واشنطن بوست و تضليل إعلامي جديد عن سورية

الجمل ـ *بقلم توني كارتالوتشي ـ ترجمة رنده القاسم:

تحت عنوان "القاعدة في سورية وضعت حدا للمنافسة في الشمال الغربي" كشفت  صحيفة واشنطن بوست بطريقة خرقاء ما يعرفه الكثيرون من متابعي الصراع السوري ، و هو أن ما كانت تسمى انتفاضة لم تعد موجودة و أن الولايات المتحدة و حلفاءها يقومون مباشرة بتسليح و مساعدة و تحريض القاعدة في سورية..و ورد في المقال:فصائل الجيش الحر المسلحة

"يحذر المتمردون و الناشطون السوريون من أن مجموعة جهادية مرتبطة بالقاعدة على وشك إخماد ما تبقى من الانتفاضة في  شمال غرب سورية، بعد  استيلاء المتطرفين، قبل أسبوع،   على عاصمة المعارضة الإقليمية  ، إدلب"غير أن ما تسمى انتفاضة لاقت الدعم منذ 2011 من قبل الولايات المتحدة و أوروبا و حلفاء الغرب عبر الشرق الأوسط، و المتضمنين  السعودية و قطر و الإمارات العربية المتحدة، و ذلك بمساعدات تصل قيمتها إلى مئات المليارات من الدولار كل عام بهدف  التسليح  و التدريب و النقل  و الدعم اللوجستي و الذي وصل الآن  إلى حد الدعم العسكري المباشر.

هذا الدعم الهام تمت الإشارة إليه مرات عدة في الصحف الغربية بما فيها واشنطن بوست نفسها. و لكن إذا كان هذا الدعم يمنح حقا لمعارضة علمانية مؤيدة للديمقراطية  داخل سورية ، إذن من الذي يمد المجموعات الجهادية المرتبطة بالقاعدة  بدعم يكفي لمواجهة المعارضة أو التفوق عليها في أرض المعركة؟ الجواب هو أن ما من معارضة علمانية مؤيدة للديمقراطية في سورية.

و لم تخبر واشنطن بوست قراءها بأن الاندماج مع القاعدة في شمال غرب سورية حاجة لوجستية، مع عدم تمكن الغرب من مساندة مجموعات المعارضة، و بشكل من الأشكال أقرت واشنطن بوست بهذا الأمر في مقالها إذ قالت:  

"جبهة النصرة اسم من أسماء كثيرة لفروع القاعدة و تقود الآن التحالف المقاتل الضخم المسمى هيئة تحرير الشام، و المسيطر على مدينة ادلب ، و على معبرين حدوديين مع تركيا لتغذية خزائنها".جبهة النصرة + داعش

اعترفت واشنطن بوست بأن فرع القاعدة يحافظ على قدراته القتالية في سوية عبر خطوط الإمداد القادمة من تركيا، عضو الناتو منذ عام 1952.. و هي أيضا حليف الغرب مع استمرار  دول غربية عديدة بدعم الدولة بالسلاح، بما فيها صفقة بمبلغ 86 مليون جنية بيعت لأنقره من قبل المملكة المتحدة... و تركيا إلى جانب السعودية تعتبران دولتين راعيتين للإرهاب ما يناقض الروايات الغربية حول "الحرب  المزعومة ضد الإرهاب"، و في الواقع يبدو أنه عوضا عن محاربة الإرهاب يقوم الغرب بدعم أكبر الدول التي تقوده.

و هناك ما هو  أسوأ من قيام الغرب بإذكاء نار الإرهاب بالوكالة، إذ أشارت واشنطن بوست بشكل غير مباشر إلى أن المجموعات المقاتلة في سورية ، و المدعومة مباشرة من قبل السي آي ايه الأميركية، تتعاون مع نفس فروع القاعدة التي زعم أنها تضع نهاية للمعارضة ، إذ ورد:

"فصائل أخرى، بما فيها عدد كبير كان يوما ممولا و مسلحا جزئيا من قبل السي آي ايه الأميركية، بقيت جانبا ، و هي تأمل بالفوز بحصة من عائدات "باب الهوا" المعبر الحدودي المربح، و ذلك وفقا لما ذكره ناشط معارض مقيم في تركيا تربطه علاقات مع المتمردين السوريين و دولهم الراعية. و قد طلب عدم ذكر اسمه حتى لا يعرض موقعه للخطر".فصائل مسلحة

بكلمة أخرى ، المعابر الحدودية الواقعة تحت سيطرة القاعدة تستخدم بشكل مشترك و تستغل من قبل مجموعات كانت يوما ممولة و مسلحة من قبل السي آي ايه.. و على الأرجح أن الحال كان كذلك قبل بدء الصراع، مع استخدام الولايات  المتحدة ببساطة للقاعدة داخل سورية. تماما كما فعلت في أفغانستان في الثمانينات ، مع  تمكن  جيش المرتزقة العالمي من  الذهاب إلى أماكن لا يستطيع الذهاب إليها الجنود الأميركيون و القيام بما لا يمكنهم  القيام به.

يبدو أن مقال ال واشنطن بوست محاولة أخيرة لإنقاذ التضليل الإعلامي الذي كشف منذ وقت طويل، و ذلك بتضليل الرأي العام حول حقيقة طبيعة كل من الصراع السوري و "المعارضة" المزعومة التي تقاتل نيابة عن الغرب..و خلص المقال إلى أن برنامج الولايات المتحدة الرامي إلى تسليح المقاتلين في سورية اقترب من النهاية، و الولايات المتحدة تترك سورية في أيدي روسيا"

و في الواقع ، الولايات المتحدة ستترك سورية عندما تدحض خياراتها و تستنفذ من قبل سوريه و حلفائها. و في الوقت الذي تبدو فيه غير قادرة   على الاستمرار بتمويل الإرهابيين في  شمال غرب سورية، لا تزال تحتفظ بوجود عسكري من جنود أميركيين و وكلاء في شرق الدولة. و هي تخطط علنا لاحتلال هذه المناطق لكي  تتمدد  منها بشكل متزايد بهدف  تفكيك سورية أو تحقيق تغيير النظام.


"ظهور " القاعدة في شمال غرب سورية، و سيطرتها على مجموعات "المعارضة" التي تم الاعتراف بتمويلها بمئات المليارات من الدولارات في السنة ، يمكن تفسيره بأن هذه المئات من المليارات قد وصلت أيدي القاعدة. و الإقرار بأن  القاعدة قد غزت شمال غرب سورية سيسمح لل "معارضة" باستخدام كل التكتيكات المطلوبة للاحتفاظ أو ربما استعادة الأراضي من القوات الموالية لدمشق، مع وجود صحف مثل واشنطن بوست مهمتها تعتيم و تجاهل حقيقة أن  القاعدة قامت بهذا مع وجود قنوات لوجستية تؤدي مباشرة إلى أرض الناتو،  و وجود أسلحة و إمدادات تكتسب من اشتراك الناتو في هذه الجريمة.


كاتب و باحث جيوسياسي - عن مجلة New Eastern Outlook الإلكترونية
 



إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.