ماذا قصد نيتشه بـ«موت الإله»؟

لقد مر ما يقارب الـ 136 عامًا منذ أن أعلن «فريدريك نيتشه» «موت الإله»، مما منح طلاب الفلسفة صداعًا جماعيًا استمر منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم. ربما كانت هذه الجملة هي واحدة من أفضل الجمل المعروفة في كل أنواع الفلسفة، والتي يعرفها جيدًا حتى أولئك الذين لم يسبق لهم قط قراءة كتاب «العلم المرح»، والتي ذكر فيه نيتشه هذه الجملة. لكن هل نعرف بالضبط ماذا كان يقصد نيتشه بأن الإله قد مات؟ أو ربما نعيد صياغة السؤال الأهم من ذلك: ماذا تعني لنا تحديدًا هذه الجملة؟

قفز المجنون إلى وسطهم واخترقهم بنظراتٍ من عينيه. أين الإله؟ صاح فيهم: أنا سأخبركم! لقد قتلناه – أنتم وأنا! نحن جميعًا قتلة. مات الإله! ويظل الإله ميتًا! ونحن من قتلناه! كيف يمكننا أن نعزي أنفسنا، نحن أكبر القتلة؟ إن أقدس وأعظم ما امتلكه العالم قد نزف دمه حتى الموت بطعنات مُدانا: من سيمسح هذه الدماء عن أيدينا؟ أي ماء سيطهرنا؟ أية مراسمٍ تكفيرية، أية ألعابٍ مقدسةٍ يجب علينا أن نبتكر؟ أليس عِظَم هذه الفعلة شيئًا يفوق طاقتنا؟ ألا يجب علينا أن نصير نحن أنفسنا آلهة لمجرد أن نبدو جديرين بهذه الفعلة؟

كان نيتشه ملحدًا بطبيعة الحال، فهو هنا لم يكن يعني أن هناك إلهًا وقد مات بالمعنى الحرفي، بل أن فكرتنا عن الإله هي التي ماتت. فبعد عصر التنوير، أصبحت فكرة الكون الذي تحكمه القوانين الفيزيائية وليست العناية الإلهية حقيقةً واقعة. لقد أظهرت الفلسفة أن الحكومات لم تعد بحاجة إلى الالتفاف حول فكرة الحق الإلهي لكي تكتسب شرعية وجودها، وإنما من خلال موافقة أو عقلانية المحكومين، تلك النظريات الأخلاقية الكبيرة والمتسقة يمكن أن توجد بدون الرجوع إلى الإله. فكان هذا حدثًا جللًا؛ حيث لم تعد أوروبا بحاجة إلى الإله كمصدر ومرجعية للأخلاق أو القيمة أو النظام في الكون، بل كانت الفلسفة والعلوم قادرتين على فعل ذلك من أجلنا. دفعت هذه الفلسفة العلمانية المتزايدة في الغرب إلى إدراك نيتشه أن الإله لم يمت فقط، بل أن البشر قد قتلوه بثورتهم العلمية، ورغبتهم في فهم العالم بشكل أفضل.
ولكن كيف فعلنا ذلك؟ كيف كان بمقدورنا أن نفرغ البحر؟ من أعطانا الإسفنجة لمحو الأفق بأكمله؟ ماذا فعلنا بإبعادنا هذه الأرض عن شمسها؟ إلى أين تسير الآن؟ إلى أي شيء تقودنا حركتها؟ أبعيدًا عن كل الشموس؟ ألم نسقط في منحدرٍ طويل؟

لم يعتبر نيتشه موت الإله شيئًا جيدًا تمامًا. فبدون الإله، كان النظام العقائدي الأساسي في أوروبا الغربية معرضًا للخطر، كما قال في كتابه «غروب الآلهة»:


عندما يتخلى المرء عن الإيمان المسيحي، يسحب المرء الحق في الأخلاق المسيحية من تحت قدميه. وهذه الأخلاق ليست بديهية على الإطلاق. المسيحية هي نظام، وجهة نظر كاملة للأشياء التي تم التفكير بها معًا. فمن خلال كسر أحد المفاهيم الرئيسية فيها، وهو الإيمان بالإله، يكسر المرء الكل.واعتقد نيتشه أن هذا يمكن أن يكون أمرًا جيدًا بالنسبة لبعض الناس، قائلًا: «عند سماعهم أن الإله القديم قد مات، فإننا نشعر نحن الفلاسفة والأرواح الحرة ببزوغ فجر جديد». ومع زوال النظام القديم للمعنى، يمكن إنشاء نظام جديد، لكنه سيأتي محملًا بالمخاطر؛ تلك التي يمكن أن تُبرز أسوأ ما بداخل الطبيعة البشرية.

فلسفة العدم والحياة


ألم نسقط في منحدرٍ طويل؟ وذلك إلى الخلف، إلى الجانب، إلى الأمام، في كل الاتجاهات؟ أما يزال هناك أعلى وأسفل؟ ألسنا نتيه كما لو كنا عبر عدمٍ مطلق؟ ألسنا نشعر بأنفاس الفراغ في وجوهنا؟ ألم يزدد الجو برودة؟ أليس الوقت ليلًا باستمرار، ويصير ليلًا مرارًا وتكرارًا؟ ألا يجب أن نوقد الفوانيس أثناء الصباح؟ هل ما زلنا نسمع شيئًا من ضجيج حافري القبور الذين دفنوا الإله؟

اعتقد نيتشه أن موت المعنى يضع معظم الناس في مواجهة خطر اليأس أو الإحساس بعدم جدوى الحياة. ماذا يمكن أن يكون الهدف من الحياة بدون الإله؟ فقد توصل العالم الغربي الآن إلى أن الإله لم يضعنا في مركز الكون، حيث توصل لهذه الحقيقة من الأصل المتواضع الذي تطور منه الإنسان، فشاهدنا أخيرًا العالم الحقيقي. حيث لم يُخلق الكون بأكمله للوجود الإنساني وفقط، وكان ما خشيه نيتشه من أن التوصل لهذا الفهم للعالم سيؤدي حتمًا إلى التشاؤم، الإرادة إلى العدم، والتي كانت مناقضة للفلسفة المؤكدة للحياة التي أثارها نيتشه.

وقد ظهر خوفه من العدمية ورد فعلنا عليها في «الإرادة إلى السلطة»، عندما كتب:

ما أعزو إليه هو تاريخ القرنين القادمين. أصف ما هو قادم، ما لم يعد يمكن أن يأتي بشكل مختلف: بزوغ العدمية؛ فلقد تحركت ثقافتنا الأوروبية كلها منذ بعض الوقت متجهةً نحو كارثة.

فلم يكن نيتشه مندهشًا من الأحداث التي ابتليت بها أوروبا في القرن العشرين. الشيوعية والنازية والقومية والأيديولوجيات الأخرى التي شقت طريقها عبر القارة العجوز في أعقاب الحرب العالمية الأولى والتي سعت إلى تزويد الإنسان بالمعنى والقيمة، كعامل بلوريتاري، أو كمواطن من الجنس الآري، بطريقة مشابهة للطريقة التي يمكن أن توفر بها المسيحية معنى ابن الإله، وتعطي الحياة على الأرض قيمة بعلاقتها مع السماء. وفي حين أنه ربما رفض هذه الأيديولوجيات، فمما لا شك فيه أنه كان سيقر بالحاجة إلى المعنى الذي قدمته.


الإنسان الخارق والإنسان الأخير

بالطبع، كما رأى نيتشه ما سوف يحدث، فقد قدم لنا طريقًا للخروج، خلق قيمنا الخاصة كأفراد، خلق معنى للحياة من قبل أولئك الذين يعيشونها. النموذج الأصلي للفرد الذي يمكنه فعل هذا له اسم وصل أيضًا إلى وعينا الشعبي: الإنسان الخارق «Übermensch».
غير أن نيتشه اعتبر ذلك هدفًا بعيد المنال بالنسبة للإنسان، وهو هدف لا يمكن لمعظم الناس الوصول إليه. إن الإنسان الخارق، الذي شعر نيتشه أنه سيوجد على الأرض مستقبلًا، من شأنه أن يخلق المعنى في الحياة بإرادته وحدها، ويفهم في نهاية المطاف أنه وحده فقط المسؤول عن اختياراته. فكما قال في كتابه «هكذا تكلم زرادشت»: «بالنسبة إلى لعبة الخلق، أيها الإخوة، هناك حاجة إلى القبول المقدس: فالروح الآن تبغي إرادتها الحرة»، حيث إن هذا الإنسان الجريء لن يحيل معنى ما يفعله بحياته إلى العقيدة أو الرأي العام.


بعد أن اقترح نيتشه صعوبة خلق هذا الإنسان الخارق، اقترح ردًا بديلًا على العدمية، ورأى أنه أكثر احتمالًا للاختيار وهو الرجل الأخير «The Last Man». فعلى حد تعبيره هو الشيء الجدير بالازدراء، من يعيش حياةً هادئة تملؤها الراحة دون التفكير في الفردانية أو التطوير الشخصي لمنهج حياته: «لقد اكتشفنا السعادة، ثم يطرفون بأعينهم»، هكذا قال الرجل الأخير.


ومما يثير خيبة «أمل زرادشت»، الناطق باسم نيتشه، هم الأشخاص الذين يعظهم بالتوسل إلى أسلوب حياة الرجل الأخير؛ مما يشير إلى تشاؤمه بشأن قدرتنا على التعامل مع موت الإله.


فهل نحن في خطر لأن نتحول لمجتمعٍ يعاني من دون وجود المعنى؟ هل نحن كمجتمع في مهب خطر العدمية؟ هل نحن أكثر عرضة الآن للأيديولوجيات والمخادعين الذين يعدوننا بلعب دور الإله لنا وللمجتمع؟ هل نحن كأفراد على استعداد لمهمة خلق قيمنا الخاصة؟ هل نحن على استعداد لخلق المعنى في الحياة بأنفسنا، بدون مساعدة من الإله والعقيدة؟


في النهاية يبدو أن نيتشه ربما كان مخطئًا على المدى الطويل حول قدرتنا على التعامل مع فكرة موت الإله، حيث يبدو أننا نجحنا في التعامل مع موت الإله بشكل أفضل مما ظن نيتشه أننا سنفعل؛ فنحن لسنا الرجال الأخيرين، كما أننا لم نصل إلى وضع يُنظر فيه إلى كل الأخلاق على أنها نسبية تمامًا ولا معنى لها. وإذا فهمنا الآثار المترتبة على موت الإله، فإننا سوف نتمتع بفرصةٍ أفضل للاستعداد لخلق قيمنا الخاصة. فاليأس قد يفسح المجال لمعنى جديد في حياتنا؛ حيث كما اقترح «جان بول سارتر» أن «الحياة تبدأ على الجانب الآخر من اليأس».



إضاءات

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.