واقع الاعلام التقليدي في ظل تطور تكنولوجيا الاتصال

الجمل ـ هامس عدنان زريق:
مقدمة
لقد شهد قِطَاعُ الإعلام ثورات متتالية، ارتبطت دائماً بالتطور التكنولوجي، والاختراعات الجديدة، فالطباعة كانت يوماً حدثاً جللاً وعاملاً قَلَبَ موازينَ كثيرةً، ومثلها كانت الإذاعة وثم التلفزيون الذي نقل الإعلام إلى مستوى كانت فيه الصورةُ العنصرَ الحداثيَّ الغالب والمسيطر. أما الثورة الجديدة التي يشهدها الإعلام فتتجسد بدمج تكنولوجيا التواصل والاتصالات مع الإعلام، ما جعل الخبر اليوم مختلفاً عما كان عليه منذ عشر سنوات فقط.
تطور تكنولوجيا الاتصال
سمح تطور تكنولوجيا الاتصال المرافق لما يسمى "الثورة المعلوماتية" في الحقبة الماضية بامتلاك قدرة كبيرة على تبادل المعلومات بين أطراف متعددة بسهولة وسرعة وتكلفة قليلة، إذ أصبحت المعلومات سلعة وصناعة وبمتناول الجميع من أفراد ومؤسسات وقد كانت الشبكة العنكبوتية (الانترنت) الحامل الرئيس لذلك بالإضافة إلى ظهور الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية التي أصبحت بمتناول جميع الأفراد. اكتمل المشهد بظهور الأدوات التي تسهل تبادل المعلومات والتي سميت "وسائل التواصل الاجتماعي"، ذلك أنّها خلقت أيضاً ما يسمى "العالم الافتراضي" الذي يسير جنباً إلى جنب مع العالم الحقيقي (وقد لا يتقاطع معه في أحيان كثيرة) ويسمح للفرد نفسه بامتلاك شخصيتين: إحداهما حقيقية لا يمكن اختلاقها، والأخرى: افتراضية يمكن أن تكون مصممة على الطلب.
كيف أصبح عالم "الثورة المعلوماتية"
أدت الثورة المعلوماتيّة إلى تكوين جهازٍ مفاهيميٍّ خاصٍّ بها، ذلك بوساطة تغيير وإضافةِ مفاهيم عديدة، لا نجد بُدّاً من استعراضِ بعضها مثالاً لا حصراً:
•    "الرقمنة" أو تحويل العالم إلى شاشة، إذ يُختزل العالمُ إلى مشاهدَ تَعْبُرُ أمام العين الباصرة، فتحلُّ الإحالةُ أو الإشارةُ محلَّ الحقيقة.
•    الانتقال من كتم الخصوصية إلى إعلانها، ومن التستر على المعلومات الشخصية إلى تقاسمها، بمعنى: أنَّ ذلك يُسهم في تأريخ الذاتيّة، بل في مَوْضَعَتِها، فلا يعدو أن يكون الإنسانُ جزءاً من كلٍّ أو عنصراً في جملة. إنه تصييغٌ للإنسان بلغة التقنية.
•    التخاطب عبر تشارك الصور والفيديوهات على حساب اللغة، وتسهيل تمرير حمولات بسيطة ومعقدة عبرها.
•    لم يعد امتلاك "الحقيقة" أو "الحق" أو إثبات "الموضوعية" مهماً أو مؤثراً على المتلقين بقَدْرِ استخدامِ أدوات تأثير فعّال تخاطب عواطفهم وليس عقولهم.
•    تعميق مفهوم السيطرة والتحكم عبر أدوات "الرقمنة".
عصر "ما بعد الحقيقة" Post-Truth Era
أعلن معجم أوكسفورد في نهاية عام 2016 إدخال مصطلح: Post-truth وليبدأ حسب المعجم، عصرٌ جديدٌ في تاريخ البشرية يطلق عليه اسم: (Post-truth Era) أو عصر ما بعد الحقيقة.
وتتميز ثقافة هذا العصر، حسب المعجم المذكور، بأنها محكومةٌ بالعواطف المُفْتَقِدَةِ للمرجعيات العلمية والثقافية، المبنيّةِ على الحالة النفسية للمتلقي. وقد أتت بعد التطور التقني الذي طال وسائل الإعلام، التي أدى انتشارها ومن ثم تحولها إلى أدواتٍ بيد الجميع، إلى تحويل الشخص العادي من إنسانٍ متلقٍ إلى إنسانٍ قادرٍ على (تجاوز الحقيقة) الموضوعية لبناء (حقيقته الخاصة) وحشد مؤيدين ومريدين وأتباع، مهما كانت تلك (الحقيقة) !!!
الاعلام التقليدي والاعلام التفاعلي
يشهد العالم اليوم إعلاماً جديداً بالكامل، هو الإعلام الاجتماعي أو التفاعلي أو إعلام ما بعد بعد الحداثة، أو إعلام ما بات يسمى "زمن ما بعد الحقيقة". لم نعد اليوم أمام جمهور يذهب إلى وسائل الإعلام، ولم تعد الرسائل الإعلامية حكراً على مؤسسات معينة أو شركات أو حكومات، بل تحول الفرد من مستقبل ومتلقٍ سلبي إلى صانع للخبر ومرسل له، دون تكلفة أو جهد يذكر، لمجرد كونه جزءاً من شبكة تواصلية إعلامية تفاعلية معولمة هائلة وفي اتساع مستمر.
هذا إلى أنَّ العالم كله مَعْنِيٌّ بثورة الوسائط المعلوماتية Infomedia Revolution، وما تفرضه من واقع جديد على الصعد كافة، وسورية في ظل أزمتها الحالية وما تخلقه هذه الأزمة من انعكاسات في الداخل والخارج، معنيّة بشكل أخص بهذه الثورة، يذكرُ كلٌّ منّا بدايةَ الأحداثِ في وطننا، وكيفيّة توظيف التقنيّة المعلوماتيّة لتأليب الناس ضد بعضهم بعضاً. لذلك يجب الاستناد إلى تقنيّة المعلومات في الإعلام الإلكترونيّ، وتطويرها بالشكل الأمثل، بما يتناسب مع خصوصيّةِ الحالةِ السوريّةِ، وهذا يعني في الوقت الحالي التصدي للحملات الإعلامية الضخمة التي تتعرض لها البلاد، وكذلك يعني بناءً وتنمية وتعليماً ونشرَ ثقافة ومعارفَ وفكراً وأسلوبَ حياة وبناءَ رأي عام واعٍ وفاعل.
إنَّ الحديث السابق عن الإعلام التفاعلي، لا يلغي دور وسائل الإعلام التقليدية، كالتلفزيون والإذاعة، والصحف بمستوى أقل، في تحقيق أهداف الإعلام الأساسية، ففي سورية مازالت تحوز على نسبة متلقين عالية ولها جمهورها الواسع، الذي مازال يرى فيها المصدرَ الموثوقَ، والمرجعَ ذا المصداقية للمعلومات والأرقام والأخبار. لكننا اليوم أمام "حتمية تقنية" و"حتمية سيكولوجية" تدفع نحو مراجعة أدوار وتموضعات وآليات الإعلام التقليدي. وأي مراجعة تركز على تطوير وسائل الإعلام التقليدية في مواجهة الإعلام الرقمي، محكومة بالفشل، فما يجب التركيز عليه هو مواكبة هذا الإعلام والعمل بالتوازي والموازاة معه، ووضع رؤية استشرافيّة وخطة وآلية تسمح باستخدام الإعلامين معاً في خدمة مصالح الدولة ومواطنيها.
إنَّ الإعلام التفاعلي بات أمراً واقعاً، ولم يأت بالطبع من فراغ، فهو مرتبط بحالة المجتمع بشكل عام، والذهنية الشعبية السائدة، التي باتت استهلاكية تميل نحو الهين والسريع والوافر. الأمر الذي يخلق مجموعة كبيرة من التهديدات، وأوضح مثال على ذلك، استخدامٌ متقنٌ من قِبَلِ التنظيماتِ الإرهابيّةِ لوسائل التواصل الاجتماعي وكل أدوات الإعلام الإلكتروني للتجنيد والترهيب والترويج، حتى وصلنا إلى ما يسمى "الإعلام الجهادي" وحتى "الخلافة الافتراضية".
لقد أدركنا في مركز دمشق للأبحاث والدراسات أهميّةَ الإعلامِ التفاعليِّ، وقررنا بداية اعتماد النشر الإلكتروني، ويمكنك إيجاد "بروفايل" للمركز على كل مواقع التواصل والتطبيقات، من: "فيسبوك" وحتى "تيليغرام". لكن وجدنا من خلال التجربة أن المتابع السوري لم يستغن تماماً عن المنشورات التقليدية المطبوعة، بل لايزال يفضلها بنسبة لا بأس بها، لذا يعمد المركز إلى بناء مقاربة إعلامية تقوم على تعدد المصادر، فنحن اليوم أمام وضع جديد مختف كلياً من حيث إنتاج وصناعة الأخبار والمعلومات أو تسويقها ونشرها أو حتى تلقيها، ذلك في أُفق جدليّةِ العلاقةِ بين المنظورات العلميّة لمركز دمشق والواقع السوريّ الراهن في تجلياته المختلفة.
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي في سورية
يُعدُّ الدمج الحيوي بين نوعي الإعلام أمراً مُدركاً –بدايةً-في البرامج الترفيهية التي تقوم على نسب المتابعة، فصرنا نشاهد المقدم مثلاً، "يغرد" بشكل مباشر على التويتر، ويرد على متابعيه فوراً، وكذلك تنشر الهاشتاغات (علامات تصنيف التغريدات) بالتزامن مع الحلقات، الأمر الذي يزيد كثيراً من نسبة المشاهدين، حتى غير المهتمين بالتلفاز كمنصة ترفيهية. بدأ اليوم بعض وسائل الإعلام الخبري اعتماد مثل هذه الأساليب، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على وصول رسائلها.
ويجب هنا الاستفادة من تجربة الإعلام الخاص في هذا المجال، فخطواته هنا سباقة، لأنه إذا خسر متابعيه خسر تمويله، وبالتالي فشل وانتهى، على عكس الإعلام العام التابع للدول، ذلك أنه يحصل على التمويل حتى لو انحدرت نسبة مشاهدته.
 
     يحمل الإعلام الاجتماعي من الفرص بقَدْر ما يحمل من تهديدات، وكما قال فرنسيس بال: "إن وسائل الاتصال، تتخذ قيمتها من حقل استخدامها؛ فالتقنية لا تفرض علينا شيئاً، فهي تقترح والإنسان يتدبَّر الأمر أو يعيد تركيبها" ، وقد بدأت بالفعل قوى سياسية باستخدام هذا الإعلام لطمس الحقائق ونشر الفوضى والتلاعب بالعقول بما يخدم مصالحها. وإذا ما أردنا مواجهة هذه القوى، يتوجب علينا استخدام أدواتها نفسها، بالحرفية نفسها والدهاء السياسي والتسويقي نفسه، لكن لخدمة أهدافنا وبما يتناسب مع مصالحنا وهويتنا.
إنَّ الإعلام التقليدي دفة سفينة الإعلام الرقمي وموجهه، وهو الذي يصنع الفارق ويبني الثقة، وإذا كان الإعلام التقليدي على مستوى المسؤولية تكتيكياً واستراتيجياً، عندها فقط يمكن بناء منظومة إعلامية متوازنة وحداثية وفعالة قادرة على المواجهة وعلى البناء.
نحو استراتيجية إعلامية
لن نخوض في مسألة تقييم أداء الاعلام الوطني خلال هذه الحرب التي تعيشها سورية والذي يحتاج لمقاربة علمية بعيدة عن جلد الذات، ولكن يمكن لنا تقدير هذه المسألة من خلال النتائج التي استطاع هذا الاعلام تحقيقها ومدى ثقة الجمهور به. سنركز على مسألة غياب الاستراتيجية الإعلامية بالإضاءة على بعض النقاط التي نعتقد أنها ضرورية عند الحديث على أية خطوات مستقبلية في صنع هذه الاستراتيجية:
1.    لا يمكن إعداد استراتيجية إعلامية في ظل غياب استراتيجية وطنية شاملة، تتسم برسالة وأهداف محددة وواضحة، إذ إنَّ الإعلام الاستراتيجي يخدم الأهداف الاستراتيجية للدولة.
2.    لا يمكن إدارة واقع جديد بأدوات وذهنيات قديمة.
3.    الأخذ بالحسبان لمكوّنات وعلاقات العالم الافتراضي الجديد.
4.    لا يمكن الركون إلى "امتلاك الحقيقة" كأساس منهجي لأي سياسة إعلامية.
5.    المعرفة الكاملة بالجمهور المستهدف وأدوات التأثير في مداركه وعواطفه.
6.    الإعلام الاستراتيجي لا يستسلم إلى الواقع بل يسعى إلى إحداث تغييرات استراتيجية أو بناء فكريٍّ أساسٍ.
7.    عدم جدوى إخفاء الحقائق بحجة "إثارة الرأي العام"، واخفاءها لن يؤدي إلا إلى الغياب عن ساحة التأثير والسماح "للآخر" بامتلاك عواطف الجمهور.
8.    ضرورة إشراك المؤسسات الأكاديمية ومراكز الدراسات والأبحاث بأي تصور مستقبلي حول الاعلام السوري.



المراجع
-      إبراهيم فتحي، وظيفة إعلام ما بعد الحداثة تحفيز الذاكرة علي النسيان، القاهرة يوم 07 - 09 – 201007 - 09 – 2010 http://www.masress.com/alkahera/1461
-    كرم الحلو، "إعلام ما بعد الحداثة" من منظور نقدي، الحياة، 21 آذار/مارس 2008.
-    علي قادر، التكنولوجيا والإعلام التفاعلي، الحوار المتمدن، 2 نيسان/أبريل 2014.
-    جمل زرن، الإعلام التقليدي والجديد في سياق تمدد الإعلام الاجتماعي وشبكاته، مركز الجزيرة للدراسات، 27 آذار/مارس 2017.
-    خليل عجمي، الصفحة الشخصية 2017.

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.