بوتين في حميميم: إعلان نصر من سوريا

 

أراد الرئيس الروسي تكريس جهود بلاده في مكافحة الإرهاب وحرصها على دفع العملية السياسية، عبر إعلانه أمس، من قاعدة حميميم، بدء سحب قوات بلاده بشكل جزئي من سوريا، في وقت ناقش فيه الملف السوري في القاهرة وأنقرة

زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية، والتقى الرئيس بشار الأسد، في زيارة سريعة مثّلت محطة ضمن جولة أوسع ضمّت القاهرة وأنقرة. وأتت هذه الزيارة، التي يظهر من النص الرسمي المنشور لكلام بوتين خلالها أنها كانت مطروحة مسبقاً، بعد وقت قصير على إعلان موسكو الانتصار على «داعش» في سوريا.

ومن حميميم، أمر بوتين بسحبٍ جزئي لقوات بلاده المنتشرة في سوريا «نحو قواعدها الدائمة»، ليتركز وجودها هناك إلى جانب بعض النقاط التي تؤدي فيها مهمات محددة، وبينها مراقبة مناطق «تخفيف التصعيد». وبعد ساعات على كلام بوتين، أكدت وزارة الدفاع الروسية أنها بدأت بالفعل بتنفيذ الأمر.

ومن الضروري قراءة التحرك الروسي ضمن سياق الجهود المبذولة لإطلاق مسار «التسوية السياسية» في سوريا، وهو ما حضر بوضوح في كلام بوتين أمس. كذلك، فإن إعلان النصر على «داعش» وعودة جزء من القوات الروسية، سيصبّان ــ داخل روسيا ــ في مصلحة الرئيس المرشح لولاية ثانية. ومع الانتقاد الواسع الذي توجهه موسكو للحضور العسكري الأميركي «غير الشرعي» على الأراضي السورية، فإن قرارها الأخير سيشكّل ورقة إضافية قابلة للصرف في التفاوض مع «الشركاء» الأميركيين. ومن غير المرجّح أن يؤثر «سحب القوات» على قوة الوجود الروسي في سوريا، إذ ستبقى قاعدتا حميميم وطرطوس مركزاً مهماً للعمليات، في حين ستحافظ بعض قوات الشرطة العسكرية وأفراد «مركز المصالحة» والمستشارون العسكريون على وجودهم في مختلف المناطق السورية، وفق مقتضيات مهماتهم. وسيكون لطبيعة تطورات اتفاقات «تخفيف التصعيد» ومدى التقدم في محادثات جنيف وأستانا و«مؤتمر سوتشي»، دور حاسم في تحديد حجم هذا الوجود ونوعه.

وأثنى بوتين، من القاعدة الجوية، على نتائج عمليات مكافحة الإرهاب في سوريا، مجدداً استعداده للعمل مع تركيا وإيران لـ«استعادة الحياة السلمية وإرساء عملية سياسية... والتحضير لمؤتمر الحوار الوطني السوري، الذي ناقشناه في سوتشي، وإطلاق عملية التسوية السلمية». وشكر بوتين جنود قواته لدورهم في «حماية بلادهم» خلال مشاركتهم في العمليات في سوريا، و«مساعدة شعب سوريا على الحفاظ على دولته، وهزيمة الإرهابيين». وأضاف أنه «تم الحفاظ على سوريا كدولة مستقلة ذات سيادة، كما بدأ  اللاجئون يعودون إلى ديارهم، وتم خلق ظروف مواتية للوصول إلى تسوية سياسية في إطار الأمم المتحدة»، موضحاً أن «المركز الروسي للمصالحة سيتابع عمله وفقاً للاتفاقات الدولية، كما القاعدتان في طرطوس وحميميم... وإذا عاد الإرهابيون إلى النشاط مرة أخرى، فسننفذ ضربات ضدهم لم يسبق لها مثيل». من جانبه، أعرب الأسد عن امتنانه «باسم الشعب السوري... للدور الذي قامت به القوات المسلحة الروسية». وقال إن «الأجيال القادمة التي ستقرأ عن هذه الحرب لن تفرّق بين شهيد سوري وشهيد روسي... وزيارتكم هي فرصة للتباحث في المرحلة الثانية من مكافحة الإرهاب، وفي نفس الوقت العملية السياسية في سوريا».

التلميح السوري إلى «المرحلة الثانية من مكافحة الإرهاب» يصب في خانة اتفاقات أستانا، التي تحدثت بوضوح عن الحرب ضد «جبهة النصرة». وهو ما تنفّذه دمشق بدعم روسي في أرياف حماة وحلب الآن. وأوحى الكرملن قبل وصول بوتين إلى أنقرة، بأن الأخير سيطلع نظيره التركي رجب طيب أردوغان على تفاصيل الزيارة إلى سوريا، والتي أوعز خلالها ببدء سحب القوات الروسية. وبعد لقاء دام نحو ساعة في أنقرة، خرج الرئيسان في مؤتمر صحافي، تحدث فيه بوتين عن نقاشهما لجولة محادثات أستانا المقبلة ومؤتمر «الحوار الوطني»، إلى جانب العمل على خط «التسوية السورية» التي تتضمن تعديل الدستور وإجراء انتخابات بإشراف الأمم المتحدة. بدوره أردوغان، قال إنه سيزور سوتشي مجدداً، لنقاش الملف السوري هناك.

وكان بوتين قد وصل أنقرة قادماً من القاهرة، حيث التقى نظيره عبد الفتاح السيسي الذي أكد، في مؤتمر صحافي، أن وجهة نظر بلاده «متوافقة» مع الجانب الروسي في الملف السوري، بما في ذلك ضرورة الحفاظ على مناطق «تخفيف التصعيد» وتهيئة ظروف «المفاوضات السياسية الأممية... للتوصل إلى حل سياسي شامل يحقق طموحات الشعب ويحافظ على وحدة سوريا وتماسك مؤسساتها».

وفي ردّ فعل سريع على الإعلان الروسي ببدء سحب القوات، شكّكت وزارة الدفاع الأميركية في نيّات موسكو. وقال المتحدث باسم الوزارة ادريان رانكين ــ غالواي إن «تصريحات روسيا حول سحب قواتها لا تعني عادة تقليصاً فعلياً لعديد عسكرييها، ولا تؤثر على أولويات الولايات المتحدة في سوريا». ونقلت وكالة «فرانس برس» عن مسؤول أميركي، طلب عدم كشف هويته، قوله إن واشنطن تعتقد أن روسيا ستجري «انسحاباً رمزياً» يشمل بعض الطائرات، مضيفاً أنها قد تطلب لاحقاً أن تنسحب القوات الأميركية بالكامل من سوريا.

وبدا لافتاً في ضوء هذه التطورات احتفاء «قوات سوريا الديموقراطية» بلقاء مع عدد من ضباط الجيش العراقي على الحدود السورية ــ العراقية شمال نهر الفرات، وحديثها عن «مركز مشترك» للتنسيق بين الطرفين، ما استدعى نفياً عراقياً رسمياً من قيادة العمليات المشتركة، لفكرة المركز المشترك. وكان مدير المركز الإعلامي في «قسد»، مصطفي بالي، قد قال إن «الاجتماع التشاوري الذي جاء باقتراح من الجانب العراقي، ناقش أفضل السبل للتصدي لتسلل الفصائل الإرهابية عبر الحدود»، مشيراً إلى التفاهم حول «آلية تبادل معلومات وتنسيق مشترك لمراقبة أمن الحدود». وذهب بالي إلى حدّ اعتبار اللقاء «اعترافاً ضمنياً من إحدى أهم دول الجوار بشرعية قسد، كقوة عسكرية حرّرت شمال سوريا من الإرهاب». وفي المقابل، قال المتحدث باسم قيادة العمليات العراقية، العميد يحيى رسول، إنه «لا يوجد بالمطلق أيّ اتفاق مع قسد لإنشاء مركز للتنسيق المشترك... ولم يتعدَّ الأمر لقاءً لبحث ملف تأمين الحدود».

المصدر: الأخبار

 

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.