سورية على مسافة خطوة من تحقيق السلام

الجمل- بقلم:Harun Yahya- ترجمة:وصال صالح: على مر التاريخ، اعتادت الهيئات الدولية السرية والعلنية على إدارة دول العالم الأخرى ووضعها تحت هيمنتها من خلال أساليب معينة، وغالباً ما يتحقق ذلك من خلال الاعتماد المالي، المصارف المملوكة من قبل الهيئات السرية  هي دائماً على استعداد للتدخل "كمنقذ يظهر في الأوقات الصعبة" ولهذه الغاية، يتم خلق الأزمات الاقتصادية ما يؤدي إلى اندلاع "الثورات" داخل هذه البلدان وتؤدي هذه الثورات بدورها إلى حدوث انقلابات، بهذه الطريقة يتم  خلق وشحن الجماهير الغاضبة أصلاً، ويعتقد هؤلاء الناس الغاضبين أنهم يقاتلون، وأنهم تمردوا من أجل ايديولوجية وعقيدة، لكن في الحقيقة كل واحد منهم تم تدريبه من خلال هيئات ومنظمات دعائية مختلفة ويتم عسكرتهم من خلال وسائل المجموعة.
بالنسبة للكثيرين، فإن الربيع العربي الذي بدأ في عام 2011 كان نضالاً من أجل الحرية، للأسف، لا يستطيع العديد من الناس في الشرق الأوسط إدراك أنهم وقعوا ضحية الاستفزاز والتحريض المتعمد من قبل تلك الهيئات، على الرغم من أن القضاء على تلك الديكتاتوريات واعتماد حكومة ديمقراطية يبدو أمراً جذاباً، إلا أنهم فشلوا في إدراك حقيقة أنهم كانوا يسقطون الديكتاتوريات لأن هذا ما تريده وتطلبه تلك الهيئات، وهذا لم يكن الطريق لإحلال الديمقراطية التي لطالما كانوا يتوقون إليها، هذه الصراعات خضعت لسيطرة القوى العميقة التي  كانت تسحب الأسلاك من وراء الكواليس،  ما يجعل هؤلاء الناس يرزحون  دائماً تحت نير هذه القوى، ولا يسمح لهم أبداً بالحصول على الديمقراطية.
لقد شهدت الحرب في سورية على مدار ست سنوات زيادة تدريجية في عدد أولئك الذين أدركوا الحقيقة،  القوى العميقة وضعت مخططات لكل دولة من دول الشرق الأوسط، وما تزال سورية تعاني من تبعاتها ومن عواقبها الكارثية لذلك كان اتفاق  الدول الثلاث المستقلة في المنطقة روسيا وإيران وتركيا أمراً حيوياً، على الرغم من أن هذه الدول لا تشترك في سياق مشترك، إلا أنها لم تختلف أبداً في إجماعها حول المسألة السورية،  وقد شهدت هذه الدول الثلاث المخطط الشرير للقوى العميقة التي تسعى إلى توسيع نفوذها على الشرق الأوسط وأكدت هذه الدول على ثبات موقفها، الخطوة المهمة التي اتخذت في أستانة فيما يتعلق بالقضية السورية كانت ممكنة  بسبب  التحالف الصادق النزيه بين الدول الثلاث الضامنة للمفاوضات، المجتمعات  التي تدعو للسلام يجب أن تكون أولاً متصالحة مع نفسها وتعيش في سلام.
بدأت مفاوضات أستانة مع قرار مشترك حاسم من شأنه إحباط خطة جماعات السلطة العميقة "سلامة الأراضي السورية"  هذا هو الموضوع الذي رفضت الدول الثلاث تقديم تنازلات بشأنه، و تتمثل أهم خطوة في الاجتماع بقبول كل من الممثلين عن الدولة السورية والمعارضة المشاركة في مفاوضات أستانة، غير أن المهم حقاً بعد كل تلك الجلسات، بأن القرار النهائي سيكون بيد الشعب السوري، ما يعني أن الديمقراطية ستظل حيز التنفيذ، وان الديمقراطية لا تاتي عن طريق الثورات والحروب الأهلية وإنما عبر الانتخابات، وهذه هي الطريقة الأساسية للتحرر من هيمنة القوى العميقة.
 لم يكن متوقعاً أن تحقق الجولة الأولى من المفاوضات خطوة كبيرة على الفور باتجاه الحل السياسي، حيث تم جلب كلا الطرفين معاً إلى طاولة المفاوضات بطريقة اختبار صدق النوايا، وإن تخلل ذلك بعض الاتهامات، على حد سواء من كلا الجانبين، ما يهم في الأمر أنه تم إحراز تقدم كبير آخر تمثل بوقف إطلاق النار، ولعبت الدول الثلاث دوراً ضامناً لتحقيق وقف إطلاق النار من خلال آلية ثلاثية، ولأن هناك مجموعات مسلحة  في  ساحات المعارك وتستطيع الدول التي تم ذكرها ممارسة وفرض تفوذها عليهم، إن التأسيس لوقف إطلاق النار سيضمن استمرارية المفاوضات والإسراع في عملية الحل السياسي.
تجدر الإشارة إلى أن روسيا قدمت قاعدة إيجابية للتفاوض من خلال اللقاء مع المعارضة، المفاوضات بين لافروف والمعارضة التي عقدت في السفارة التركية في روسيا هي في غاية الأهمية والحيوية من جهة عرض وإظهار موقف كلا الطرفين تجاه بعضهما البعض وأصبحت أكثر وداً وقد تُفضي إلى حكومة توافقية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تلك الدول الضامنة لم تتبع أو تتبنى سياسات صارمة، وهذا كان له بلا أدنى شك تأثيراً إيجابياً على المعارضة وعلى ممثلي الدولة السورية، علاوة على ذلك، كما يعرف كلا الطرفان بأن الدول الضامنة لا تخضع لسيطرة الآليات العميقة المشبوهة، ولديهم نهج أكثر إيجابية نحو السلام والمصالحة، وربما لأول مرة، تطمح جميع الأطراف حقاً للسلام.
 التشخيص هو الخطوة الأكثر أهمية نحو العلاج، وهذا الواقع ينطبق على القضايا بين الدول، الدول التي تكافح حالياً من اجل سورية  أدركت حجم المؤامرة الدنيئة  التي حيكت ضد سورية، هذه المؤامرات هي ممارسات عادية للهيئات العميقة التي اعتادت على السيطرة واستغلال العالم، لذلك فإن هدفهم الحالي هو توريط سورية في هذه الخطة، لهذا السبب، تبذل روسيا وتركيا وإيران قصار جهدهم لحل هذه المسألة، وذلك عبر اتباع خطاب تصالحي وإعطاء الأولوية للبصيرة والثقة والحب، هذا هو السبب في أن مشاركة هذه الدول الإقليمية الغير منتمية للدول العميقة أمراً حيوياً، وهذا هو السبب في أن الحل الدائم بات في متناول اليد، ماهومطلوب الآن هو أن ترى تلك المجموعات في سورية الحقيقة وأن يدركوا أنه تم التلاعب بهم، لنلقي نظرة على التاريخ، يستطيع المرء أن يرى بأن الدول الي قُسمت وغرقت في وحول  الحرب الأهلية تخضع دائماً لهيمنة الهيئات العميقة، والناس دائماً عرضة للتحريض تحت ذريعة الديمقراطية والحرية، في الحقيقة الديمقراطية والحرية هي مفاهيم جميلة، ومع ذلك الطريقة لضمان الديمقراطية والحرية لا تكون من خلال التمرد والغضب والكراهية، هذه المفاهيم والأفكار تدعو إلى تطوير البنية التحتية الإيديولوجية والقضاء على نوبات ومشاعر التعصب، ومن أجل تحقيق ذلك، يحتاج الشرق الأوسط أولاً إلى التحرر من هيمنة القوى العميقة، وهذه الخطوة اتُخذت الآن في سورية ولتحقيق هذه الغاية، بات إحلال السلام والديمقراطية الآن أقرب من أي وقت مضى.


عن: Pravda.ru

الجمل

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.