا في تبرير فضيحتين صناعيتين طرحهما الزملاء إحداهما حول معمل أحذية مصياف الذي يورد أحذية غير ملائمة للجيش، والثانية حول ملف فساد في الشركة العامة للصناعات الغذائية، كما لم يكن رده مقنعا حول إخفاق الوزارة في استجرار قطن الشمال الذي هرِّب إلى معامل تركيا..

وبعد ثلاث ساعات من الحوار عدنا إلى البيت غير مسرورين من مجمل ماسمعناه عن خراب الصناعة الوطنية، فتذكرت قصة لي بعنوان (التصحيح) نشرتها في جريدة "تشرين" قبل عشرين عاما، حيث يفرّ بطل القصة من "مشفى ابن سينا للأمراض العقلية" الذي يقع على الحدود بين (دولتي) دوما وحرستا السلفيتين، وتجري وقائع القصة على الطريق الواصل من العصفورية إلى مبنى الشركة الخماسية التي وقع عليها التأميم بعد ثورة آذار، حيث برز من جوف العتم حارس الخماسية مع كلمة (قف) للسيارة التي تقل البطل، ريثما تخرج سيارة حكومية من المبنى، فكانت فرصة لكي يختصر السائق للبطل قصة المعمل: فبعد مرور سنوات طويلة على التأميم أرسلو خبيرا لكي يدرس أسباب خسارة ميزانية المعمل الدائمة رغم أن الصناعة في العرف العام لاتخسر.. الخبير الذي ضاع بين أكوام الملفات انتبه إلى الآذن العجوز أبو محمد وهو يضع له فنجان القهوة، فسأله عن سنوات خدمته، فقال أبو محمد أنه موجود منذ تأسيس الشركة الخماسية .. الخبير: وهل كانت الشركة خاسرة قبل التأميم ؟ أبو محمد: كانت رابحة دائما.. الخبير: طيب، برأيك ، كيف صارت خاسرة بعد التأميم ؟! أبو محمد: أنت الخبير ياأستاذ مو أنا.. الخبير: أنت بتجربتك مع كل المدراء اللي مرو على المعمل، كيف بتشوف الأمر ؟ أبو محمد: بسلامة فهمك يا أستاذ، قبل التأميم كانت عين المدير عالمعمل وطيزو عالكرسي، وبعد التأميم صارت عين المدير عالكرسي وطيزو عالمعمل.. وهاي هيي حكمة اليوم نقدمها للأخوة خبراء ومدراء وزارة الصناعة ..

الخميس 20 / 10 / 2016 : أسبوع تطبيع مع الحكومة: هكذا أسمي الحضور اليومي لأعضاء الحكومة في مجلس الشعب ، حيث حضر خمسة وزراء بالتناوب من الأحد إلى الخميس ـ لابد من ذكر الرئيس خميس في كل حضور حكومي ـ وقد حضر السادة الوزراء للإيضاح وليس للإستجواب، فكان حضورهم لصالحهم دعائيا، حيث تحدثوا عن الإنجازات وتجاهلو الأخطاء المتراكمة عبر الوزارات السابقة، وماهي خططهم الإصلاحية بخصوصها. والواقع أنه لااستراتيجية لديهم في خضم فوضى الحرب وإنما مجرد ترقيعات هنا وهناك، حيث تقلص حضور الوزارات وتراجعت هيبتها حتى غدت أقرب إلى أن تكون بحجم مديريات، وهذا يجعل من السيد عماد خميس رئيسا للإدارات العامة أكثر من كونه رئيس وزارة، وذلك ليس ذنبه أو خطيئة الوزراء الجدد، وإنما هي تبعات أعمال المعارضة المسلحة التي خربت المؤسسات وأفقرت البلاد والعباد، وساهمت بظهور أمراء حرب لايخضعون لسلطات الحكومة، وننتظر أن تتراجع الحرب كيما تتمكن الحكومة من استعادة نفوذها وغناها .. أما أداء الزملاء النواب فكان في أغلبه أسئلة استفهام أكثر من كونها مساءلة، إلا في حالات قليلة، فكان أن وصفت في كلامي السابق حضور الوزارة كاستضافة إعلانية، ولو كنت مكان الوزير الضيف لقدمت بعرض مشاكل الوزارة ونقاط ضعفها، طالما أن لديهم مظلة يستظلون بها وهي حجة الحرب، وفقر الخزينة العامة، التي كانت ستصمت النواب المشاغبين عن التحرش بالوزير، غير أن الذكاء ليس صفة حكومية، ولا الغباء أيضا! إذ أن حكوماتنا منذ أيام الرفيق محمود الزعبي تأتي بموظفين عاديين إلى الوزارة فيتضخموا إعلاميا، وعندما يخرجون منها يتقلصون ويعودون أشخاصا عاديين بلا فعالية أو حضور وطني مميز، وإذا كنت مخطئا اذكروا لي وزيرا سابقا مازال اسمه يرن في آذان الناس .. الآن في زمن الحرب يجب على القيادة السياسية أن تأتي بجياد من خارج حظيرتها المترهلة، أشخاص ذوي رؤيا أثبتو حضوراٍ وشجاعة وذكاء وإخلاصا في (هاذي) الحرب التي نقف فيها بمواجهة نصف العالم ، وما أكثرهم في (هاذا) الوطن العظيم..

 

                                                                                                                                  نبيل صالح

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.