الرستن ومتطلبات العودة: تسوية أوضاع وأرزاق... ومليارات!

لا يمكن المرء أن يقرأ خريطة السيطرة المتغيرة للمناطق السورية، على أنها عودة الأمور إلى نصابها، من غير أن يبرز تحيزه السياسي، موالياً كان أم معارضاً. غير أن ربع ساعة بدلاً من رحلة طويلة وشاقة، عبر طرق متعرجة، ضمن قرى تتبع إدارياً لمحافظة حماة، بهدف الوصول من مركز مدينة حمص إلى الرستن، تعتبر من تفاصيل عدة تستحق الاحتفال، بالنسبة إلى السوريين عموماً، وأبناء الرستن تحديداً. قبل أربع سنوات مضت «الأخبار» في رحلة مضنية إلى أولى البلدات «العاصية»، عبر قرى مدينة مصياف الحموية، بهدف إجراء تحقيق صحافي عن أحوال المدنيين في مزارع الرستن المطلّة على بلدة حُرموا منها. شهادات عدة قدّمها مزارعون من آل طلاس وفرزات وأيوب، عن مرحلة دامية من تاريخ المنطقة. كل ذلك أضحى ذكريات. ما عاد الاحتماء بشجيرات الزيتون من قناص الرستن البعيد ضرورياً، بعدما أوقف الجيش عمليته العسكرية في المدينة، لتطبيق اتفاق أفضى إلى تسوية أوضاع الراغبين في استعادة مواطنتهم السابقة، وترحيل من يرفض التسوية نحو مدينة إدلب. وبهذا استعادت الدولة السورية 75 ألف مواطن يعيشون داخل هذه البلدة، منهم 25 ألفاً من العائدين أخيراً. عبارة «ما شاء الله» على مداخل بعض البيوت المتهدمة، كما لو أنها تعني «قدّر الله وما شاء فعل».
للبنى التحتية... مليارات!

يفتتح الدخول إلى الرستن صورة مصافحة الرئيسين السوري والروسي، في إشارة لافتة إلى الدور الروسي في المصالحة. فرق المحافظة والبلدية تواصل أعمالها في تعبيد الشوارع. موظفون حكوميون يتحركون بحرية، في منطقة كانت محظورة لسنوات طويلة. خلال 9 أيام من دخول الدولة إلى الرستن جرت إعادة تأهيل الطريق العام، بما فيه الإنارة والمنصّفات، بتكلفة ملياري ليرة. فيما جرى تخصيص 5 مليارات أخرى، لتمويل خطة إسعافية لتأهيل الريف الشمالي، والذي بلغت خسائر بناه التحتية 13 مليار ليرة. شبان على دراجاتهم النارية يعبرون الشوارع كما لو أن الحرب لم تمر من هُنا، لولا الخراب المخيم على خلفية الصورة، مذكّراً السوريين بلوعة العنف الذي شهدوه. نساء يصطففن في دورهن لشراء الخبز... يغسلن الموت بنداء الحياة. ما لا تلتقطه الكاميرا في المشهد، هو السباق الزمني الذي خاضته فرق العاملين في الدولة. إغراق السوق بالمواد الغذائية، خلال 14 يوماً من إنجاز المصالحة، منع كل محاولات الاحتكار وجني الأموال وارتهان سوق البلدة للتجار. افتتاح الفرن الآلي الذي ينتج 18 ألف ربطة خبز يومياً مثّل أول شارات الحياة، فيما يجري العمل على تأهيل المخابز الخاصة. بينما تحتوي مصنفات المركز الصحي المعاد تأهيله على بيانات جميع أطفال الرستن الذين نالوا لقاحاتهم كاملة. مركز بيع المواد الأساسية، والذي يمثل أحد فروع المؤسسة الاستهلاكية العامة، أصبح فاعلاً لبيع المنتجات بأسعار مناسبة. أما أبرز إيجابيات مرحلة النهوض في الرستن، هو إلغاء الموافقات الأمنية المطلوبة من العائدين، ما أدى إلى حركة كثيفة خلال عيد الفطر الماضي. في المقابل، لا مؤشرات على وجود عسكري كثيف في نقاط الجيش المحيطة بالرستن، فبعض العناصر عادوا إلى ثكناتهم في المواقع القريبة من البلدة، وآخرون تم نقلهم لتعزيز جبهات أُخرى، وفق العسكريين.

طلاب وضباط... ومنشقون!

بين أبناء الرستن 28 ألف طالب مدرسي من جميع المراحل، من المفترض توزيعهم على 36 مدرسة، غير أن 29 مدرسة منهم مدمرة، وفق إحصاءات البلدية. يجلس رئيس البلدية حسن محمد طيباني، مستعيداً ذكريات الزمن الماضي، بعد تعرضه لمحاولة اغتيال العام الفائت على يد «جبهة النصرة». رصاصة استقرت داخله، ومن غير الممكن إزالتها، كانت ذكرى مسلحي الرستن لرئيس بلديتها، غير أنه يفاخر ببقائه في أرضه، مقابل مغادرتهم. يلفت الرجل متابعة العديد من الموظفين الحكوميين تواجدهم داخل البلدة، محميين بالأهالي، إلى حين اضطرار بعضهم للمغادرة، بعدما أزفت لحظات العنف والفوضى. كما يعتدّ باحتضان الدولة لطلاب الشهادات، طيلة سنوات الحرب، من خلال تأمين خروجهم من المعبر عبر حافلات مخصصة وإعادتهم آمنين، في مقابل تمركز المسلحين في معظم مدارس البلدة، بصفتها مباني متينة تصلح كمقار لقياداتهم، ما أفضى إلى مواصلة تعليم الأطفال في البيوت، وفق مناهج وزارة التربية السورية. وعلى اعتبار سد الرستن كان بمثابة خط تماس بين البلدة ونقاط الجيش المحيطة، فقد تابع عدد من موظفي المنشأة دوامهم الرسمي، وسط تراجع تخزين السد إلى 35 مليون متر مكعب، بعدما تجاوز 135 مليون متر مكعب سابقاً. وبدا اعتماد الأهالي على الآبار طيلة فترة الحرب هو الحل الوحيد. أما ورش الكهرباء فقد بدأت بمد شبكات الخط الفرعي قبل أشهر من إتمام المصالحة.

ويحدد طيباني عدد أبناء الرستن الذين يجري العمل على تسوية أوضاعهم بـ 10 آلاف، من أصل 35 ألفاً في سائر الريف الشمالي. ويلفت إلى أن من خرج من أبناء الرستن إلى إدلب متورط في القتل والثأر مع الأهالي. يرصد الرسميون في البلدة 800 ضابط على رأس عمله من الرستن، فيما قدمت الرستن 100 شهيد في صفوف الجيش. كما يمكن فرز 200 منشق خلال الحرب، بعضهم أجبر على ذلك. واللافت أن 3 آلاف من شبان الرستن تطوعوا في الجيش أخيراً، بلا وعود بخدمة العلم في المنطقة، بل انتشر أغلبهم على جبهات متفرقة. يتناقل الأهالي خبر استشهاد مناف أيوب (20 سنة) الذي كان مسلحاً من الرستن ثم تطوّع في صفوف الجيش، ليستشهد أخيراً في العملية العسكرية على درعا. ويجري الترتيب إلى لقاء مصالحة لأهالي البلدة مع قرى الجوار كأم شرشوح وجبورين والقبو ورباح، من أجل تثبيت التسوية اجتماعياً.


باب الرزق مفتوح

في أحد منتزهات البلدة تجلس أم محمد، صاحبة المكان، سعيدة بسرعة تأهيل منتزهها، الذي استقبل أهالي الرستن، بمناسبة عيد الفطر الفائت، وعاد ليكون مصدر رزق جيد. غياب قسري في بيت عائلتها الأساسي في مدينة حماة، لم يمنعها من زيارة الرستن مرات عدة. لم ينسَ أهالي البلدة بعد الطيار المدني فايز خليل المدني، والذي عمل كصائغ أيضاً. الرجل العامل في لجان المصالحة قُتل على يد المسلحين قبل 3 أشهر من خروجهم. يتحدث عنه الأهالي بحزن، إذ كانت له باع في التفاوض على طريق المصالحة وتأمين الخدمات. بسبب تدمير السوق التجارية في الرستن، جرى ترميم بعض المحال التجارية على عجل لسدّ حاجات السكان، الذين يعملون في الزراعة بمعظمهم. كما أن الأوضاع المادية للأهالي ليست سيئة عموماً، إذ إن اعتماد العديد من العائلات في دخلها على سيارات الشحن، أفضى إلى خروج أصحاب 1500 سيارة شحن من المنطقة، إلى المدن السورية ولبنان. الأمر الذي أبقى باب رزقهم مفتوحاً، على رغم مصاعب الحرب. كل ما اختلف عليهم أن أراضي شاسعة ستزرع هذا العام بهدوء وأمان، من دون الخشية من القناص. 70 عائلة عادت إلى الرستن بعد نزوح طويل وإقامة في معمل الإسمنت، على أطراف البلدة، لتبقى 8 عائلات فقط لموظفي المعمل ما زالت تقيم ضمن مبانيه. المعمل الذي ضم 175 عاملاً تأثّر إنتاجه خلال الحرب، بعدما كان ينتج 400 طن يومياً. وبحسب مديره محمد سمير ظباطح، فإن فكرة إقامة الموظفين مع عائلاتهم جاءت لحماية المعمل والحفاظ عليه من السرقة، إضافة إلى ضمان وصول عماله إليه ومواصلة الإنتاج.

 


مرح ماشي - الأخبار 




إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.