بين إيروس وثاناتوس.. صــراع أم تعايــــش..؟!

في إحدى المرات التي راح فيها الروائي باتريك زوسكيند يبحث عن مادة يوظّفها في كتابة سيناريو لفيلم، قاده البحث إلى سؤال: «لماذا الحب متصلٌ بالموت وعلى نحو جوهري لا فكاك منه منذ القديم وحتى يومنا هذا؟».

وضع بحثه «عن الحب والموت» الكتاب الذي يأتي توصيفاً تأملياً لماهية العلاقة بين الحب والموت.. فهل ثمة نوعٌ من التعايش بين إيروس (إله الحب) وثاناتوس (إله الموت)..؟‏‏

‏‏

«يبدو أن ثمة غموضاً يلازم الحب، شيئاً لا يتمكّن الإنسان من معرفته بدقة».. هذا ما يستخلصه صاحب «العطر».. ولهذا كان أن كتب الأدباء والشعراء عمّا لا يعرفونه لا عمّا يعرفونه.. ولهذا تكثر كتاباتهم عن لغز الحب.. فهم يريدون الاقتراب من كشف اللغز.. وحلّ شيفرته ولو بمجرد المحاولة.‏‏

يستعرض الروائي الألماني نماذج لقصص حب.. ويرى أنها لاتخلو من كمية غباء ملحوظة لمن يتأمل طرفيها.. برأيه (ثمن الحب يُدفع دائماً بخسران العقل، وبالتضحية بالذات وما ينتج عنها من قصور الأهلية العقلية).. هو أشبه بموجه تسونامي تجعل الفرد يأتي بتصرفاتٍ ما كان له أن يفعلها لو أنه بكامل حالته المعقلنة.. وهو هنا يتفق مع كثيرين، منذ عصر الإغريق إلى اليوم، يرون في الحب عرضاً من أعراض الهوس العقلي.‏‏

ماذا عن لحظة «الأبدية» التي يحدث فيها الحب..؟‏‏

على رأي عالم النفس والاجتماع إريك فروم: إن كل تجليات الكينونة الإنسانية (ومنها الحب) إنما تحدث في «هنا» و»الآن» وتلك هي السرمدية أي التحرر من الزمن اللانهائي.‏‏

هل يمكن بهذا المعنى أن نحقق شيئاً من التوافقية بين إيروس وثاناتوس..؟‏‏

يرى زوسكيند أنه في آلام الحب، حين يجتمع ثاناتوس بإيروس، وفق ستندال فإن «الحب الحقيقي يجعل فكرة الموت مألوفة، خفيفة وليس فيها ما يفزع» وذلك باعتبار الموت خلاصاً وحيداً من عذابات الحب.. كما في أمثلة أدبية مثل «آنا كارنينا» و»مدام بوفاري».‏‏

أليس في ذلك انحراف عن جماليات وغايات الحب..؟‏‏

لربما كان في الأمر ملمح إلى عدم اكتمال هالات الحب حين الإقدام على الانتحار إلا أن هناك فرقاً جوهرياً بين الانتحار الذي يقدم عليه «فرتر» في (آلام فرتر)، عمل غوته الشهير، وبين انتحار الأديب الألماني هاينريش فون كلايست.. فالأول يقدم على إنهاء حياته لأجل الحبيبة ولاستحالة إكمال حياته معها.. بينما كلايست فكان طوال حياته مفتوناً بفكرة الانتحار الثنائي لأنه برأيه (التعبير الأعظم عن الحميمية والإخلاص المتبادل)..‏‏

أليس في ذلك شيء من مرض وهوس..؟‏‏

سيعود غوته نفسه في إحدى قصائده المعنّونة «اكتمال» التي ضمّنها (الديوان الغربي الشرقي) ليقول:‏‏

(لا تحدّث أحداً بهذا عدا الحكماء‏‏

لأن العامة ستهزأ به فوراً‏‏

أنا أبغي تمجيد ما هو حي،‏‏

ويتوق إلى لهيب الموت.)‏‏

وكما لو أنه لا يمانع من إمكانية اتحادٍ ملحوظ بين «الحب والموت» انتحاراً أو بأي شكل آخر.‏‏

ألا يعني ذلك أن استكمال المرء أبديته الصغرى «الحب» يمنحه نوعاً من جسارة التحدي حتى لو كان تحدّي الموت.. فيصبح لا مبالياً حين يبرق إليه ثاناتوس وميضاً من عينيه..؟‏‏

الثورة

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.