«مهرجان كان» ينطلق الليلة: رهان التجديد والمغايرة

 إذا كان هذا الخيار التجديدي، الهادف إلى ضخ دماء جديدة في التشكيلة الرسمية، قد لقي ترحيب النقاد، فإن المفوّض العام للمهرجان، تييري فريمو، أقدم على مجازفات تجديدية أخرى مثيرة للجدل. فـ«قلعة السينما» ستفتح أبوابها للمرة الأولى، هذا العام، للمسلسلات التلفزيونية، من خلال عملين من إخراج اثنين من كبار صناع السينما العالمية، هما جين كامبيون وديفيد لينش (راجع الكادر أدناه).الافتتاح الليلة مع جديد الفرنسي أرنو ديبليشان «أشباح إسماعيل»

في السباق نحو «السعفة الذهبية» تتعايش، في دورة هذه السنة، أربعة أجيال من السينمائيين. الى جانب المخرجين المكرسين، الذين يشكلون نزلاء الكروازيت المنتظمين، هناك فئة أخرى من كبار صنّاع السينما العائدين بعد غياب طويل. وهناك فئة ثالثة من السينمائيين الذين يشكلون وجوهاً مألوفة في «كان»، سبق أن شاركت مرات عدة في التشكيلة الرسمية بشقيها (مسابقة «السعفة الذهبية» وتظاهرة «نظرة ما»)، لكنها لم تسبق أن نالت أيّاً من الجوائز الرئيسيّة. وهناك فئة رابعة تتمثل في الوافدين الجدد الذين يحطون الرحال للمرة الأولى على الكروازيت، ويفتكون تأشيرة المشاركة في السباق نحو «السعفة» منذ المحاولة الأولى.
ضمن الأسماء المكرّسة، يحتل النمساوي مايكل هانيكه مكانة على حدة. هو الوحيد الذي ينافس على «سعفة ذهبية» ثالثة، إذ سبق له أن نال هذه المكافأة السينمائية الأشهر عالمياً مرتين («الشريط الأبيض» – 2009، «حب» – 2012)، وسيعود هذه السنة بفيلم يحمل عنوان «نهاية سعيدة». الذين يعرفون العوالم السوداوية التي تسود أعمال المعلم النمساوي، يدركون أنّ هذا العنوان ليس إلا ضرباً من المراوغة!
ضمن المكرسين أيضاً، نرى البولندي رومان بولانسكي، الذي سيقدم جديده «مقتبس عن قصة واقعية» (خارج المسابقة)، والبريطانية لين رامسي، التي تشارك بجديدها «لم تكن هنا يوماً بشكل فعلي»، والكوري هونغ سانغسو، الذي سيدخل التشكيلة الرسمية بفيلمين: «اليوم الموالي» الذي ينافس على السعفة، و«كاميرا كلير»، الذي سيقدّم ضمن العروض الخاصة، خارج المسابقة. علماً أنّه من بطولة النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير، وقد صوِّر العام الماضي في «كان»، أثناء انعقاد الدورة الـ 69 من المهرجان. وهناك أيضاً الفرنسي أرنو ديبليشان، الذي اختير عمله الجديد «أشباح إسماعيل» (بطولة شارلوت غينسبورغ، وماريون كوتيار، ولوي غاريل وماثيو أمالريك) ليكون فيلم افتتاح هذه الدورة مساء اليوم. هذا من دون أن ننسى الروسي أندريه زفياجنتسيف، الذي يعود للمنافسة على السعفة الذهبية، بجديده «بلا حب»، بعدما أبهر الكروازيت بفيلمه Léviathan (جائزة أفضل سيناريو – 2014). من جهته، يعود عرّاب السينما الغرائبية، اليوناني يورغوس لانثيموس، بجديده «اغتيال الأيل المقدس»، الذي وعد المفوض العام للمهرجان، تييري فيرمو، بأنه لن يكون أقل غرابة وإبهاراً من رائعته «جراد البحر» (جائزة أفضل سيناريو – 2015).
في طليعة العائدين الكبار، الذين انقطعوا لسنين طويلة عن الكروازيت، أيقونة سينما «الموحّدة الجديدة»، البولندية أنييس فاردا، التي تعود بعمل جديد يحمل عنوان «وجوه، قرى» (خارج المسابقة)، والفرنسي كلود لانزمان، رفيق درب سارتر، الذي يستعيد في عمله الجديد «نابالم» التجربة القاسية التي عايشها خلال شبابه، في كوريا الشمالية، تحت القصف الأميركي الوحشي. وهناك أيضاً المخرج الأوكراني الكبير سيرغي لوزنيتسا، الذي يعود هذه السنة بوصفه «مخرجاً روسياً»، بعد ضم القرم الى روسيا الاتحادية، ليقدم جديده «امرأة ناعمة». عنوان لا يقل مراوغة عن «نهاية سعيدة» لهانيكه! وهناك عائد آخر انقطع عن الكروازيت منذ 1984، وهو المعلم الفرنسي جاك دوايون، الذي يعود لينافس على السعفة الذهبية بفيلم يروي سيرة النحات الفرنسي «رودان».
ضمن فئة نزلاء الكروازيت الذين يشاركون بانتظام في المهرجان، لكنهم لم يسبق أن نالوا أي جوائز، هناك الفرنسي ميشال هازانافيسيوس، صاحب رائعة The Artist، الذي يعود بعمل يحمل عنوان «الرهيب» (أو الذي لا يؤتمن جانبه)، سيكون محل أنظار (وجدل؟) النقاد، كونه يروي سيرة عراب سينما «الموجة الجديدة» جان لوك غودار. وهناك أيضاً الفرسي الآخر، فرانسوا أوزون، الذي سينافس على «السعفة الذهبية» بفيلمه «العشيق المزدوج»، بينما تعود صوفيا كوبولا بعمل جديد يحمل عنوان «الفريسة». من جهتها، ستدخل السينمائية اليابانية الكبيرة ناعومي كاوازي سباق السعفة الذهبية» بجديدها «نحو الضوء»، بعدما توقفت أعمالها طويلاً عند عتبة «نظرة ما». ويشارك الأميركي تود هاينس بجديده Wonderstruck، بينما يعود الألماني من أصل تركي، فاتح أكين، بفيلم جديد يحمل عنوان «من لا مكان»، وينافس السويدي روبن أوستلوند على السعفة بجديده «الحديقة».
أما في فئة الوافدين الجدد، الذين سيشكلون ملح هذه الدورة، فنجد خمسة أفلام، هي: «قمر كوكب المشتري» للمجري كورنيل موندروزو، و«120 نبضة في الدقيقة» للفرنسي روبن كامبيلو، و«وقت طيب» للشقيقين النيويوركيين بيني وجوش صافدي، بالإضافة الى فيلمي Netflix المثيرين للجدل، Okja للكوري الجنوبي بونغ جون هو، وThe Meyerowitz Stories للأميركي نوا بومباك. وسيكون هذا الفيلم مناسبة لعودة بطله، النجم داستن هوفمان، الى الكروازيت بعد سنين طويلة من الغياب، إذ لم يظهر على البساط الأحمر، منذ مطلع الألفية الجديدة، سوى مرة يتيمة، ضمن فريق فيلم «كونغ فو بوندا»، عام 2011.

تحولات تكنولوجية هجمة ليبرالية

في خطوة مثيرة للجدل، قرر المفوض العام لمهرجان «كان»، تييري فريمو، إدخال المسلسلات التلفزيونية الى «قلعة السينما». المخرجة النيوزيلاندية جين كامبيون، التي تعد المرأة الوحيدة التي نالت «السعفة الذهبية» («درس البيانو» – 1993)، ستقدّم في عرض خاص، خارج المسابقة، الموسم الثاني من مسلسلها Top of the Lake (بطولة نيكول كيدمان). أما الأميركي ديفيد لينش، الذي سبق له هو الآخر أن نال «السعفة الذهبية» (Wild at Heart – 1990)، فسيكشف لجمهور الكروازيت الحلقات الثلاث الأولى من الموسم الجديد لمسلسله التلفزيوني الشهير Twin Peaks.
المكانة المرموقة لهذين المخرجين، لم تخفف من حدة الانتقادات لهذا الخيار الذي رأى فيه بعضهم تهديداً لصناعة السينما العالمية، نظراً إلى كون المسلسلات التلفزيونية صنفاً فنياً منافساً للسينما ويسهم في عزوف الجمهور عن ارتياد قاعات العرض. وَمِمَّا زاد من حدة الجدل أنّ فريمو أرفق برمجة المسلسلات التلفزيونية، للمرة الأولى في تاريخ مهرجان «كان»، بخطوة أخرى مثيرة للجدل تمثلت في قبول فيلمين في المسابقة الرسمية من إنتاج شركة Netflix المتخصصة في الـ VoD (الفيديو تحت الطلب الذي يسوق عبر الانترنت). ما يعني أنّ هذين الفيلمين، اللذين ينافسان على «السعفة الذهبية»، لن يُطرحا للجمهور في قاعات العرض، بل سيتم تسويقهما مباشرة على النت.
الاعتراف بـ «سينمائية» أعمال من هذا النوع، عدّته غالبية نقاد وصناع السينما تهديداً للآليات والقوانين المعمول بها في مجال صناعة السينما، وعنصراً يسهم في تقويض الضوابط التي تحول دون تسليع الأعمال الفنية وإخضاعها للمنافسة الليبرالية المتوحشة.
وقد دفعت هذه الانتقادات إدارة المهرجان للضغط على Netflix لطرح هذين الفيلمين المثيرين للجدل، وهما Okja للكوري الجنوبي بونغ جون هو، وThe Meyerowitz Stories للأميركي نوا بومباك، في قاعات العرض – ولو لأيام معدودة – قبل تسويقهما عبر الإنترنت.
هذا الحل الوسط نال رضى المدافعين عن الأرثوذكسية السينمائية، وسمح لإدارة المهرجان بالمضي في ما تعتبره «خطوات تجديدية» لـ «مواكبة التحديات التي يفرضها تطور تكنولوجيا المعلومات على صناعة السينما»، حسب فريمو. خطوات تجديدية تندرج ضمنها أيضاً الفقرة التي ستكون الأكثر إثارة للفضول والاهتمام لدى رواد الكروازيت هذه السنة، وتتمثل في «بيرفورمانس» فني غير مسبوق أنجزه السينمائي المكسيكي الكبير، أليخاندرو غونزاليس إيناريتو، ويتمثل في فيلم قصير (6 دقائق) بعنوان «لحم ورمل»، أُنجز بتقنيات الواقع الافتراضي. تقنيات ستفتح للسينما، مستقبلاً، آفاقاً تفاعلية لا حدود لها لإشراك المشاهد في الفيلم كعضو فاعل لا كمجرد متفرج. وقد بلغ الحماس بتييري فريمو، خلال الإعلان الرسمي عن تشكيلة هذه الدورة، الى حد مقارنة الصدمة البصرية التي سيشكّلها هذا العمل بتلك التي أبهرت الجمهور عند مشاهدته أول أفلام الأخوين لوميير!

عثمان تزغارت

المصدر: الأخبار

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.