الهندوسية: ديانة ملايين الآلهة والحقيقة الواحدة

29-04-2018

الهندوسية: ديانة ملايين الآلهة والحقيقة الواحدة

على عكس أكثر الأديان المعاصرة، لا يعرف للهندوسية مؤسس ولا بداية. لكن عمر هذه الديانة المديد، الذي يتعدى خمسةمعبد هندوسي آلاف عام تقريبًا، يجعل هذا الغموض متفهمًا. وعلى مدار هذه القرون، تبدلت كثير من خصائص الهندوسية، ونشأت طوائف جديدة أخذت طقوسها ومعتقداتها في التحور كل في وجهة مختلفة، تفاعلاً واستيعابًا واشتباكًا مع المعتقدات والآلهة والفلسفات التي نبتت داخل الحدود أو وفدت مع موجات الهجرة والغزو.
في الواقع، بلغت الهندوسية درجة غير مسبوقة من التعقيد والثراء والإلغاز، تغري عن جدارة بالدراسة والاطلاع، علاوة على عدد معتنقيها الذي يربو على المليار نسمة، ويضعها في المرتبة الثالثة بقائمة أكثر الديانات أتباعًا حول العالم.

تاريخ الهندوسية

يرجع أكثر الباحثين جذور الهندوسية إلى ديانات ومعتقدات سادت خلال حضارة وادي السند، وهي حضارة قديمة ازدهرت في شمال الهند وباكستان حاليًا، في الفترة ما بين 2500 و1700 قبل الميلاد تقريبًا. بعدها، دونت نصوص الفيدا – النصوص الهندوسية الأقدس – وتشكلت أهم ملامح الديانة، ما بين 1500 و500 قبل الميلاد، فيما يعرف باسم الحقبة الفيدية. وخلال الألف عام التالية؛ أي ما بين 500 قبل الميلاد و500 ميلاديًا، تأثرت الهندوسية نوعًا ما بالبوذية والجاينية، الديانتين الهنديتين الناشئتين، ودونت سائر النصوص الدينية الرئيسية، كما انتشرت عبادة الآلهة «فيشنو» و«شيفا» و«ديفي».

الخلاف حول الحقبة الفيدية

جدير بالذكر أن تفاصيل الحقبة الفيدية قد أثارت جدلاً متناميًا خلال العقود الأخيرة. ففي منتصف القرن التاسع عشر، وضع المستشرق واللغوي البريطاني «ماكس مولر» نظرية الغزو الآري، التي اعتبرت حتى منتصف القرن الماضي من المسلمات. ترجع هذه النظرية الفضل في كتابة نصوص الفيدا وتطور الديانة إلى جماعة من الجنس الآري غزت وادي السند في عام 1500 قبل الميلاد تقريبًا. كما زعمت النظرية تفرع السنسكريتية القديمة (اللغة الهندوسية المقدسة) واللغات الأوروبية عن لغة أم واحدة.

لكن تنامي الروح النقدية بين الباحثين الشرقيين، وكذا الاكتشافات الأثرية في منطقة السند، قد نبهت الأكاديميين إلى تداعي هذه النظرية وافتقارها إلى أدنى درجات الإحكام؛ لينكشف بوضوح الدافع الإمبريالي الاستعلائي الذي استنكر إفراز الهند ديانة بهذا التعقيد والثراء والتسامح، إلى جانب توظيف صلة القرابة المختلقة هذه لتحسين صورة المحتل الإنجليزي في الهند.

المفاهيم المركزية

«براهمان» في المصادر المبكرة، ذكر براهمان بمعنى «صلاة»، ومنه جاءت تسمية المنشدين ومقدمي القرابين في طائفة الكهان بالـ«برهمن» (البراهمة). لكن المصطلح اكتسب في نصوص الفيدا أهمية غير مسبوقة، وبرزت علاقته بالفعل السنسكريتي «بريه» بمعنى النمو والتضخم. ثم انتقل مع نصوص الأوبانيشاد ليصبح أقرب إلى «الكل» أو «الحقيقة المطلقة». تضعه بعض مدارس الفيدانتا المؤلهة كمعادل للإله أو الإلهة، بينما تعتبره المدارس غير المؤلهة العنصر الكامن خلف الوجود بأكمله.

«أتمان» تعني الذات أو النفس، وتستخدم للإشارة إلى الذات الفردية (جيفاتمان)، وإلى الذات المتعالية أو المطلقة (بارامتمان). وتهتم نصوص الأوبانشاد ومدارس الفيدانتا بالرياضة الروحية التي تتوحد بها الذات الفردية بالذات المتعالية. وترى بعض المدارس أن الأتمان ليست سوى البراهمان نفسه، فلا موجود إلا هو، بينما يؤمن البعض الآخر بوجود مستقل لكل منهما.

«التناسخ» هو خروج الروح من جسد الكائن المتوفى، وانتقالها إلى جسد كائن جديد، يحتمل كونه بشرًا أو حيوانًا، بل ونبات أو جماد وفق بعض الإشارات، في دورة مستمرة (سامسارا). وقد ظهر هذا المفهوم في فترة متأخرة من الحقبة الفيدية، ليحتل مركز الاهتمام في نصوص الأوبانيشاد، ويصبح الخلاص منه هو الهدف الأسمى. توجد أدلة على أن بعض الفرق العتيقة كانت تؤمن بعدد محدد من الدورات، تتحرر بعدها النفس تلقائيًا، كما آمنت أخرى بأبدية هذه الدورة دون تصور لإمكانية الفكاك. أما الطوائف التالية، سواء هندوسية أو بوذية أو جاينية، فقد ربطت بين التناسخ وأفعال المرء (كارما) في حياته السابقة، لكنها اختلفت معًا حول طبيعة هذه الدورة والسبيل إلى إيقافها.


«موكشا» هي الانعتاق، الفكاك من دورة التناسخ الأبدية، وهي الهدف الروحاني الأسمى (يقابلها مصطلح نيرفانا في البوذية). تؤمن بعض الفرق أنها نوع من الاتحاد بالمطلق (براهمانا)، بينما تؤمن أخرى بأنها منزلة قرب الإله. وهناك أكثر من طريق يفضي إليها، منها ما يمكن سلوكه منفردًا وما يحتاج إلى مرشد حكيم (جورو). ومن الأمثلة على هذه الطرق التنسك ورياضة النفس القاسية، والتأمل والصفاء الذهني، والزهد في ملذات الدنيا، وتلقي العون من إله.
الألوهية

حددت بعض النصوص القديمة عدد آلهة الهندوسية بـ330 مليون إله. لكنها – لحسن الحظ – لم تذكر أسماءهم جميعًا. لكن استخدام هذا الرقم كان في الأغلب كناية عن كثرتهم الهائلة، ولم يقصد به التحديد. إلى جانب هذا، يقابل مصطلح الإله المستخدم في الديانات السماوية عدة مصطلحات مختلفة في الهندوسية. مثل مصطلح «ديفا»، الذي يستخدم لوصف مدى واسع من الأشياء والكائنات ذات القوة أو التأثير الاستثنائي. كما تنتشر في القرى عبادة الآلهة المحلية – وأكثرها من الأسلاف العظام – إلى جانب عبادة الآلهة الفيدية. كذلك يحدد الحكماء للهندوسي المتدين إلهًا للعبادة ونصوصًا للترنيم، تتفق مع مستواه الروحاني ووضعه الاجتماعي والمادي. وتحوي الهندوسية عددًا كبيرًا من الإلهات التي تحظى بشعبية هائلة، تنافس بها أمثالها من الذكور. لكن غالبًا ما ينظر إلى جميع هذه الآلهة على أنها تجسدات مختلفة للحقيقة المطلقة المتعالية على الجنس: براهمان.

«تريمورتي»: ثالوث الهندوس

يمثل الثالوث الهندوسي، المكون من الإله براهما، والإله فيشنو، والإله شيفا، في الوعي الهندي عامة، وظائف الخلق الأساسية الثلاث. حيث يعنى براهما (إله تندر عبادته خارج الثالوث، وليس براهمانا الوجود المطلق) بفعل الخلق ذاته، ويعنى فيشنو بمهمة الحفظ وتحقيق التوازن، بينما شيفا هو الإله المدمر. إلى جانب وظائف أخرى تختلف من إله إلى آخر. ويرمز أحيانًا إلى هذا الثالوث بتمثال يمتلك فيه الإله شيفا وجوه ثلاثة.


النصوص الدينية

تنقسم النصوص الهندوسية المقدسة إلى نوعين:

1- الـ«شروتي» (المسموع أو الموحى به): هي الحقائق التي أوحى بها الإله إلى الحكماء الأوائل، تتمثل في نصوص الـ«فيدا» (المعرفة) وملحقاتها.

الفيدا أربع مجموعات – «ساما فيدا»، و«ريج فيدا»، و«رفا فيدا»، و«ياجور فيدا» – من الترانيم والتعاويذ المستخدمة في الطقوس الدينية. وبمرور الوقت ألحقت بها نصوص الـ«أرانياكا» التي تحوي تفاصيل ذات طابع باطني وسري عن هذه الطقوس. ثم نصوص الـ«براهمانا»، التي تبين سياقات ومعاني الطقوس، وتضم نصوص الـ«أوبانيشاد» (الجلوس على مقربة) الفلسفية التي عهد بها الحكماء الأوائل إلى تلاميذهم المقربين.

2- الـ«سمريتي» (المتذكر): هي النصوص الدينية المدونة بعد الحقبة الفيدية، وضعها الحكماء من غير وحي، وحفظت في الأغلب عن طريق التلقين لا الكتابة.

تتكون السمريتي من ثلاث مجموعات من النصوص. أولها الملاحم، وهي قصائد طويلة تروي قصص محاربين عظماء، مثل «راما»، التجسيد البشري السابع للإله فيشنو. وثانيها الـ«سوترا»، التي تتناول موضوعات مهمة، مثل الـ«دارما» والـ«يوجا» والشريعة الهندوسية، وأخيرًا الـ«بورانا»، التي تحكي أغلبها قصص الآلهة والإلهات.

إلا أن الفرق الهندوسية تختلف أحيانًا حول تصنيف بعض النصوص الدينية، ما بين شروتي وسمريتي.

الفرق الهندوسية والهرطقية

تفرق الهندوسية بين نوعين من المذاهب أو النظم الفلسفية السائدة في الهند، ما بين أستيكا (الفلسفات القويمة المؤمنة بنصوص الفيدا) وناستيكا (الفلسفات الهرطقية الرافضة للفيدا).

يطلق على المذاهب الهندوسية القويمة؛ أي تلك المندرجة تحت لواء أستيكا، الـ«دارشانا»، وتعني وجهة النظر أو الرؤية، وهي نظم فلسفية ستة، تهتم كل منها بنص سوترا مقدس وتقدم تأويلاتها وشروحاتها انطلاقًا منه.

1- «سامخيا»: نظام فلسفي ثنائي، يفرق بين العالم المادي الملموس وعالم الأرواح، يؤمن بأزلية وأبدية كل منهما، لكنه يهدف إلى إنقاذ الأرواح من سجن المادة وعالمها. كما أنه نظام إلحادي، يكاد يخلو من أي ذكر للآلهة.

2- «يوجا»: ورث هذا النظام كثيرًا من مفاهيم سامخيا، خاصة وقد فقد الأخير شعبيته بمرور الوقت. ويولي يوجا اهتمامًا أكبر للانضباط الروحاني وضروريته للفكاك من العالم المادي.

3- «ميمامسا»: مدرسة مبكرة، تقدم تأويلاً لنصوص الفيدا، بهدف إيضاح حقائق الـ«دارما»، وهي السلوك القويم المكون من قواعد وطقوس تحفظ انسجام العالم وتساعد في تحقيق الأهداف الشخصية.

4- «فيدانتا»: نظام تأويلي كان له عظيم الأثر على الفكر الهندي عامة، يبين الغاية من نصوص الفيدا، والأوبانيشاد تحديدا («أنتا» هي الاستنتاج أو الخلاصة). تنقسم إلى عدة مدارس، تتفق جميعًا حول التناسخ وتأثير أفعال المرء في حياته على نوع وجودة الحياة التالية.

5- «نيايا»: نظام فلسفي يهدف أيضا إلى إنهاء المعاناة الإنسانية المتمثلة في دورة الميلاد والموت المستمرة. ولما كان الجهل بحقائق الوجود هو سبب الارتباط بالعالم المادي، يولي النيايا اهتمامًا كبيرًا ببيان الوسائل الصحيحة لتحقيق المعرفة.
6- «فايشيشيكا»: كانت فلسفة مستقلة في بدايتها، بنظرية معرفة ونظام أخلاقي ومنطق وميتافيزيقا مستقلة. لكنها تأثرت بالهندوسية، خاصة فلسفة النيايا، وازدادت بمرور الوقت شبهًا بها. وتهتم هي الأخرى بالخلاص عن طريق المعرفة الصحيحة. وتتميز بالتدقيق في الطبيعة الذرية لعناصر الكون الخمسة: الفضاء، والهواء، والنار، والماء، والأرض. وتؤمن بتأثير تفاعل هذه الذرات على جميع الموجودات.

أما عن مذاهب ناستيكا الهرطقية، فهي ثلاثة: أولها الـ«شارفاكا»، وهي فلسفة مادية وشكوكية هندية قديمة. وثانيها البوذية، التي أسسها «سيدهارتا جوتاما» في القرن السادس قبل الميلاد. وثالثها الـ«جاينية» مجهولة الجذور، التي يعتقد تأثرها بحضارة وادي السند.

الطبقات الاجتماعية/الدينية في الهندوسية

تتبنى الهندوسية نظامًا اجتماعيًا يقسم البشر طبقات أربع، على أساس الميلاد. والمستند الديني لهذا التقسيم هو أحد نصوص ريج فيدا، حيث ضحّى «بوروشا»، الإنسان الكوني (مفهوم غامض ظهر في عدد من أساطير الخلق القديمة)، بنفسه لخلق الحياة أو الوجود ذاته. وصار فم بوروشا طائفة البراهمة أو الكهان، وصارت ذراعاه طائفة الملوك والمحاربين، وصارت فخذاه طائفة التجار والزراع، وصارت قدماه طائفة المنبوذين، وفي كل عضو منهم كناية عن دوره ودرجته.

لكن الاختلاف الأكبر يظهر بين الطوائف الثلاثة الأول وطائفة المنبوذين/الخدم المدنسة. فلا يسمح لهم حتى بسماع تلاوة الفيدا، كما يدنس لمسهم الطوائف الأعلى، ولا يسمح لهم بدخول المدينة، بل يعيشون خارجها على الحدود وإن كانت النساء، حتى المنتميات إلى الطوائف الأعلى، تحتل مكانة أقل من الذكور.

 

إضاءات

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...