أدق التفاصيل عن بناء دار البرلمان السوري منذ عام 1928م حتى الآن

من يقف اليوم أمام مبنى مجلس الشعب (البرلمان) يدرك أنه يقف أمام صرح معماري عريق يعبق بالتاريخ في كل حجر من أحجاره وفي كل ركن داخله حكاية بطولة وذكريات وأحداث ومشاهد تراكمت من أيام وليال قديمة سجل من خلالها رجالات سورية تاريخاً ناصعاً يشهد على عراقة الديمقراطية السورية وبطولة رجالات سورية في مقارعة الاستعمار والدفاع عن البلاد.
وبناء البرلمان السوري له قصة وحكاية ابتدأت عام 1928م:

دار البرلمان السوري
أطلق على مبنى البرلمان اسم دار البرلمان السوري عام 1928م حين بدئ بإنشائه وهذا المبنى لا يجسد روعة الهندسة وتألق الإنجاز المعماري وحسب بل يمثل تاريخ وطن وحضارة أمة.
يقع بناء البرلمان السوري في أجمل بقعة من العاصمة السورية دمشق وفي مركز ثقل المدينة الكائنة بين جادة الصالحية وشارع المجلس النيابي وقد اعتمد في عملية إشادته التصميم والتزيين الذي جُمع فيه بين الفن الفاطمي والعباسي والأندلسي إضافة إلى النقوش العربية الرائعة.

الأرض التي شيد عليها مبنى البرلمان
تم البدء في بناء دار البرلمان السوري على أنقاض سينما ومسرح «جناق قلعة» أو «شناق قلعة» التي شيدها العثمانيون بالاتفاق مع الألمان في طريق الصالحية، وهي أول دار مسرح وسينما بدمشق على الطراز الأوروبي والشرقي شديدة الفخامة، وبمواصفات تمكنها من استقبال عروض أوبرا ضخمة تحمل مواصفات دار عرض سينمائي متكاملة، وعمل في إنشاء وتصميم هذه السينما خيرة مهندسي ذاك الزمن.
في عام 1916م وعلى الرغم من ظروف الحرب العالمية الأولى، أنشأت الدولة العثمانية هذه الدار، ورصدت لها المبالغ الطائلة بغية إظهارها بشكل حضاري لاستقطاب أهل دمشق إلى هذا الفن الجديد وإبعادهم عن الشأن السياسي حيث كانت دمشق في تلك الأيام تعيش التنافر والصراع مع العثمانيين على أشده، كما كان الهدف من هذه الدار أن تكون وسيلة دعاية للعثمانيين ودول الحلفاء وعلى رأسهم ألمانيا.
شيدت سينما جناق قلعة في شارع الصالحية (مكان مجلس الشعب حالياً)، وافتتحت من ناظر البحرية وقائد الجيش الرابع جمال باشا الذي عرف باسم جمال باشا السفاح لتنكيله بالمواطنين الأحرار السوريين.. وعرض في هذه الدار أول فيلم سينمائي من إنتاج ألمانيا، وهو مجرد قصة مثيرة مع فيلم آخر إخباري يمثل استعراض الجيش الألماني في برلين، وعرف من العاملين في هذه الدار الميكانيكي اليوناني الأصل (ساسو) الذي كان يشغّل آلات السينما.
لم تدم الحال طويلاً في سينما جناق قلعة. ففي مساء أحد الأيام ولم يكن قد مضى على افتتاح الدار قرابة الشهر سمع أهالي دمشق أصوات انفجارات مدوية تبعتها ألسنة النيران الهائلة والدخان الكثيف الذي غطى سماء دمشق.. فقد احترقت دار سينما جناق قلعة.
حدث الحريق ليلاً عندما انقطع الفيلم أثناء عرضه، ووقع تحت تأثير الحرارة الشديدة المنبعثة من ضوء القوس الكهربائي، وروى بعض أهالي دمشق آنذاك أن احتراق السينما كان كارثة كبيرة أودت بحياة العديد من أبناء دمشق الذين كانوا في السينما وتفحمت جثثهم من شدة وضراوة النيران..
بقيت سينما جناق قلعة خرائب وأنقاضاً مدة طويلة، وفي زمن المستعمر الفرنسي أراد الرئيس السوري تاج الدين الحسني بناء مقر للبرلمان السوري، وتم البحث عن موقع في أنحاء دمشق ولم يجدوا أفضل من موقع هذه السينما، فاستقر الرأي على ترحيل أنقاض السينما وبناء مقر للبرلمان السوري مكانها، وكان ذلك عام 1928م، حيث بُدئ في هذا العام بناء دار البرلمان السوري (مجلس الشعب حالياً) على أنقاض سينما جناق قلعة.

مراحل بناء البرلمان
تم بناء دار البرلمان على عدة مراحل (وتم البدء على العقار رقم 1194صالحية جادة) وعلى مساحة تبلغ 6589متراً مربعاً وذلك عام 1928 وانتهت هذه المرحلة عام 1932م وتضمنت هذه المرحلة بناء طابقين، فالطابق الأرضي (مدخله من طريق الصالحية) يحتوي على بهوين (صالونين) وقاعة اجتماعات مساحتها 200 متر مربع وتسع غرف والطابق الثاني (العلوي) يحتوي على بهو (صالون) واحد وثلاث غرف وشرفة مطلة على قاعة الاجتماعات معدة لجلوس المستمعين وطابق تحت الأرض مؤلف من صالون وخمس غرف.
كما تضمنت هذه المرحلة بناء طابق أرضي آخر (مدخله من مقابل وزاره المواصلات والتي كانت فيما مضى مقراً للدرك الفرنسي ويقال: إن هنالك سرداباً تحت الأرض يربط بناء البرلمان مع مقر للدرك كان يستخدم لتنقلات الدرك الفرنسي) يتألف من صالونين وقاعة وسبع غرف وتحتوي الصوفا على درج يؤدي إلى الطابق الأول الذي يحتوي على صالون وسبع غرف هذا وقد فرشت أرض قاعة الاجتماعات بالرخام الأبيض أما جدرانها فزينت حتى ارتفاع ثلاثة أمتار بالرخام الملون وما تبقى من الجدران زين بنقوش عربية صنعت من الجبصين وهذه القاعة هي الآن استراحة لأعضاء مجلس الشعب وتمت في هذه القاعة اجتماعات المجالس النيابية السورية من عام 1932 إلى الدورة التشريعية التي انعقدت في 14 تشرين الأول 1954.
وشهدت هذه القاعة التخريب والتهديم في 29 أيار 1945 حيث استشهد فيها عدد من حامية البرلمان السوري إثر اعتداء المستعمر الفرنسي على البرلمان.

المرحلة الثانية
بعد عدوان المستعمر الفرنسي على المجلس النيابي في 29 أيار 1945 والذي أدى إلى تخريب وتدمير الكثير من أجزائه واستشهاد حاميته التي يتراوح عددها بحدود 30 دركياً وشرطياً. بعد هذا العدوان فكر سعد اللـه الجابري، وكان آنذاك رئيساً لمجلس النواب، بإنشاء قاعة جديدة لاجتماعات النواب تستوعب عدداً اكبر منهم وتشمل على شرفات واسعة للزائرين إضافة إلى إعادة ترميم وبناء ما هدم من أقسام منه نتيجة عدوان قوات الانتداب آنذاك.
وإزاء ذلك ضمت عقارات جديدة إلى العقار الأصلي لدار البرلمان السوري حيث ألحق به العقار رقم 1607 ومساحته 253 متراً مربعاً (وهو حسب القيد العقاري ملك دولة سورية) والعقار رقم 1408 بمساحة 26 متراً مربعا (وهو أيضاً حسب القيد العقاري ملك دولة سورية) وكان ذلك عام 1947 وبدأ العمل في تجديد بناء دار البرلمان بعد تحديد حجم الدمار الذي أصاب هذا الصرح التراثي وتم في هذه المرحلة إجراء تعديلات جذرية في التقسيمات الداخلية لطوابق البرلمان حيث ألغيت العديد من الغرف وأنشئت قاعة كبيرة لاجتماعات أعضاء البرلمان تبلغ مساحتها 400 متر مربع وكانت بداية الأعمال في هذه المرحلة إبان رئاسة سعد اللـه الجابري حيث أنشئت الجدران الحجرية والسقف للقاعة الجديدة إلا أن التزيينات والنقوش العربية للقاعة والجدران تطلبت مدة سبع سنوات انتهت في عام 1954 وانعقدت أولى جلسات البرلمان في القاعة الجديدة بعد سقوط نظام أديب الشيشكلي بتاريخ 14 تشرين الأول 1954 وما زالت إلى الآن تعقد اجتماعات المجلس في هذه القاعة.
كانت هذه القاعة تستوعب 140 مقعداً للنواب عدا الأماكن المخصصة للحكومة (وهي الآن تستوعب 250 عضواً إضافة إلى الأماكن المخصصة للسلطة التنفيذية).
كما تم في هذه المرحلة بناء شرفات تطل على قاعة الاجتماعات تحتوي على 300 مقعد للزائرين وخصصت شرفة لرئيس الجمهورية وأخرى لكبار الزائرين الأجانب وشرفة خاصة لكبار موظفي الدولة وشرفة خاصة للصحفيين.
في هذه المرحلة أصبح البرلمان مؤلفاً من كتلتين على شكل جناحي العُقاب السوري (شعار سورية).

المرحلة الثالثة
وكانت هذه المرحلة زمن رئاسة فارس الخوري حيث ارتأى أن القاعات التي كانت آنذاك لاجتماعات اللجان البرلمانية وسكرتارية المجلس لم تعد كافية فأمر ببناء سبع غرف في الطابق الأرضي وكذلك سبع غرف في الطابق العلوي.

المرحلة الرابعة
في عام 1999 زمن رئاسة عبد القادر قدورة لمجلس الشعب، جددت صالونات المجلس ومداخله وتمت إشادة بناء إضافي يحتوي على ثلاثة طوابق ويتضمن قاعتين لاجتماعات لجان المجلس وعشر غرف كما ألحقت بالمجلس في التسعينيات الحديقة العامة الملاصقة لحديقة المجلس وكان اسمها حديقة العائلات وأصبحت جزءاً من حديقة المجلس وزينت بمساحات خضراء غرست فيها أشجار مختلفة أبرزها النخيل إضافة إلى أنواع كثيرة من الورود المحلية وخاصة الياسمين الذي اشتهرت به دمشق، كما أضفت الإنارة لمسات رائعة عليها، ولكن لأسباب أجهلها وخلال الدور التشريعي السابق تم قطع أو «قص» مجموعة من أشجار النخيل في الحديقة!؟
ويسجل لرئيس مجلس الشعب عبد القادر قدورة محافظته على معالم البرلمان من حيث الفن المعماري والأثاث وتوزيع الغرف.

المرحلة الخامسة
ابتدأت عصرنة مبنى البرلمان من الداخل في بداية الدور التشريعي الثامن خلال الفترة «9/3/2003– 11/9/2003»، وبلغ ذروة التحديث أيضاً في الدور التشريعي الثامن خلال الفترة «7/10/2003– 8/3/2007».
وهذه آخر مراحل تطوير بناء البرلمان!؟ وتم في هذه المرحلة إجراء تغيير جذري في هيكلية دار البرلمان وتوزيع المكاتب والعاملين بالمجلس، وتركيب مصعد كهربائي بين الطابق الأرضي والطابق الأول، كما تم إلغاء العديد من القاعات والمكاتب التي كانت مخصصة منذ الثلاثينيات وما بعد لرئيس الحكومة والأمين العام للمجلس… ونقل أغلب العاملين في المجلس إلى بناء مجاور للبرلمان.!؟ وبذلك غيرت ملامح البرلمان العمرانية من الداخل!؟ وافتقد البرلمان في هذه المرحلة تراثه المعماري العريق الذي أنشئ عليه منذ الثلاثينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وأصبح على الطراز الدمشقي الحديث، وهذا ما أكده أحد أفراد عائلة الخياط الذين عملوا في زخرفة دار البرلمان على مر الأيام والسنين!؟
يبقى القول: إن أحداً لم يستطع إدخال أي تعديل أو تطوير على القاعة الرئيسية «قاعة اجتماع النواب» فبقيت محافظة على رونقها وروعتها وعراقتها منذ تم إنشاؤها زمن سعد اللـه الجابري.

واجهات المجلس
أنشئت جميع واجهات دار البرلمان السوري من الحجر النحيت الناعم الأبيض المستخرج من مقالع تلفيتا (على بعد 25 كم من دمشق) باستثناء بعض المداميك التي أنشئت من الحجر النحيت الأسود البازلتي المستخرج من مقالع دير علي (على بعد 7 كم من دمشق) وبعض التزيينات على الواجهة المصنوعة من الرخام الأصفر من مقالع عين التينة (على بعد 50 كم من دمشق) أما الطراز المطبق على الواجهات فهو الطراز العربي الحديث وهو طراز بديع استعملته بصورة عامة وزارة الأشغال العامة والمواصلات آنذاك في معظم الأبنية الحكومية.
كان الفضل الكبير في نحت واجهات مبنى البرلمان للفنان السوري من أصل يوناني ميخائيل ديمتري إليوفيتش الملقب أبو ديب الترك، مواليد حي القصاع حارة الصليب عام 1896م.
وكان لأبي سليمان (محمد علي الخياط) الدور الكبير والعمل المضني في الزخرفة الداخلية لقاعات البرلمان و«الكريدورات»… وفرشها بالأثاث التقليدي الذي طوره أبو سليمان في صناعة الخشبيات المرصعة بالفضة والمنزلة بالصدف والمحفورة على الطريقة القيصرية وتابع أولاد أبو سليمان الاهتمام بهذه القاعة على مر الأيام في صيانتها وترميمها.. فجاء بناء دار البرلمان السوري ذروة في استقطاب جهود الفنيين السوريين التي استهدفت جعله معلماً من معالم الوطن وتاريخاً لأزمنة وفنون متنوعة في العمارة والهندسة الداخلية والخبرة الوطنية.
لقد عرف الفنانون والحرفيون السوريون كيف يوائمون بين شتى المدارس المعمارية التي عرفها دار البرلمان السوري في أزمنته المتعاقبة، حيث مزجوا بين الفن الفاطمي والعباسي والأندلسي وزينوا بهذا الفن قاعات البرلمان وجدرانه وسقوفه ومداخله ونوافذه وشرفاته في عملية زخرفية تبدأ بالتدرج والتداخل من المنمنمات والحفر على الخشب إلى النقش على الحجر فالحديد المشغول ثم الرخام والحجر الملون والمطعم وذلك تبعاً لوظائف الأماكن والصالات والقاعات والأروقة التي تصل بينها.
لقد كانت جميع المواد المستعملة في جميع الأعمال والإنشاءات الحجرية والخشبية والمعدنية سورية المصدر والخبرات التي درست وعملت في جميع مراحل إنشاء دار البرلمان كانت خبرات سورية.

تطور مبنى البرلمان
خلال تاريخ «دار البرلمان السوري» أدخلت عليه العديد من التحديثات من الناحية المعمارية والعقارية، فتم إلغاء الصحائف العقارية للأجزاء التي ضمت إلى العقار الأصلي لدار البرلمان وأصبح كتلة عقارية واحدة مضافاً إليها جزء كان يستعمل مرآباً لسيارات وزارة الصناعة ووزارة الاقتصاد والحديقة العامة التي كان اسمها حديقة العائلات.
البناء الرئيسي يتألف من مدخلين رئيسيين يستعمل المدخل الأول لدخول أعضاء المجلس والحكومة داخل أدوار الانعقاد ولدخول السيد رئيس الجمهورية في حال حضوره إلى المجلس، والمدخل الثاني يستعمل لأعضاء المجلس والحكومة خارج أدوار الانعقاد، كما يوجد عدة مداخل تحيط بالحديقة العامة ومدخل خاص لمرآب المجلس.
أما الكتل البنائية، فيتألف المجلس من كتلتين الكتلة الرئيسية وتتألف من مدخلين رئيسيين المدخل الأول يؤدي إلى موزع يضم قاعة اجتماعات وغرفاً لنائب رئيس المجلس وغرفتين لأميني سر المجلس وغرفتين لمراقبي المجلس ومقابل المدخل مباشرة درجان يؤديان إلى الطابق العلوي الذي يحتوي على مكتب لرئيس المجلس ومكتب لمدير مكتبه وقاعة اجتماعات صغيره (كانت فيما سبق مكتباً لأمين مساعد المجلس) وقاعتين إحداهما خاصة للقاءات الصحفية إضافة إلى غرفة لأحد المديرين.
كما يؤدي الموزع إلى موزع آخر أصغر يؤدي إلى ممر يحيط بالقاعة الرئيسية لاجتماعات المجلس، وفي نهاية الممر موزع صغير يستعمل بوفيه وبجانبه درج حجري يؤدي إلى الطابق العلوي الذي يحتوي على قاعة اجتماعات وغرفتين من الخشب وخمس غرف للموظفين، أما المدخل الثاني فيؤدي إلى موزع كبير جدد في التسعينيات بزخارف ونقوش عربية تتلاءم مع الطراز المتبع في المجلس ويحتوي على ثلاث غرف للموظفين ثم استراحة لأعضاء المجلس وهي القاعة نفسها التي كانت قاعة اجتماعات للبرلمان من عام 1932- 1954.
يليها صالون كبير وله مدخل من الحديقة يحتوي على ثلاث غرف تستعمل لرئيس المجلس وغرفة لرئيس الحكومة وغرفة لأمين المجلس يتصدرها صورة كبيرة تمثل المسيرة التاريخية بمناسبة ثوره آذار التي جرت في دمشق بتاريخ 7/3/1982 والتي حملت فيها الجماهير الرئيس حافظ الأسد من مقر الضيافة إلى مجلس الشعب.
أما الكتلة الثانية فهي تحتوي على مدخلين: الأول يتألف من 5 غرف واحدة للخدمات والأخرى لمديرية المكتب الصحفي وتحته طابق أرضي يحتوي على مكتبة المجلس والبناء الآخر عبارة عن ثلاثة طوابق إلى الطابق الأرضي المؤلف من مجموعة غرف (لمديرية التشريع، ومكتب الشكاوى وشعبة حزب البعث العربي الاشتراكي والطابق الأول يحتوي على قاعة اجتماعات للجان المجلس ومديرية العلاقات ومكتب أمين مساعد المجلس وغرفة المقسم وبوفيه والطابق الذي يليه يتألف من قاعة الجتماعات للجان المجلس ومجموعة غرف أخرى، والطابق الأخير يتألف من عدد من الغرف للموظفين وفي الحديقة درج يؤدي إلى طابق كبير وهو مخصص لقسم شرطة المجلس.
«هذا الوصف قبل أن يصيب التطوير والتحديث مبنى البرلمان كما مرَّ معنا سابقاً».

قاعات المجلس النيابي السوري
ومحمد علي الخياط
في عام 1928 حين بدأت الدولة السورية بإنشاء دار البرلمان السوري (مجلس الشعب) على أنقاض مسرح وسينما جناق قلعة، في طريق الصالحية، اختارت الفنان أبا سليمان «محمد علي الخياط» لإنشاء وتزيين قاعة اجتماعات النواب والممرات الداخلية للمجلس، فقامت ورشه بتزيين القاعة وفرشها بالأثاث التقليدي الذي طوره أبو سليمان في صناعة الخشبيات المرصعة بالفضة والمنزلة بالصدف والمحفورة على الطريقة القيصرية، لقد قام أبو سليمان بتزيين حيطان وسقوف القاعة بلوحات من الفن العربي الإسلامي، الذي تأثر بفنون أخرى فخرج في صورته الأبهى، وفي عام 1954 عندما قام سعد اللـه الجابري رئيس المجلس النيابي بإنشاء القاعة الحالية لاجتماعات النواب عهد إلى أبي سليمان بتزيينها، خلال الفترة من عام 1947 إلى عام 1955 فجاءت مزيجاً راقياً من الفن الفارسي، والهندي، والمصري القديم، فتميز بالتجريد والعمق.. وما زاد من إبداع أبي سليمان وأعطى قاعة البرلمان العظمة والروعة هي قبة البرلمان والثريا المدلاة من منتصف هذه القبة، التي ابتدعها بفكره الخلاق وأنامله البارعة رغم أنه لم يكن متعلماً أو دارساً للفن، إنما ورثه عن آبائه وأجداده. وتذكر مجلة الجندي في أحد أعدادها الصادرة عام 1955: (استغرق العمل فيه نحو سبع سنوات تقاضى فيها أبو سليمان ما يقارب نصف مليون ليرة سورية).
أما الخيط العربي الذي ابتدعه أبو سليمان لتزيين البرلمان فقد شغله بالحديد والنحاس والخشب على أشكال هندسية مضفورة، ويعود هذا الخيط إلى أيام بني أمية حيث وجدت على أبواب مسجد بني أمية الداخلية.
وأشكال هذه الخيوط المسماة العربي، هندسية، منها المخمس والمسدس والمسبع… وأشكال العنكبوت وعش النحل العكازي… وهي نوعان، مفرغ وغير مفرغ، ويبدو الأخير كأن أعمال الحفر فيه ملصوقة على أرضية من الخشب ويستعمل للبراويز والتزيينات الحائطية أو طقومة الصالون وجميع قطع الموبيليا.
والمفرغ (المخرم) هو الذي استعمله أبو سليمان للثريات في قاعة المجلس النيابي السوري وقصر لجنة مياه عين الفيجة وبعض البيوت الدمشقية العريقة كبيت توفيق الصحناوي ولطفي الحفار. وعندما قصف مبنى المجلس النيابي من المستعمر الفرنسي يوم 29 أيار عام 1945 وأتلفت زخارفه ساهم أبو سليمان بترميمه وإعادة الزخارف إلى ما كانت عليه.
في عام 1955 قال الباحث العربي الدكتور عفيف بهنسي حين كان مديراً للفنون التشكيلية في وزارة الثقافة والإرشاد القومي عن أبي سليمان: «منذ بداية هذا القرن، كان هناك من يعمل بصمت وهدوء.. لبعث فن الحفر والزخرفة العربي، هذا الفن الذي امتاز بين الفنون التشكيلية العالمية لما فيه من جمال مجرد في التكوين وبراعة عبقرية في التنفيذ».. ويتابع الدكتور بهنسي بالقول: «له آثار فنية قيمة أخذها عن أصول معروفة، وقد أتقن إخراجها وأجاد في الإفادة من جميع طرق الحفر التي مرت بالتاريخ العربي كالطريقة القديمة والطريقة العباسية والطريقة الفاطمية وغيرها، وقد قام أبو سليمان بالتأليف بينها وجمعها في أثر واحد ما أعطى إنتاجه طابعاً جديداً مستمداً من طبيعة المرحلة التاريخية التي تمر فيها الأمة العربية وهي تتجه لإعادة بناء حضارة جديدة ترتكز على ذروات حياتها في تاريخها المجيد».
أما الفنان النحات الذي تدين جدران مبنى البرلمان الخارجية لإبداعاته فهو ميخائيل ديمتري إليوفيتش الملقب أبو ديب الترك، يوناني الأصل مواليد دمشق حي القصاع حارة الصليب عام 1896م ووالدته مجيدة عوض موسى نظور.
اشتهر بدمشق بأنه من أمهر معلمي النحت وتتلمذ على يديه العديد من معلمي النحت في سورية حتى يقال: إن كل من عمل في النحت من أبناء مدينة تل منين في ريف دمشق تتلمذوا على يديه… وأيضاً كان عمه إيليا ميخائيل إليوفيتش من أهم من تعامل بالنحت على الحجر بدمشق.. من أشهر أعماله الزخارف والمنحوتات في مبنى البرلمان السوري حين تم إنشاؤه عام 1928م وبعد الاعتداء الفرنسي عليه عام 1945م، كما عمل في زخرفة النحت في كل من المتحف الوطني، لجنة مياه عين الفيجة، فندق الشرق الشهير في ساحة الحجاز، جامع تنكز في شارع النصر، جامع بعيرة في ساحة السبع بحرات، بطركية أنطاكية وسائر المشرق «المريمية» بعهد صاحب الغبطة إسكندر طحان، كنيسة الصليب المقدس، كنيسة وادي شمس، إضافة لأعمال فنية كثيرة في دير سيدة صيدنايا، ومنزل جميل مردم بك، ومنزل العيطة، والعديد من المنحوتات في باب توما، وساحة الأمويين… توفي أنطون إليوفيتش في لبنان يوم 3/10/1973م.
ملاحظة: هذا التوثيق لدار البرلمان السوري استغرق العمل به فترة زمنية طويلة وجهداً كبيراً، ومراجع لا تحصى من كتب ومجلات وجرائد ومؤسسات ذات العلاقة، ولقاءات مع العديد من الأشخاص وعائلات الفنانين الذين عملوا في زخرفة ونحت المبنى تمت بدمشق وأثينا. «إن اجتهدت وأصبت فلك أجران وإن اجتهدت ولم تصب فلك أجر واحد».

شمس الدين العجلاني

المصدر: الوطن

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.