بين باب توما وباب شرقي ألف قصة وقصة

سآخذك بجولة حول السور ثم نجول من باب شرقي الى باب توما الى شارع نظام الدين … تبادرني رلى من الباب.بين باب توما وباب شرقي ألف قصة وقصة .. من بينهم فيروز وحمص

العشب الأخضر يكسو الأرض طرياً غضاً، يغري بالمشي وحتى بخلع الحذاء. لتشعر أكثر بأن هذه الأرض لا تزال هنا وأنك أنت لا تزال هنا أيضاً. تلامس بالحنين واليقين جسمها الذي خفت ألا تلامسه بعد.. شباب كلية الفنون لم يخافوا ذلك، تطوعوا لترميم السور بين هاون واخرى. رمموه، وشرفاته، لكنهم لم يستطيعوا حماية مجسم صغير وضع عند المدخل، من حطمه ومن يرمم، تلك هي الحكاية. تسير وتسير، حولك رجال ونساء يتنزهون وأطفال يلعبون، سبيل مياه، تسأل إن كانت صالحة للشرب، فيرد الرجل الكهل: تفضلي، كلنا نشرب منها. ماؤها ليس بارداً لكنها تبرد روحك. في الضفة الاخرى للطريق ساحة كبيرة لسيارات ملتفة (سكراب)، – وراءه المسلحون. – نعم؟ المسلحون؟ – أجل ولكنهم ليسوا قريبين، لا تخافي، لم يعودوا يرسلون قذفاً متفجرات هاون. تقول لي رفيقتي بهدوء عميق. نمشي ونمشي .. رجال شرطة سير يطلبون من الجميع إخلاء المكان. لماذا؟ لتجميع رواد معرض دمشق الدولي الذين ستأتي الباصات لنقلهم. ثلاثمئة ألف منذ الأيام الأولى. لم تكن الجهات المنظمة تتوقع أكثر من مئة وخمسين ألفاً. فحصلت اختناقات في اليوم الأول، لم تلبث أن تنظمت.

فيروز عادت وعاد الصيف وعاد بها الجناح. لكنها ليست هنا وليست الجراح في وطنها هناك، بل في وطنها هنا، هذه المرة. عام 1952 بدأت السيدة مشوارها الفني على مسرح سينما دمشق. جاءت بها إذاعة دمشق وهي في السابعة عشرة من عمرها. ظلت وفية لدمشق. وها هي دمشق وفية لها. صوتها في كل مكان. “وعليك عيني يا دمشق فمنك ينبلج الصباح.”

سوريا ستبنيها النساء والشباب، تقول لي صديقتي ونحن نجلس بعد ساعتين لنحتسي كأس ليمون في أحد مقاهي باب توما. – ولماذا لا نقول الشعب السوري؟ – لم نعد نحب هذا المصطلح على صحته. الكل يقول إنه الشعب السوري. تحدثي بتحديد واضح. في هذا الشعب من ذبح وسرق وهدم وسرق وتاجر ومن دافع وصمد وتمسك بالتراب والبشر، من استشهد وأكل العشب لنبقى وتبقى البلد. من يستعد لأن يسرق ويثرى ويتاجر ومن يعمل منذ الآن على الترميم والبناء، بناء البشر والحجر. أنا اتكلم بالملموس. ابتسم بمرارة: والشركات المتعددة الجنسيات والدول الدائنة والمستثمرة والمنظمات الدولية وكل هؤلاء المنافقين، الذين خلعوا قناعاً وارتدوا آخر، عندما اشتموا رائحة إعادة الاعمار؟

لا أريد الدخول في هذه النقاشات الكبيرة. نحن مجموعة شباب ونساء نعمل على التواصل مع المنكوبين، جميعهم. نساعد بأبسط الوسائل التي نستطيعها. في حمص، كنا اثنتين: واحدة محجبة وانا حاسرة الراس. قيل لي لا تدخلي العمارة فلا نعرف من فيها. دخلت، نادتني امرأة أربعينية في الطابق الارضي: أرجوك بخدمة. قالت لي صديقتي لا تدخلي من يدري ماذا لديها. في الداخل لا شيء إلا كنبتين من حديد والتلفزيون. طلبت مني أن أوصل لها كابل التلفزيون.. فعلت وصعدنا. في كل غرفة عائلة، من النساء فقط. أرملة وطفلين. سيدة لا تعرف شيئاً عن زوجها، فتاتين فقدتا كل أهلهما، كبيرتهما مراهقة تقول لي: لا أريد أن أتزوج الآن. أريد أن أتعلم. هلا استطعت مساعدتي على ذلك؟ تنتهي الجولة. نسال: “ومن الذي تبرع بهذه العمارة”؟ – “السيدة التي دخلت عندها أولاً، ورثت العمارة”. أعود اليها مكسوة بالعجب تقول ببساطة : “خطية! كلهن ولايا” لا يزال في الناس خير. هذا الخير سيبني سوريا.

نعود إلى الشارع، نمشي ونمشي، حارات لا تزال رائحتها كما هي. الكثير من بيوتها يتحول إلى فنادق صغيرة من عدة غرف، تلتزم الطراز الدمشقي الرائع: الساحة والبحرة وحولهما الغرف. كله من الحجر الشامي المرصوف، والخشب المحفور بالعاج والستائر والمفارش البروكار، والحرير، والقماش الدمشقي الذي استوردته ملكة بريطانيا يوما لثوب زفافها. حالة من جمال واصالة لا توصف. ولكن لحظة!! انها ليست للعيش وانما للاستثمار السياحي في المرحلة المنتظرة القادمة. يقال أن عدداً من اللبنانيين شارك في بعضها مؤشراً لما بعد الحرب. الأسواق لا تزال كما هي ولكن بعض محالها ارتدى طابعاً سياحياً بحتاً. لبعض منظمات المجتمع المدني الغربية حضور هنا. حضور هذه المنظمات كثيف كثيف في دول اللجوء السوري، يركز على الشباب والاطفال،على التعليم والتدريب، يبني مهارات ويبني أفكاراً ومفاهيم. غداً سيعودون الى سورية محملين بها، والارجح مدعومين بتمويل اجنبي تعودوه في الخارج. ماذا ستفعل مؤسسات الدولة ازاء ذلك؟ او بالاحرى ماذا ستفعل مؤسسات المجتمع المدني الوطنية؟

المفاهيم لا تقاوم إلا بمفاهيم تسلك سبيل الاقناع والاحترام والمحبة.. وربما بقوانين تحظر التمويل الاجنبي. فهل ستكون ممكنة مع الوضع الاقتصادي الذي تركته الحرب؟

في المساء الثاني نمضي أنا ونادية خوست إلى الحميدية، ضجيجها، حميميتها،البوظة العربية، فالمسجد الأموي وكأس الكمون بالليمون في مقهى النوفرة. نادية التي تخوض منذ عقود حرب الحفاظ على كل معالم دمشق القديمة، لها مع كل منها قصة اعرفها ونستعيدها. كانت تحارب إزالة لوحة هنا ومبنى هناك، نستذكر معركتها الكبرى في سوق ساروجة في التسعينات.

المؤرخة والمقاول، هو يريد الهدم للاستثمار الحديث وهي تريد الحفاظ على الروح والهوية. يومها حسمت المعركة لصالحها. ماذا سيحصل فيما بعد الحرب؟ الحمد لله دمشق حافظت على كل معالمها ورموزها المكانية، ولكن ماذا عن المدن الشهيدة الأخرى

شبح بيروت القديمة التي حولوها الى سوليدير يرتسم مخيفاً. لا سنقاوم كل ذلك – تقول نادية. سيعيننا أن الدولة لم تسقط.

جاء الصباح وسيظل أمام شهرذاد ألف قصة وقصة…وكثير من الكلام المباح.

خلال الحرب الأهلية اللبنانية غنت فيروز في معرض دمشق الدولي : يا شام عاد الصيف مبتهجاً وعاد بي الجناح.. وأنا هنا جرح الهوى وهناك في وطني جراح

وعليك عيني يا دمشق.. فمنك ينبلج الصباح.

المصدر: الميادين – حياة الحويك عطية

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.