سوريا: ضبابٌ يسبق حسم الخيارات

تتسم الظروف المحيطة بالقرار الأميركي - الغربي، بشأن توجيه «ضربة» إلى سوريا، بالغموض والضبابية، خصوصاً أن واشنطن خفضت حدّة التصعيد الذي بلغ ذروته أمس مع تغريدات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مبشّراً كل من يعنيه الأمر، وفي مقدّمهم روسيا، بأنّ صواريخه «قادمة إلى سوريا». يؤكّد هذا الاتجاه، ما صرّح به وزير الدفاع الأميركي، جايمس ماتيس، أمام الكونغرس قبل قليل، مع إبقاء «جميع الخيارات على الطاولة». في مقابل ذلك، تمكّن الروس من السيطرة على مواقفهم وضبطها «دبلوماسياً».


أبرز ما قاله وزير الدفاع الأميركي أمام الكونغرس:


 1- الإدارة الماضية والحالية في واشنطن ملتزمة هزيمة تنظيم «داعش»، وعدم الانخراط في الحرب الأهلية السورية

2-  ملتزمون إنهاء «النزاع» عبر عملية جنيف، برغم أنها تعطّلت من قبل روسيا مرّات عدّة

 3- الهدف المرحلي هو تخفيف المعاناة الإنسانية

 4- الهدف الاستراتيجي هو كيفية منع التصعيد غير المضبوط 

5 - كما فعلنا خلال الضربة الماضية (مطار الشعيرات)، سنبلغ الكونغرس قبل أي تحرّك 

6- سنترك جميع القنوات مفتوحة للتواصل مع الكونغرس، وسيُقدَّم تقرير كامل بأسرع وقت ممكن حينها

 7- أعتقد أن هنالك هجوماً كيميائياً قد وقع، ونحن نبحث عن أدلة ملموسة

8-  لا أريد نقاش طبيعة المحادثات الحالية حول مشاركة الحلفاء في أي تحرك عسكري 

9- قد يدخل وفد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (إلى دوما) في غضون الأسبوع المقبل، لكنه يستطيع تحديد إذا ما جرى استخدام الأسلحة الكيميائية من عدمه، ولكن من دون إمكانية تحديد هوية المنفّذ.

من جهته، قال رئيس مجلس النواب الأميركي بول رايان، إنَّ الولايات المتّحدة عليها التزامٌ بقيادة الردّ العالمي على ما يشتبه في أنه هجوم كيمائي في سوريا، وإن الرئيس دونالد ترامب لديه تفويض باستخدام القوة العسكرية. وأضاف رايان للصحفيين، أن «الرئيس السوري بشار الأسد وداعميه طهران وموسكو ارتكبوا أعمالاً وحشية جماعية أخرى... أعتقد أن الولايات المتحدة عليها التزام لقيادة الرد العالمي لمحاسبة المسسؤولين عن ذلك». كما أكّد أنَّ «من غير الضروري أن يمنح الكونجرس الأميركي ترامب تفويضاً جديداً باستخدام القوة العسكرية لأن هناك تفويضاً قائماً يمنحه السلطة التي يحتاج إليها لفعل ما قد يفعله أو لا يفعله».


ترامب: الضربة (ليست) قريبة

في غضون ذلك، وفي ظلّ التصعيد الكلامي، قال الكرملين إنّ خط الاتصال مع الولايات المتحدة، الذي يهدف إلى تجنّب الاشتباك غير المقصود، مستخدم من الجانبين، ونشط «من كلا الطرفين»، في إطار «تفادي أي خطوات من شأنها مفاقمة التوتر». جاء ذلك على لسان المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، الذي أكّد أن بلاده تراقب عن كثب تصريحات واشنطن في هذا الشأن. كذلك، أشار بيسكوف إلى أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يعتزم إجراء اتصالات هاتفية دولية، اليوم، «ليس بينها محادثة مع (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب».

الرد الأميركي جاء سريعاً، إذ أعلن ترامب، في تغريدة عبر «تويتر» أنّ الضربة العسكرية المحتملة ضدّ سوريا «قد تكون قريبة جداً، وقد لا تكون كذلك»، على اعتبار أنه لم يقل «قط متى سيحدث الهجوم». 

الموقف الروسي

في مقابل كل ذلك، دعت موسكو، اليوم، الدول الغربية إلى «التفكير جدياً» في عواقب تهديداتها بضرب سوريا. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، خلال مؤتمر صحافي: «ندعو أعضاء الأسرة الدولية إلى التفكير جدياً في العواقب المحتملة لمثل هذه الاتهامات والتهديدات والتحركات المزمعة» ضدّ الحكومة السورية. وأضافت: «لم يفوض أحد إلى القادة الغربيين لعب دور الشرطة العالمية، وكذلك الوقت نفسه دور المحقق وممثل النيابة والقاضي والجلاد». وأكّدت موقف موسكو، بالقول: «موقفنا واضح ومحدد جداً. نحن لا نسعى إلى التصعيد». 


هنا أبرز مواقف زاخاروفا:


 **الهجوم الإسرائيلي على مطار الـ«تي فور» ترافق مع نشاط إرهابيي داعش في هذه المنطقة

 **معظم المعلومات عن الهجوم الكيميائي المزعوم وردت من جماعة الخوذ البيضاء

 **الغرب لم يصغ إلى معطيات العسكريين الروس الذين لم يعثروا على أي أثر للكيميائي في دوما

 **المشاهد التي تحدثت عن استخدام الكيميائي في الغوطة ملفقة بنحو واضح 

**ترامب ينتقد الأخبار الملفقة في بلاده ويصدقها في سوريا


تغيير «شكلي» في الموقف الأوروبي

في السياق، فإنّ تغييراً لوحظ في الخطاب الأوروبي، تزَامَن مع التغيير في الخطاب الأميركي. الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أعلن أن لدى بلاده «الدليل على أن الأسلحة الكيميائية استُخدمت، على الأقل غاز الكلور، وأن نظام (الرئيس السوري) بشار الأسد هو الذي استخدمها»، لكنه أكّد في الوقت نفسه، أن الردّ سيكون في «الوقت الذي نختاره». إلى جانب الموقف الفرنسي، جاء الموقف الألماني أكثر وضوحاً، إذ أكّدت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بعد لقائها مع رئيس الوزراء الدانمركي لارس لوك راسموسن، في برلين، أن «ألمانيا لن تشارك في أيّ تحرك عسكري، (لكننا) ندعم كل ما يجري القيام به لتأكيد أن استخدام الأسلحة الكيميائية غير مقبول». ضمن هذا الإطار، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإيطالي، أنَّ إيطاليا لن تشارك في أيّ عمل عسكري ضدّ سوريا «لكنها ستقدّم الدعم اللوجيستي للحلفاء».

تركيا: خوف يدفع نحو الوساطة

التعاطي التركي مع التطورات بدا لافتاً، إذ ظهرت أنقرة كمن يلعب دور الوسيط - الخائف وغير المجدي - بين الولايات المتحدة وروسيا. أمس، تحادث أردوغان هاتفياً مع ترامب بعدما هدّد الأخير بتوجيه ضربة وشيكة إلى سوريا. اليوم، أعرب الرئيس التركي في كلمة له في أنقرة، عن أن تركيا «قلقة للغاية لرؤية بعض الدول الواثقة من قوتها العسكرية تحول سوريا إلى ميدان للمنازلة». وخلال خطابه، أكد أنه «سيبحث مع نظيره الروسي (فلاديمير بوتين) سبل وضع حد لهذه المجازر الكيميائية». ودون أن يسمي أياً من البلدين، هاجم أردوغان روسيا التي تدعم القوات السورية، والولايات المتحدة التي تدعم القوات الكردية، قائلاً: «أولئك الذين يدعمون نظام القاتل الأسد يرتكبون خطأ، وأولئك الذين يدعمون وحدات حماية الشعب الكردية الإرهابية يرتكبون أيضاً خطأ. سنحارب هذه الأخطاء حتى النهاية».


وبحسب مصدر في الرئاسة التركية، فقد تحادث أردوغان هاتفياً مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. وأضاف المصدر أنّ الزعيمين «تبادلا وجهات نظرهما حول التطورات الأخيرة»، موضحاً أنهما «اتّفقا على البقاء على اتصال وثيق»، دون مزيد من التفاصيل. وأعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، حامي أقصوي، خلال مؤتمر صحافي، اليوم، أن «هناك شكوكاً قوية تفيد بأنّ النظام وراء هذا الهجوم»، وأضاف: «الهجمات الكيميائية تشكّل جريمة ضد الإنسانية، وهذه الجرائم لا يمكن أن تبقى دون عقاب... إذا بقيت دون عقاب ستتكرر».

 


الأخبار

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.