الزعيم أنطون سعادة ... قاهر الإمبريالية

الجمل - بقلم: ستيفن صهيوني _ترجمة: وصال صالح

لقد كان الفيلسوف والسياسي أنطون سعادة الذي توفي عام 1949، ذو بصيرة نافذة. لكن قبل رحيله تنبأ بأنواع الصراعات والحروب التي تشهدها  سورية  والشرق الأوسط في أيامنا هذه.الزعيم أنطون سعادة ... قاهر الإمبريالية

حقق سعادة شهرة واسعة من خلال تأسيسه للحزب السوري القومي الاجتماعيي في عام 1932، السبب الذي كان وراء اعتقاله بعد ثلاث سنوات من ذلك.

اعتقاله الأول كان عام 1935 ليتم احتجازه بعد ذلك لفترات متقطعة حتى عام1937، لكن سجنه لم يمنعه من التوسع في الآيديولوجية التي أسسها مع  الحزب السوري القومي الإجتماعي حيث ألف ثلاثة كتب هي ( "نشوء الأمم" ، "شرح المبادئ"، و"نشوء الأمة السورية") ،وذلك أثناء وجوده في السجن، وكانت السلطات الفرنسية قد ألقت القبض على مخطوطة كتابه الثالث وهو الآن رهينة اللوفر مقفل عليه، يشبه إلى حد كبير سعادة نفسه وهو في السجن.


لقد كانت العلمانية حجر الزاوية لآيديولوجيته، حيث دعا إلى فصل الدين عن السياسة كشرط أساسي لتحقيق الوحدة الوطنية. وأعرب عن تقديره للتنوع، قائلاً "كل أمة مكونة من جماعات عرقية متنوعة، أياً منها لم تكن نتاج عرق واحد أو قبيلة بعينها".في السنوات التي أعقبت رحيله، بات مسقط رأسه لبنان أمة ومجتمعاً طائفياً للغاية،

في المشهد السياسي: تفككت الأمة وقُسمت إلى شراذم دينية وطائفية ،فالرئيس يجب أن يكون كاثوليكياً مارونياً، بينما رئيس الوزراء يجب أن يكون مسلماً سنياً ،ورئيس البرلمان من الدروز. مع العلم أن الإنسان ليس له حرية في اختيار مذهبه، وإنما يُفرض عليه عند الولادة.


على أمل خلق الفوضى في الشرق الأوسط، استخدمت القوى الغربية منذ فترة طويلة تكتيك إشعال الفتنة الطائفية في البلدان التي ترغب في استهدافها، وذلك من خلال تأليب بعض السكان على بعضهم الآخر من خلال استراتيجية "فرق تسد" وقد استخدمت الولايات المتحدة والناتو هذا التكتيك على نطاق واسع في العراق وسورية ولبنان.


الشعار الرسمي للحزب السوري القومي الإجتماعي "الزوبعة" مأخوذ من فن بلاد الرافدين. ويُقال أن رمز الزوبعة الأحمر يرمز لدم شهداء الحزب الذين سقطوا على مدى تاريخه، بينما ترمز الدائرة السوداء إلى العصور المظلمة للطائفية والاضطهاد الاستعماري.


محافظاً على عقيدته، عارض سعادة الاستعمار الذي اجتاح سورية الكبرى. حيث تشير عقيدته إلى "سورية الطبيعية" بما في ذلك الهلال الخصيب الذي يضم سورية الوطن الأم التي تمتد حدودها من جبال طوروس إلى جبال زاغروس، إلى قناة السويس والبحر الأحمر، عبر سيناء وخليج العقبة وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك جزيرة قبرص، وصولاً إلى الصحراء العربية والخليج الفارسي.


في الحقيقة أعاد سعادة التاريخ السوري إلى الفينيقيين القدماء، الكنعانيين، الآشوريين والبابليين، معتبرا أن السوريين تجاوزوا الفوارق الدينية،بالنسبة له الجغرافية هي السمة المميزة للأمة –وليس الدين أو العرق- شعور كان ينتاب سعادة أن سورية تاريخياً وثقافياً وجغرافياً متميزة عن بقية العالم العربي.


شهد سعادة نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، تلك الحقبة التي شهدت التقسيم العنيف والمريع لسورية إلى دول أصغر، مع إعطاء جزءاً من الأراضي السورية للحكومة التركية الجديدة. واقتطع لبنان من سورية وأعلن دولة مستقلة في عام 1920. بعد ذلك تحملت سورية ويلات الاحتلال العسكري الوحشي الفرنسي منذ عام 1920 وحتى عام 1946.


هذا التقسيم لُعب بالكامل مرة ثانية في العصر الحديث، كما ورد في مقال المراجعة التنفيذية للاستخبارات:
وفقاً لرئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال جوزيف دانفورد، فإن تقسيم سورية كان في صلب مخططاتهم.


بينما يدعم االتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الجهود المحلية للاستيلاء على الرقة، قال دانفورد، هناك جهود أخرى بقيادة وزارة الخارجية الأميركية لإنشاء هيئة حكم تتولى السيطرة على الرقة. هذا الحكم سيعزز زعامة العرب الذين هم من الرقة، أيضاً سيعمل هؤلاء على تشكيل قوة أمنية مكونة من موظفين محليين من أجل تحقيق الاستقرار الذي سيتبع الاستيلاء على الرقة".

مؤامرة تقسيم سورية- في الماضي والحاضر

لم يكن سعادة صديقاً لتركيا، حيث كان يرى فيها قوة قمعية عازمة على السيطرة على سورية ،وأخذها كما كتب عام 1937 في صحيفة النهضة:

"لقد أخذ الأتراك إسكندرونة، ومن الآن يقولون أنها تركية، وهم سينشرون آيديولوجيتهم فيها، ويطلقون عليها اسماً تركياً، وهم لن يتوقفوا عند هذا الحد، إنهم يريدون السيطرة على حلب والجزيرة".

وبعد عام واحد فقط كتب سعادة في الصحيفة نفسها:

"تركيا هي الأقرب، البلد الأقوى والأكثر خطورة التي تنظر إلينا بعيون جشعة. هم ينتظرون اللحظة المناسبة لتحقيق ميزة سياسية من سورية وهي في أزمة. بعد ذلك ما هو واجبنا عندما نعرف جشع عدونا؟ علينا أن نكون أقوياء لأن الضعف سيسمح للعدو أن يأكلنا ونحن أحياء. خصوصاً، أن مجتمعنا فقد الوحدة التي كانت موجودة بيننا، وهذا السبب في كسر سورية بسهولة، وما يزال مستمر حتى الآن. هم يرون في وحدتنا خطراً على خططهم".


تجدر الإشارة إلى أن سعادة شهد استيلاء تركيا على الأراضي في شمال غرب سورية عام 1920.الآن، في عام 2017 نحن نشهد التاريخ يعيد نفسه إلى حد كبير كما كان يتوقع سعادة. على سبيل المثال، في خطاب سعادة في حلب عام 1948، قال:


"هناك خطر ثان ماثل أمام أعيننا‘ إنه خطر كردستان وإنشاء دولة كردية. الدول الأجنبية تدعم هذه الخطة، بهدف خلق الفوضى في الشرق الأوسط. من خلال إنشاء دولة تدعى كردستان، هذه الدول الأجنبية ستقاتل ضد تركيا، لا تعتقدوا أن الخطر في فلسطين الخطر يحيق بجميع أنحاء أمتنا".


في الحقيقة، أدت الصراعات في العراق، سورية، وتركيا إلى خلق تشابك المنظمات السياسية والعسكرية  بين الأكراد. مع تقديرات بوجود ما بين 25  إلى 35 مليون كردياً منتشرين في جميع أنحاء تركيا، العراق، وسورية وإيران في صميم العديد من الصراعات التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط. على سبيل المثال، قام حزب العمال الكردستاني (PKK) عى مدى ما يقرب من أربعة عقود بحرب مسلحة ضد الدولة التركية، ما أسفر عن مقتل حوالي 40 ألف شخص.


في سورية الأكراد هم مواطنون سوريون يتمتعون بنفس الحقوق التي يتمتع بها السوريون الآخرون بموجب القانون المدني العلماني، وتتكون سورية من العديد من الجماعات الدينية والعرقية، وجميعهم مواطنون كاملون، بما في ذلك الجالية اليهودية الصغيرة. مع ذلك، رأى بعض الأكراد السوريين في الفوضى الناجمة عن التهديدات الخارجية لسورية، على أنها فرصة للاستفادة من معاناة جيرانهم ".


هم لم يستفدوا مالياً فقط من القتال كجنود مأجورين في ظل الحكومة الأميركية، لكنهم حققوا فائدة على المدى الطويل من خلال إعلان وطنهم من الأرض التي سرقوها من السوريين الآخرين. الأكراد يقاتلون حالياً إلى جانب الولايات المتحدة لالتزامها بالتطهير العرقي على نطاق واسع للمدنيين من غير الأكراد.

سعادة يحذر من صعود الصهيونية

خلال حياته، رأى سعادة المهاجرين اليهود الأوربيين يأتون إلى فلسطين بخطة صهيونية لإعلان الدولة اليهودية في نهاية المطاف، أُعلنت دولة إسرائيل اليهودية في عام 1948، ليس قبل وقت طويل من إعدام سعادة الذي حذر من صعود إسرائيل، في عام 1938 قال سعادة : إن مخاطر الصهاينة لن تتوقف عند حدود فلسطين، لكن في لبنان، سورية والعراق، هم يريدون التوسع خارج حدود المنطقة.


في 2 آذار 1947 قال سعادة "إن هدف الحزب القومي الاجتماعي السوري هو إنقاذ فلسطين من جشع الصهاينة وإنقاذ فلسطين يجب أن يكون هدفاً لبنانياً، ليس فقط هدفاً فلسطينياً. الصهيونية تشكل خطراً على المنطقة برمتها".
ما أشبه اليوم بالأمس أيها الزعيم، في الصراع الحالي، إسرائيل تدعم الإرهابيين الإسلاميين المتطرفين المصابين وتعالجهم داخل المستشفيات الإسرائيلية.


مع هزيمة العثمانيين عام 1918، رأى العرب أراضيهم مقسمة إلى مناطق فرنسية وبريطانية وفقاً لاتفاقية سايكس بيكو عام 1916 . أصبح لبنان تحت الانتداب الفرنسي في أيلول 1920، وأُقيمت حدود لبنان التي نراها


في يومنا هذا. حلال ذلك الوقت كان سعادة قد أتم تعليمه وغادر لبنان إلى الولايات المتحدة، وبعد عام  من ذلك في 1921، سافر إلى البرازيل.


في 1 أيار عام 1924 نشرت مجلة سان باولو مقالاً لسعادة  بعنوان "سقوط الولايات المتحدة من عالم الإنسانية" جاء فيه : "يبدو أن  بريق الدولار قد أصاب الأميركيين بالعمى، يهاجمون دولاً أخرى، والدم يُراق بدم بارد، ضد حرية الدول الأخرى، التي ربما كانت موالية للولايات المتحدة، وكانوا حلفاء سابقاً، لقد فشل الغرب، وأفلس تماماً.

الولايات المتحدة صفعت الدول الأخرى في وجهها. على الرغم من أنها كانت موالية وصديقة للولايات المتحدة. بعض من هذه الدول قدمت أعداداً كبيرة من شبانها في الحرب العالمية كحلفاء للولايات المتحدة".

امبراطوريات اليوم، رماد الغد

جدير القول أن القوى العظمى الجشعة سعت إلى تقطيع أوصال سورية منذ أيام الإمبراطورية العثمانية من الفرنسيين إلى الإنكليز بعد الحرب العالمية الأولى إلى الولايات المتحدة، إسرائيل ودول الخليج العربي اليوم –جميعهم دعموا تدمير سورية. سعادة، وقتذاك، عمل على معارضة القوى العظمى التي كانت تسعى لتعريض البلاد للخطر. لكن جهوده انتهت مع إعدامه في 8 تموز عام 1949، حيث وجدوا أنه يُشكل خطراً على الأهداف الجيوسياسية للبلدان التي عارضها.


في 15 تشرين الأول عام 1937 كتب سعادة في النهضة:


"لقد وجدت آيديولوجيتنا في الدين الوهابي، عدواً. الدين الوهابي عدو للمسيحيين والسنة والشيعة، إنه خطر على جميع الدول حول السعودية، خاصة الأمة السورية. إنه ليس فقط خطر اقتصادياً، أو احتلالاً، لكنها العائلة المالكة السعودية من يعمل من أجل الحرب  داخل المجتمع في سورية، لبنان وفلسطين، من خلال وكلائهم على الأرض، الذين  ينشرون الوهابية وأهدافها، عبر وسائل الإعلام، من قبل السياسيين ورجال الدين".


نشأ سعادة في ظل الاحتلال القمعي لبلاده من قبل قوة أجنبية. آيديولوجيته الحكيمة تطرقت إلى القضايا التي لا تزال تتصدر عناوين اليوم، حتى عندما كتب عنهم منذ ما يقرب من 100 عام، وتحذيراته بشأن التهديدات المحتملة لسورية والشرق الأوسط لا تزال حقيقة. لكن المالك التي بنيت على الرمال المتحركة للشرق الأوسط، ربما ستعصف بها الزوبعة في الرمال الصحراوية وتجعلها أثر بعد عين، ويا حبذا لو لو تتابع هذه الزوبعة مسيرها وتأخذ في طريقها أسيادهم الغربيين.

عن: Mint Press


إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.