أميركا دمّرت الرقة.. فمن سيعيد بناءها ؟

كتبت الكاتبة الأميركية مولي كراببل مقالة في صحيفة الغارديان البريطانية عن تدمير التحالف الأميركي لمدينة الرقة وقتلهم نحو ألفي مدني خلال حملتهم لإخراج تنظيم “داعش” من الرقة. والآتي نص المقالة:

في وقت سابق من هذا الشهر، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً يثبت أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة قد ارتكب جرائم حرب في حملتهم الأخيرة للإطاحة بتنظيم داعش من عاصمته في الرقة. تقرير العفو مروع. تسعة وثلاثون عضواً من أسرة واحدة قتلوا.

أب يستمع إلى نداءات أبنائه، مدفونين تحت الأنقاض، حيث ماتوا ببطء من العطش. مدينة دمرت. مئات، وربما الآلاف من المدنيين القتلى، وليس 21 كما ادعى الجيش الاميركي ذلك.

مما لا يثير الدهشة ، أن الأمر بالكاد نال صورة واضحة في وسائل الإعلام الأميركية. ذات مرة، كان داعش يطارد الكوابيس الأميركية. طالب الأميركيون بـ”قصف داعش”. الآن ، انتقلت أميركا، مع القليل من الاهتمام بالآثار التي خلفها ذلك القصف.

قضيت السنوات الثلاث الأخيرة في تأليف كتاب مع مروان هشام، وهو صحافي من الرقة، والذي خاطر بحياته في التغطية السرية أثناء احتلال “داعش” لمدينته. في أيلول – سبتمبر 2014، غرد مروان على تويتر خبراً بأن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بدأ غاراته الجوية – قبل 20 دقيقة من إعلان وزارة الدفاع الأميركية عن حملتها. حتى يناير / كانون الثاني 2016، عندما فر أخيراً من المدينة

بعد بضعة أيام فقط من الضربة الأولى، زعمت قوات التحالف وقوع أول إصابة مدنية في الرقة، وهو حارس أمن شاب اسمه إسماعيل ساعد مروان في سحب جثته من تحت الأنقاض. ومع مرور الأشهر، حولت القنابل الأميركية الرقة إلى أرض خلاء من المباني المهدمة والأجساد المكسورة، وراقب مروان كيف تحول حرص جيرانه على التخلص من “داعش” إلى رعب.

في ذلك الوقت، كان عدد قليل من خارج سوريا يهتم بما صنعته القنابل الأميركية بمدينة الرقة. ارتكب “داعش” مثل هذه الفظائع، في مثل هذا التسليط الإعلامي، وأي شيء تم القيام به للإطاحة بهذه الجماعة بدا مبرراً، بغض النظر عن عدد المدنيين الذين ماتوا في هذه العملية. حتى أغلبية الجماعات الأميركية المناهضة للحرب تجاهلت حملة الولايات المتحدة ضد “داعش”، وبدلاً من ذلك حصرت نفسها في احتجاجات عرضية حينما أطلق ترامب صاروخًا احتفاليًا على مهبط طائرات حكومي فارغ.

وقد أدت الحملة الأخيرة التي دامت أربعة أشهر للإطاحة بـ”داعش” من الرقة إلى مقتل ما بين 1400 إلى ألفي مدني، وفقاً لجمعية إيرورز Airwars، ودمرت 90٪ من المدينة. لم تقدم الولايات المتحدة أي اعتذارات عن وفاتهم. كان هؤلاء المدنيون أقل قيمة من الجنود السوريين الـ62 الذين قصفتهم الولايات المتحدة في سبتمبر / أيلول 2016 في دير الزور. في هذه الحالة، أعرب المسؤولون الأميركيون عن أسفهم. هؤلاء الجنود، في النهاية، يقاتلون من أجل جيش مدعوم من الحكومة الروسية، ويجب على قوة عظمى واحدة أن تتعامل مع شخص آخر. سكان الرقة الفقراء ليس لديهم حلفاء من هذا القبيل.

الصحفيون الذين يزورون الرقة الآن يجدون مدينة مدمرة، تفوح منها رائحة الجثث، لا تزال تعج بالألغام الأرضية التي وضعها “داعش” وتودي بضحية كل يومين. تفتقر الإدارة المدنية إلى الأموال والأجهزة الثقيلة لإعادة البناء. في شهر آذار – مارس الماضي، جمدت إدارة ترامب مبلغ الـ 200 مليون دولار الذي تم التعهد به لتحقيق الاستقرار في المناطق التي كانت تحت سيطرة “داعش” سابقاً. لا توجد كهرباء أو مياه باستثناء ما يوفره رجال الأعمال المحليون، والوظيفة الأكثر شعبية هي إزالة الأنقاض، وهو عمل خطير يشارك فيه حتى الأطفال. في حين أن الرقاويين قدموا مئات التقارير عن سقوط ضحايا من المدنيين، إلا أن القيادة المركزية الأميركية قد رفضت تقريباً كل مطالبة من هذا القبيل.

ووصف المتحدث باسم التحالف الكولونيل شون ريان تقرير منظمة العفو الدولية بأنه “غير دقيق على الإطلاق”، لكن النفي الرسمي لا يمكن أن يخفي الحقيقة. كانت الولايات المتحدة قد وعدت بحملة إبادة ضد “داعش”، وأبادت الرقة في هذه العملية. وعليهم الآن أن يدفعوا مقابل إعادة بناء المدينة التي دمروها، ودفع تعويضات لعائلات الآلاف من المدنيين الذين قتلوا. وأي شيء أقل من ذلك يجعل من “تحرير” الرقة مجرد خيانة أخرى قد قام بها العالم تجاه سوريا.

*مولي كراببل فنانة وكاتبة في نيويورك. كتابها الأخير هو “إخوة السلاح: مذكرات الحرب السورية”، والتي شاركت في تأليفها مع مروان هشام.


ترجمة: الميادين نت

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.