ورقة عمل مقدمة للقاء المصالحة وإعادة الثقة والتماسك الاجتماعي في سورية

الجمل ـ  نبيل صالح:برعاية وزارة الخارجية السويسرية انعقد في مدينة لوزان لقاء المصالحة وإعادة الثقة والتماسك الاجتماعي السوري منذ مساء الإثنين الماضي 13 تشرين 2 ويستمر حتى يوم غد الخميس 16 الشهر الجاري، وقد حضر اللقاء 17 ناشطا سوريا قدموا من شتى أنحاء العالم، وجرى اللقاء بمتابعة من السيدين رياض جرجورة وعمر عزيز الحلاج وحضور السيدة كلوديا مارتي رئيسة دائرة السلام في الخارجية السويسرية ومساعدوها، ودارت النقاشات حول: ـ تحديات المرحلة الراهنة ودور النخب الإجتماعية ـ الإطار الناظم للامركزية وضمانات التماسك الإجتماعي في ظل النزعات الإنفصالية ـ البناء التدريجي للحوار الوطني ـ كيف يمكن للدين أن يؤدي دورا جامعا في الحوار الوطني ـ مقاربات اقتصادية لتحقيق المصالحة ـ التماسك الإجتماعي وترميم النسيج المجتمعي مابعد الحرب : دور الإعلام والحوار الديني ـ المصالحات المحلية .. وقد تم تبني الجزء الخاص بالتربية والتعليم في ورقة العمل التي قدمتها ضمن التوصيات التي سيخرج بها اللقاء، وفيمايلي نصها:

يقول شاعرنا العبقري "سعيد عقل "أجمل التاريخ كان غدا".. وهو إعلان بأن تاريخ الأمس المشرقي لم يكن جميلا وبالتالي لابد أن يأتي تاريخنا الجميل غدا، فالتاريخ ليس منقطعا عند الأمس إلا في الكتب، وإنما هو ممتد في شيفرتنا الوراثية العابرة للزمن مثل نهر يتدفق بنا نحو مشتهانا فيما لو أعدنا تصحيح مجرى الحكايات وإعادة صياغة المقدمات التي أفضت بنا إلى كل هذا القهر والدماء ..ونعني بالمقدمات تلك الحكايات المفخخة بالكراهية المذهبية والدينية والعشائرية والقومية، حيث تتشرنق كل جماعة داخل حكايتها وهولوكستها مؤخرة استحقاق المواطنة الذي يفترضه النظام الجمهوري الذي لم نصل إلى تحقيق أولوياته منذ الاستقلال إلى اليوم..

لهذا كان سؤالي الملح قبل الحرب: كيف نفكك صواعق هذه الألغام التاريخية ؟ وقد رأيت أن العلاج يكون بالتنوير، فبدأت بإطلاق موقع "الجمل" الإلكتروني قبل 13 عاما مجانبا في رسالته خطاب السلطة والمعارضة وتجاذباتهما واصطفافاتهما، حيث أن فكرة الإصلاح تقتضي التعاون مع الجميع في صوابهم والابتعاد عن نزاعاتهم الأيديولوجية ..

كما رأيت أن جزءا من خلافات السوريين سببه قلة معرفتهم بأنفسهم أولا وبتاريخهم القريب الذي تجاوزه البعثيون والقوميون السوريون والإسلاميون وراحوا يتغنون بالماضي التليد للأمة العربية أو السورية أو الإسلامية، بينما تجاهل الشيوعيون الماضي البعيد والقريب مستلهمين أغاني الرفاق السوفييت.. لذلك بدأت مشروعي التنويري لتعريف السوريين بالآباء المؤسسين لتيارات الحداثة ومشاريعهم الوطنية في قراءة جديدة لسيرهم وتجاربهم وإنجازاتهم بالتعاون مع النخب الفكرية السورية، حيث بلغ عدد المشاركين في مشاريعي الفكرية أكثر من مئة كاتب وباحث سوري وفلسطيني ساهموا بإصدار موسوعات تعرف السوريين بصناع تاريخهم المعاصر، من سياسيين وعسكريين ومفكرين وفنانين واقتصاديين ورجال دين .. منذ بداية عصر النهضة حتى نهايات القرن العشرين، فأصدرت موسوعة "رواية اسمها سورية: مئة شخصية أسهمت بتشكيل وعي السوريين في القرن العشرين" في ثلاثة مجلدات، ثم تلاها الجزء الأول من كتاب "نساء سورية" الذي يتحدث عن تجارب الرائدات السوريات اللواتي شكلن الحراك النسوي في النصف الأول من القرن العشرين.. وبعده أنجزت مخطوط موسوعة الدراما التلفزيونية السورية في نصف قرن بالتعاون مع 52 ناقدا وباحثا في الدراما السورية، باعتبار أن التلفزيون بمثابة المدرسة الثانية للسوريين، وأن معرفة تاريخ الدراما السورية وسيرة أعلامها قد تساعد في إضاءة بنية العقل السوري والحكايات التي تشكل جزءا من معارفه.

وقد توقفت مشاريعي الثقافية الجماعية مع بداية عام 2011 حيث انشغلت بالكتابة عن الحرب السورية ومعرفة أسبابها القريبة والبعيدة، يشاركني قراء موقع (الجمل) النقاش بكل حرية، حيث كنا نضيئ الحدث من كل الجوانب، بمشاركة مختلف اتجاهات المجتمع السوري، ويمكن لمن يرغب مراجعتها على الموقع .. وقد أصدرت حتى الآن ثلاثة كتب مطبوعة عن الحرب السورية هي: سورية عام من الدم – المختصر المفيد في حرب الشعب السوري العنيد، وكتابي الأخير بالتعاون مع بسام حكيم "يوميات الحرب على سورية " والذي قدمت فيه رواية جديدة للحرب السورية مدعمة بالوثائق السرية التي تكشف عن حقائق الحرب السورية، ذلك أن غالبية السوريين يموتون بسبب قلة المعرفة، ويتوجب علينا أن تحررهم ونحصنهم بالمعرفة وليس بالسلاح.

بعد دخولي البرلمان السوري كنائب مستقل عام 2016 طورت مشروعي التنويري بالتعاون مع وزارتي التربية والثقافة لأنهما المعنيتان بإعادة صياغة المعرفة السورية الجديدة لمجتمع ما بعد الحرب، حيث أن استمرار المؤسسات الحكومية بإعادة إنتاج نفسها سوف يعيد إنتاج أسباب الحرب التي أشعلناها نحن وكنا وقودها، ورأيت أن مواجهة آيديولوجيا الإسلام السياسي وتجفيف منابع الإرهاب تبدأ من تطوير منهاج التربية الدينية في الكتب المدرسية، إذ أن الصراع مازال مستمرا منذ أيام الأمين والمأمون في العصر العباسي، بين فريقي النقل والعقل، فجماعة النقل اليوم يريدون إعادة انتاج الدولة الإسلامية على نهج السلف الميت، بينما يدعو جماعة العقل إلى نهج ثقافة المواطنة والدولة العلمانية، حيث المواطن هو الأكثرية وليس الطائفة أو القومية ..

وبناء على ما تقدم انطلقنا من الاعتراف بأن الدين هو ماء الشعب السوري الذي يسبح فيه، وهو ماء معكر يحتاج إلى الفلترة بالتنوير لتغدو الرؤية أكثر وضوحا وأمانا للكائنات التي تسبح فيه ألا تصطدم ببعضها.. وبدلا من تلقين طلابنا ثقافة مذهب واحد وإغفال مذاهب وأديان الأخرين، اقترحت تدريس تاريخ الأديان على الأرض السورية لتعريف السوريين بمراحل تطور معرفتهم الإلهية منذ بدء تكون مجموعاتهم الأولى على ضفاف الأنهار وبحثهم عن القدير، وصولا إلى الديانات الإبراهيمية التي توجت بالإسلام الحنيف، إذ  أن تجاهل الحديث عن الأديان والمذاهب الأخرى خلال نصف قرن لم يلغها من حياة الناس كما كان يأمل قادة حزب البعث في سورية والعراق، لذلك فإن التعريف بها قد يكون الحل الأمثل لإلغاء المفاهيم الشعبية الخاطئة عنها، إذ ستساعد هذه المعرفة على إلغاء الحساسيات المذهبية والدينية عندما يكتشف أتباعها تشابههم في الخطوط الأخلاقية والإيمانية العريضة، وأن اختلافهم في تفاصيل لا تستدعي الخلاف.. ونحن بذلك نقتدي بالقرآن الكريم الذي أورد في آياته قصصا ومعلومات تعرف بالأديان التي كانت سائدة قبل ظهور الإسلام، لكي يتقن المسلمون التعامل مع أتباعها من حولهم.. وقد وافق السيد رئيس الحكومة على اقتراحي هذا في مجلس الشعب، لأتابع حواري مع لجنة تطوير المناهج ووزير التربية ومستشاريه ، حيث كان هناك قبولا أوليا لفكرة أن هناك خطأ ما في المنهاج، عندما يحمل طفل قرأ منهاج التربية الدينية السلاح ضد المؤسسة التي علمته مجانا، وأن امامنا مهمة وطنية تتمثل في إعادة تصحيح مفاهيم طلابنا الدينية والروحية خلال 12 عاما يكون فيها المواطن بتصرف المؤسسة التربوية، وأن هذا الزمن أكثر من كافٍ لتأسيس ثقافة التسامح الديني لدى الطلاب السوريين قبل خروجهم إلى الحياة العامة، وذلك عبر تعميق ثقافة "الإسلام الشامي" المتسامح الذي تحدثت عنه في ثماني حلقات نشرتها على موقع الجمل في السنة الأولى للحرب السورية ولاقت الفكرة قبولا وتبنيا لها من قبل الشيخ الشهيد سعيد البوطي والشيخ المفتي أحمد حسون في حينه.

هذا وقد عززت فكرتي بالتعاون مع مركز أبحاث دمشق الذي قام باحثوه مشكورين بدراسة محتوى مناهج التربية الدينية الإسلامية والمسيحية من الصف الثالث الابتدائي حتى البكالوريا، وقد أنجزنا دراسة للمحتوى في  400 صفحة تبين نقاط الضعف والقوة في مناهج التربية الدينية باستخدام تقنيات تحليل المضمون لمعرفة محتوى المقررات وما تتضمنه من قضايا ومفاهيم ومعارف تؤثر في سلوك الطلاب وتتجلى في توجهاتهم  وتحدد بنسبة ما تفضيلاتهم وخياراتهم اللاحقة بغية فتح نقاش حول أهمية بناء منظومة قيمية ثقافية وأخلاقية ذات صبغة وطنية موحدة ترسخ قيم الإخاء والتسامح وقبول الآخر والحفاظ على ثقافة المجتمع ومصالح الوطن العليا وتحصن الأجيال ضد ظاهرة التطرف والعنف والإرهاب وأشكال التمييز السلبي، وذلك عبر تجديد الخطاب الديني بما يناسب عصرنا الذي نتحرك فيه، مع التركيز على القواسم المشتركة بين المذاهب والأديان لتعزيز ثقافة المواطنة .

وبما أن التنوع هو الأصل فإن إدارة التنوع تتطلب الاعتراف به وقبوله على قاعدة المواطنة المتساوية للجميع، ومن هذا الباب تبنيت فكرة تدريس تاريخ الأديان لتوسيع مساحة الرؤية أمام الأجيال السورية التي تأخذ معلوماتها عن أديان ومذاهب الآخرين من مصادر جاهلة بها أو مناوئة لها.  

وفي حال نجاح تجربة ترقية منهاج التربية الدينية، يمكننا أن ننتقل إلى ترقية بقية المواد الدرسية، باستخدام أسلوب الحكاية في المواد الإنسانية لاستقطاب واستيعاب الأعداد الكبيرة من الأولاد المتسربين من المدارس بفعل الحرب، حيث تشكل الحكاية معارف الشرقيين، بينما استخدام السرد المعلوماتي الحالي يثير ملل الطلاب الذين تربوا على الحكاية.. كما توافقنا في نقاشنا مع الحكومة على مسألة تغيير هندسة بناء المدارس والتي تشبه الإصلاحيات أكثر منها بيوتا للتعليم، واعتماد هندسة تشعر الطفل بالحرية والجمال وعدم الإحساس بالفصل عن بيته وحيه في عملية إعادة الإعمار.

إضافة إلى ما تقدم فقد طرحت فكرة مشروع إعادة إحياء الفولكلور الشعبي في الأقاليم السورية، من حيث أن الفنون الشعبية تجمع بين سائر مكونات المجتمع الدينية والإثنية والريفية والمدينية، وتساهم في ترميم النسيج الإجتماعي عاطفيا.. وقد تقدمت بدراسة أولية إلى وزارة الثقافة ووزارة الإدارة المحلية لإقامة المنتدى الشعبي، وهي تجربة تمول نفسها اقتصاديا، وسأتحدث عنها عندما نبدأ بتنفيذها على أرض الواقع في أقاليم: الساحل والغاب والبادية والجزيرة وعفرين وحوران وجبل العرب والقنيطرة والقلمون، لتعريف السوريين بثقافاتهم الشعبية المتوارثة من عهود غابرة، من قبل أن توجد الأديان والمذاهب الإبراهيمية..

وأختتم بالقول أن مجتمعات شرق المتوسط مازالت أسيرة حكاياتها القديمة التي تفرض عليها إعادة إنتاج مساوئ الماضي لمجتمع ماقبل الدولة الوطنية، وأن عمل النخب بالتعاون مع المؤسسات المعنية يكمن في تصحيح وإعادة صياغة الحكايات المنتجة للعصبيات التي أخرت وصولنا إلى دولة المواطنة، ولنا موعظة في أقوى مؤسسة أمريكية وأعني هوليود التي تعيد إنتاج حكايات الأمم وأساطيرها بما يخدم سياسة أمريكا وقوتها، آملين من الدولة السويسرية دعم التعليم والثقافة في بلادنا لكي نستغني عن تسول المعونات الغذائية التي ترسلها الأمم المتحدة..

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.