عن عزل السيدة هدية عباس والسوريات في مواقع القرار

الجمل _ د.إنصاف حمد _ بالإتفاق مع مداد:

تماماً كما كان انتخابها رئيسة لمجلس الشعب يونيو- 2016 جاء عزل الدكتورة هدية عباس عن عزل السيدة هدية عباس والسوريات في مواقع القرارمن منصبها يوليو- 2017 حدثاً غير مسبوق في المشهد السياسيّ السوريّ! الأمر الذي لا ينبغي أن يمرَّ دون وقفة تحليلية للإحاطة بالحدث واستجلاء جوانبه، بدايةً ونهايةً.

السؤال الأول الذي يستدعيه التحليل: هل شكل إعفاءُ السيدة عباس انتكاسةً لدور المرأة السورية؟

يفترض هذا السؤال ضمناً أن وجودها في منصبها كان مكسباً للحركة النِّسوية السورية. نعتقد أن واقع الحال يتنافى مع هذا وذاك، فالإجابة عن السؤالين معاً تتطلب تعمُّقاً في خلفيات الواقعة "بوجهيها"عبر اتخاذها كنموذج لسيرورة وصول المرأة السورية إلى مواقع صنع القرار أو تنحيتها عنه.

على صعيد الشكل، بالتأكيد يمكن عَدُّ وصول المرأة إلى سدة الرئاسة في السلطة التشريعية بعد فوز السيدة عباس بالتزكية كمرشحة وحيدة للرئاسة في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ مجلس الشعب بتسمياته المختلفة منذ تأسيسه عام 1919 مكسباً للنساء السوريات - ، وواقعة يمكن أن تستشهد بها التقارير الوطنية عندما تتحدث عن الإنجازات التي حققتها المرأة السورية خاصة ما يتعلق منها بتبوّء مناصب قيادية.

في المضمون يختلف الأمر، إذ لطالما كان وجود النساء في المناصب العليا تعبيراً مكثفاً وجلياً عن إرادة سياسية رفيعة المستوى بحضور المرأة في الفضاء العام، وعلى أعلى المستويات، وهو ما يحسب باستمرار لموقع الرئاسة بوصفه موقفاً متقدماً حيال أدوار المرأة ومناصراً لها، وكان عاملاً فاعلاً في إنتاج وضعية متقدمة للمرأة السورية قياساً بأحوال بلدان مشابهة. وبقدر ما تعبر هذه الإرادة في إعطاء الدور القيادي للمرأة عن فرصة حقيقية بقَدْرِ ما تحمل تهديداً ناجماً عن نقطة ضعف بنيوية تتمثل في أنها تأتي من فوق، وليست حدثاً طبيعيّاً ومنطقيّاً ناجماً عن نضج في الحركة النِّسوية السورية يجعل منها مولدة وحاضنة لنساء مؤهلات على مستوى القيادة،  والحديث هنا لا يشكك على الإطلاق بكفاءة النساء السوريات ذوات المناصب ومؤهلاتهن العلمية والتقنية أو ميزاتهن الشخصية، بقدر ما يتعلق بـ " نسوية" النساء القياديات أي بتبنيهن لقضية المرأة، كأولوية وقطع مسار مطلبي لنيل المرأة السورية حقوقها المساوية للرجل التي ينص عليها الدستور دون أي تمييز،  مسار يعمل على إزالة جميع العقبات التي تحول دون ممارستها لدورها في التنمية الشاملة والمستدامة بوصفها مواطنة كاملة الأهلية وهو ما لم يحدث لعدم توافر شروطه.

ولعل هذا هو مكمن الضعف  التهديد الذي يجعل من وجود النساء في مواقع صنع القرار مسألةً محض شكليةً تندرج إلى حد بعيد ضمن ما تسميه الأدبيات النِّسوية بـ "التمثيل الساكن" الذي يمكن أن يحسب عدديّاً؛ لكنه يعجز عن تقديم إضافة نوعية، بما ينعكس تقدماً حقيقيّاً على أوضاع النساء.

والتجربة التاريخية تقول لنا: إنه بالمجمل لم يحدث أن تبنت نساء في مواقع صنع القرار، منفردات أو مجتمعات. مثلاً: عضوات مجلس الشعب قضايا المرأة، ولم يستطعن أيضاً، منفردات أو مجتمعات ، إحداث اختراق إيجابي أو تقدم ملموس في وضعية النساء، سواء أكان ذلك حقوقيّاً، أم اقتصاديّاً، أم اجتماعيّاً، أم ثقافيّاً.

لم تكن السيدة عباس استثناء في هذه المنظومة بقَدْرِ ما كانت تعبر عنها بصورة نموذجية، ورغم أن قصر المدة التي قضتها في منصبها تحد من التقييم الموضوعي، إلا أن واقع الحال يمدنا بمؤشرات تمثيلاً لا حصراً عن عدم استجابتها لأكثر من مبادرة حول تعديل قانون الاحوال الشخصية، وهي في ذلك لا تختلف عن أعضاء مجلس الشعب من النساء والرجال على حد سواء.

حالة العوز هذه لقيادات نِسويّة كانت نتيجة طبيعية ومنطقية لضعف، قلْ لافتقارٍ إلى حركة نسوية حقيقية وفاعلة في سورية، غني عن القول: إنَّ حركة كهذه لن تستحصل على الشروط الموضوعية لنشوئها وتطورها بمعزل عن حياة سياسية وحزبية نشطة وتداولية، وهي شروطٌ لم تكن متحققة في الفضاء السياسي السوري، لابل تم  تجفيف أي إمكانيات لنموها عبر مصادرتها واختزالها بالاتحاد النسائي الذي لأسباب ذاتية تتعلق بمنظومته الداخلية وأسباب موضوعية تتصل بالوصاية الحزبية عليه والتي افتقرت إلى حساسية عالية ومستجيبة لمتطلبات المناصرة ، أمسى، رغم كل ما بذله من جهود مخلصة، عاجزاً  عن القيام بهذا الدور، ووقع أسير إعادة إنتاج الوضعية التقليدية للمرأة بأدوارها المتعارف عليها، من حيث هي أم وزوجة وابنة وأخت لـ (الرجل) وهي صورة تضمر إلحاقاً للمرأة بالرجل وتبعية مطلقة  تختزلها إلى" موجود بغيره ولغيره" وليست أبداً " موجوداً بذاته ولذاته"؛ لعل ما سبق دفع ببعض "النسويات" إلى الانكفاء، أو الاكتفاء بالبحث والدراسات، بينما وقع العديدُ منهن أسيرات الأجندات النسوية "التغريبية" للمنظمات الدولية بمنطوقها "الميكروسوسيولوجي" مع كل ما تقدمه من "فرص رفيعة" للتأهيل والتدريب. الأمر الذي يجعل (الجماعة السياسية) السورية تتوجس بحق أحياناً وبغير حق أحياناً أخرى، من أيِّ نشاطٍ "نِسويٍّ" تدعمه تلك المنظمات.

يضاف إلى ما سبق أن حضور المرأة السورية في المواقع القيادية لطالما كان محفوفاً "بتربص" العقلية الذكورية المهيمنة -على خلاف التوجه الحداثي للقيادة السياسية- والرافضة لحضور المرأة في الفضاء العام، وغير المقتنعة بمقدرات المرأة وإمكاناتها، وغير المتقبلة لأدوارها الجديدة!

هذه العقلية التي ليست مقتصرة على معظم الرجال بل لبعض النساء نصيب وافر منها والتي نادراً ما كان للتعليم دور فاعل في تغييرها، لم تكن لتجرؤ على معارضة قرارات تعيين النساء في مناصب عليا، لا بل كانت تحاول حيثما استطاعت نسب بعض الفضل لها في حصولها، لم تبذل جهداً للتعود على هذا الحضور الذي  غالباً ما تنظر إليه شزراً، هذا التربص تجلى أحياناً في وضع العراقيل حيثما أمكن، وتصيُّد الأخطاء والعثرات لإجهاض التجربة في أول فرصة سانحة ، حيث يجري تعظيم جوانب الخلل ومن ثم الانقضاض والقصاص بأقصى درجاته، وكأن المرأة كائن استثنائي لا يجب أن يخطئ، مقدمين الأسباب الموجبة لذلك، وكأن لسان حالهم يقول: "المرأة لا تصلح  ولا تستحق ما وصلت إليه!).ومن نافلة القول أن المقصود هنا ليس أبداً تقديم دفاع عن النساء أو تبرير أي ممارسة خاطئة من قبلهن .

أسفر حدث عزل السيدة عباس عن مفارقتين

تمثلت الأولى في مسارعة بعض الشامتين إلى التساؤل "بخبث"، عبر بعض المواقع الإلكترونية، عن فشل قيادة النساء، هكذا بالمطلق! في استحضار بائس للمقولة الذكورية التي تعمد إلى عزو نجاح المرأة للمرأة الناجحة بمفردها ,بينما تسارع إلى سحب فشلها على النساء أجمعين.

لعله من لزوم ما لا يلزم تنشيط مدارك هؤلاء باستحضار الكم الكبير من التجارب الناجحة لقيادة النساء بدءاً من أوروبا ومروراً بأمريكا اللاتينية وآسيا وليس انتهاء بسورية، تجارب أثبتت نجاعتها وعلو كعبها ورفعة شأوها.

تتمثل المفارقة الثانية في آلية العزل، القانونية بشكل تام، غير أن أسبابها الموجبة بدت غير مقنعة للكثيرين، وفقاً لبيان المجلس وقع الإعفاء تعبيراً عن رفض الأعضاء "للتصرفات غير الديموقراطية" لرئيسة المجلس و"تجاوزها لرأي الأغلبية ورفضها قبول الاعتراضات" واصفين تصرفها المتكرر بـ "غير المسؤول وغير القانوني" و"المتجاهل لقواعد الديموقراطية"، "الأمر الذي يهدد بتقويض عمل المجلس وينعكس سلباً على دوره التشريعي". وكل هذه الأسباب كان يمكن أن تكون وجيهة ومقنعة لو لم تصطدم بواقعة أن المجلس بمجمل أعضائه جدّد لها لموقع الرئاسة قبل أسابيع قليلة فقط، ربما يمكن تلخيص الأمر بأن السوريين لم يعتادوا على انتفاضات كهذه في مجلسهم، خاصة وأن تصرفات رؤساء المجلس السابقين لم تكن أقل تسلطاً وفوقية؛ لكنها لم تنل النهاية ذاتها.

مع ذلك، يأمل السوريون استدامة حالة عودة الروح إلى المجلس ولو أنها أطاحت بأول رئيسة امرأة، وأن تكون بداية حراك منشود ومأمول يعود من خلاله المجلس إلى ممارسة فاعلة لدوره التشريعي والرقابي، بعد أن لمس الأعضاء بالتجربة الفعلية امتلاكهم مكامن قوتهم ومفاتيحها الدستورية، لعلهم يعملون على استثمارها في قضايا أهم وأعظم شأناً.

فهل ننتظر انتفاضات أخرى في وجه أي تقصير حكومي أو في مواجهة الفساد المستشري، أم ستكون انتفاضتهم هذه يتيمة، بحيث تبدو وكأنها تفاد للوقوع في مغبة " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة."

الجمل: بالتإتفاق مع مركز دمشق للدراسات والأبحاث

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.