هل كان جلاء حقا ؟

تخلص آباء الإستقلال من جيش المستعمر ولكنهم أبقوا على مكتسبات الثورة الفرنسية التي كان الإنتداب يتجمل بها: ففرنسا هي من رسمت خريطة سورية ، وأقامت النظام الجمهوري، وهي من أسس الجيش، والدستور الذي وضعه سعيد الغزي مهتديا بالدستور الفرنسي.. المواطنة، التمثيل البرلماني لكافة شرائح المجتمع، الكهرباء، مياه الشرب، هندسة العمارة الحديثة، علمنة المناهج المدرسية، الفن التشكيلي، الكباريهات، الكرخانات المرخصة، العملة الورقية، المشافي الحديثة، الصرف الصحي، الرقص المختلط، الخمارات، الأزياء، تحرر المرأة، والفرانكفونية، لكنها لم تقدم لسورية ماقدمته لمصر من قبل : كتاب "وصف مصر" الذي شارك في وضعه 160 عالما وباحثا فرنسيا حتى أن مؤرخي النهضة اعتبروا أن عصر النهضة بدأ بدخول المطبعة إلى مصر مع حملة نابليون..
إذا فقد أخذ آباؤنا بعقل الفرنسي ورفضوا تسلطه العسكري، الأمر الذي يؤكد أن آباء الإستقلال رفعوا من قيمة العقل والحرية، وكان المثقفون في طليعة بناة الوطن: المعلمون وطلاب الجامعات والأحزاب والضباط الذين غلبوا الجميع بعدما تحزبوا وباتوا يتحكمون في مفاصل الحياة المدنية، فرهنوا حياة السوريين لأجل تحرير فلسطين، ولم يتمكنوا من ذلك بعد، ليس لضعف في همتهم ووطنيتهم وإنما لأن القوى الإستعمارية التي رسمت خريطتنا لم تسمح لنا بتجاوز التقليد والإتباع إلى التحرر والإبداع ، وهي في عدوانها علينا اليوم، بالتحالف مع قوى الرجعية السورية والعربية، تؤكد على أن خوفها من أن نلحق بهم ونتحرر من سيطرتهم مازال قائما ..
وإذاً فإن الجلاء لم يستكمل بعد قبلما نستكمل استقلالنا الثقافي والإقتصادي والسياسي، فهل نفعل ونكمل مابدأه الآباء ..

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.