الحرب، ومنافسة نجدة أنزور وباسل الخطيب السينمائية !

سست الحرب في سورية، لاندفاعة متسرعة تتعلق بإنجاز أعمال فنية وروائية تذهب في تفاصيل هذه الحرب، فتنقلها إلى الناس، بالصورة والكلمة واللوحة، ليفاجأ صاحبها، بأن الواقع أغنى بكثير، ومع ذلك نجد أن المشاهد السوري يتابع باهتمام هذا المنجز الفني!

إن هذه مسألة على غاية الخطورة، وتشبه إلى حد كبير، قيام أحدنا بسرد حكاية بطريقته لشخص عاش تلك الحكاية، فهل سينجز في سرده فنا يجذب من عاشها حتى لو استخدم أدوات السينما المعروفة؟!

انتابتني هذه المشاعر، وأنا أقرأ عدة نصوص أدبية، ثم وأنا أشاهد عدة مسلسلات تلفزيونية، وكلها تتعلق بالحرب، ثم استعدت هذه المشاعر مرتين : الأولى عندما شاهدت الفيلم السينمائي “رد القضاء” للكاتبة ديانا كمال الدين والمخرج نجدة أنزور، والثانية عندما شاهدت فيلم “الأب” للكاتبين وضاح وباسل الخطيب والمخرج باسل الخطيب، فالفيلمان عن الحرب في سورية، وتتشابه فيهما المعطيات، وإن كانت القصة السينمائية لكل منهما تحمل تفاصيل مغايرة .

فقد كانا فيلمين يهزان مشاعرنا، وكأنهما يمتحنان هذه المشاعر وانعكاسها على الواقع ، ويرجح أن هذا الواقع أغنى من السينما في صخبه ووحشيته وغرابته.. شعرت بالحرج، وأنا أجد الحضور يبكون في الفيلم الأول بمرارة، ويحاولون التغلب على البكاء في الفيلم الثاني، علما أن ما كنت أبحث عنه أنا شخصيا كان في الأثر الفني عند المشاهدين وأنا من بينهم وهو : الدهشة السينمائية التي يمكن أن توفرها مادة درامية بهذا الغنى، وليس البكاء الذي ترامى في أرجاء الصالة…

بالنسبة لي، فإن المشاهد إذا لم يعش لحظة الدهشة الفنية في فيلم سينمائي، فإنه تلقائيا أمام عمل سينمائي يخاطب عواطفه ولايخاطب متعته الفنية حتى في تقديم المأساة، أي هو فيلم “عربي” كما نقول عفويا في توصيف هذا النوع!!

في تجربة أعمال نجدة أنزور المبهرة التلفزيونية، وفي تجربة باسل الخطيب المبهرة أيضا عشنا هذه المتعة، وينبغي أن نعترف، والشواهد كثيرة، إلا أنه من الضروري معالجة هذا المعطى من خلال الفيلمين الأخيرين لهما، وهي معالجة دفعني للحديث عنها مسلسل تلفزيوني تعاطى مع الحرب، وكنت تحاورت مع مخرجه على الشاشة، فعارضت التعاطي التلفزيوني مع مشهدية الحرب دون فن، وقلت له صراحة: أنت بنيت على الحدث المسجل، أي بنيت على الواقع الذي نعرفه، ولم تبن على الخلق الفني!!

وبالتأكيد لم أكن أقصد إزعاجه، فهل هي حالة اتهام؟!

أبدا! فأنا أحترم إبداعات الجميع، ولكني وجدت نفسي داخل صالة سينما سيتي تلقائيا أقارن بين الفيلمين الأخيرين عن الحرب السورية، وأسجل الملاحظة نفسها . ودون إرادة مني شعرت بالتنافس الخفي على الموضوع، حتى وإن لم يرد كل منهما ذلك، ففيلم “رد القضاء” يستعيد قصة حصار سجن حلب، وهي قصة واقعية لكنها أسطورية في تفاصيلها، ويمكن كتابة رواية ملحمية عنها، وفيلم “الأب” يحاكي  قصة مستشفى جسر الشغور، ومن حقي هنا أن أقول إني رأيت نجدة أنزور يتورط في تفاصيل الملحمة بلغة الدراما التلفزيونية ليخسر كثافة المشهد السينمائي ويخسر أيضا إطلاق موهبته، والغريب أن باسل الخطيب حاول تلافي هذه المسألة في انتقاء اللحظة الدرامية والبناء عليها، وقد يقول قائل إن ذلك هو خيار النص (!!)..

ليكن، فقد كان نجدة أنزور إلى جانب ديانا كمال الدين وهي تبني الملحمة على الورق، وكان باسل الخطيب إلى جانب وضاح الخطيب في كتابة السيناريو !!..

لقد أحسست بشجاعة المغامرة عند نجدة أنزور في الانسياق وراء تفاصيل ماحصل، وما حصل في السجن يحتاج إلى عشرات الأفلام السينمائية، وهذا ما أنهكه وجعله يشتت قواه السينمائية، ليبدو فيلم “رد القضاء” تلخيصا لمسلسل تلفزيوني!

وبعد أن مضى أكثر من نصف فيلم “الأب” قلتُ في نفسي :” لو أني انحزتُ لفيلم “رد القضاء” لظلمتُ فيلم “الأب”، ولو أني انحزت ُلفيلم “الأب” لظلمتُ فيلم “رد القضاء”، ومع ذلك قررتُ  أن أنحاز.. أنحاز، على الأقل، لأن الكاميرا في الأول، أي في فيلم رد القضاء، كانت أسيرة للمشهد والتفاصيل المنهكة لبناء فيلم سينمائي، فهو الذي رسم لها حركتها، ومن يتذكر” مسلسل نهاية رجل شجاع” يعرف ما أقصد، فنجدة عندها تمكن بسحر حركة كاميرته  من قيادة المشهد إلى النجاح الباهر!

في فيلم “الأب” ظلت الكاميرا سيدة الموقف، وظلت أدوات الإخراج تسيطر على الأحداث والتفاصيل، وتتحرك بإرادة قوية وخفية للمخرج وتنقلها للمشاهد من حالة التعاطف بالقصة إلى لحظة الجمال في عرض القصة المحزنة والرهيبة . والسبب عندي بسيط وواضح، هو أن مايهمني  فقط هو “الإخراج السينمائي” وليس النص الذي يمكن ترجيعه إلى وقائع الحرب..

وجدت أن الواقع في الصورة التي ظهرت في هذا النوع من الأحداث، وفي هذا الزمن بالتحديد قادر تلقائيا على تقديم نفسه وارغام المشاهد على المتابعة، بل وعلى تحييد إبداعية الفنان، وهنا ينشأ التحدي الفني للمبدين نجدة وباسل .

ولكي تكون وجهة نظري واضحة أكثر، سأذكّر باللقطات التي كانت تبثها داعش عن وحشيتها، ألم يكن بإمكانها أن تقتل وتحرق وتذبح دون هذا البعد السينمائي الهوليوودي الذي الذي استخدمته  لتروج لفكرتها الارهابية، كان يمكن أن تتم بيسر وسهولة لأن الواقع كان أقوى من الصورة !

وينبغي الملاحظة أيضا على أن السيناريو في كل فيلم من الفيلمين وقع بخطابية بعد الأحيان ، فذهب الفيلمان إلى توجيه خطاب سياسي لم يكن من ضرورة له، كان في بعض مشاهده فجا مباشرا، وكان في بعضها الآخر عفويا انسيابيا قادرا على تشكيل الموقف المطلوب تجاهه ، وهذا البعض (الفني) هو ما تسعى إليه الفنون الابداعية..

ثم إن السوريين وبعد أن قتل وجرح وشرد نصفهم ليسوا بحاجة إلى هذا النوع من الخطابات التي تخبرهم بضرورة الوقوف ضد الارهاب وبأن على بعضهم أن يندم على فقدان النعمة، بل وليسوا بحاجة إلى أن نخبرهم أن الجندي السوري هو جندي يحمل قضية وطنية ويدافع عنها وبالتالي هو صورة من النماذج التي ينبغي التعاطف معها، إن ذلك ينبغي أن يكون محصلة!

إن السياق الدرامي ولمسات السيناريو والكاميرا “غير المباشرة” هي التي تنقل مثل هذه الرسالة.

وهنا لابد من الاشارة إلى أن الخوف من هكذا نتائج جعل الانتاج الدرامي السوري المتعلق بالحرب يفقد بريقه في سوق الانتاج الدرامي، كما أفاد بعض المنتجين، وكما قرأنا في بعض المقالات عن الدراما السورية، فهل أجرؤ وأقوا أن الفيلمين وقعا في ذلك؟ لقد أحسست أن الرؤية الإخراجية والسيناريو لفيلم”الأب” كانت تحاول تجاوز هذه النقطة، فيما غرق فيها سيناريو فيلم “رد الفضاء” رغم أنه نجح في تجاوزها  عند تمرير مشهد على غاية الاتقان، جاء موقعه في نهاية الفيلم ، وهو يحكي عن فرحة فك الحصار عن السجن بوصول الجيش إلى سجن حلب. مرت الكاميرا على شخصية ((الفاسد)) وهي شخصية مدانه دون أن ننبه المشاهد إلى إدانتها، وهكذا فعل نجدة  بها حيث كان الفاسد يسير بين السجناء المبتهجين منبوذا من الآخرين ومزولا عنهم، وكانت إدانة الفساد مبررة سلسلة ..

إذن بامكان الصورة والمشهد أن يؤديا الدور الذي يسعى إليه الخطاب الدرامي السينمائي، فلماذا وقع الفيلمان بأكثر من هفوة على هذا الصعيد ؟

أما في التمثيل، فقد خاض ممثلو الفيلمين معركة ضارية مع أنفسهم وأدوارهم السابقة  لتقديم الأجمل، ولإظهار الكفاءة الدرامية، فنجح كثيرون منهم إلى الدرجة التي يمكن القول فيها: إن الأداء العالي المستوى للفنان أيمن زيدان لم يحجب بطولة الآخرين لأنهم عرفوا أنهم يلعبون شخصيات لها كيانات درامية كاملة، ويالعظمة السينما السورية عندما تكون قادرة على تقديم ممثلين على سوية حلا رجب وروبين عيسى وعامر علي، وخلود عيسى، وجمال شقير، وجانيار حسن، وجابر جوخدار، ودينا خانكان، وعلي إبراهيم، وغيرهم من نجوم فيلم الأب أي: في تجسيد ملحمة درامية تحتاج كل نأمة فيها إلى أقصى طاقة في تعبير الممثل وأدائه . ويالعظمة السينما السورية عندما يؤدي فيها ممثلو “رد القضاء” فايز قزق – جولييت عواد – اسكندر عزيز – جهاد الزغبي – مجد فضة – عامر علي – لجين اسماعيل – إيناس زريق وغيرهم ملحمة على هذه الأهمية ..



عماد نداف

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.