السويداء بعد المجزرة: بضع حقائق قاسية

لم يهدأ جرح السويداء بعد، ولن يهدأ قبل الاقتصاص من القتلة التكفيريين وعودة المختطفين. هذه هي حال المحافظة وأبنائها، وهذا هو قرار الدولة السورية والجيش وخياراتهما، والمسألة ما هي إلّا مسألة وقت قصير.

لكنّ هذا الجرح، على مرارته وقسوته، يترك أيضاً خلاصات وعبراً، لا بدّ أن تُدرس جيّداً، كي لا يكون دم الأبرياء وقوداً لدماء جديدة، في معركة تدفع ثمنها السويداء وسوريا والمواطنون العاديون، وتستفيد منها إسرائيل والمهربّون وتجّار الفتنة في السويداء وخارجها.

لقد سبق لتنظيم «داعش» الإرهابي أن شنّ هجمات مروّعة على أكثر من مدينة سورية وموقع للجيش في سوريا والعراق، متعمّداً ارتكاب المجازر بهدف ترويع السّكان، والأهم بهدف تحقيق شروخ داخل نسيج الشعبين العراقي والسوري. الأمر ذاته بالنسبة للتنظيم، ومن يقف خلفه ويديره أو يستفيد منه بأقل تقدير، في حالة السويداء الأخيرة. في السويداء اليوم، قلقٌ كبير من السكان البدو الذين يسكنون المحافظة، وتحديداً في شرقها. بعض هؤلاء، كما البعض من السوريين تورّط مع «داعش» وبعضهم اعتدى عليه «داعش» كما يعتدي على أي سوري يرفضه. التعميم والقول إن كل البدو «داعش» يؤدّي إلى اقتتال أهلي بين أهل السويداء من الموحّدين الدروز والبدو، لكنّ الحكمة والدراية والتنبّه وفصل الصالح عن الطالح، يقوّي المحافظة ويحصّنها.منذ اللحظات الأولى للهجوم، بدأت صفحات ومواقع على وسائل الاجتماعي، معروفة الموقع والدور والمشغّل، غالبيتها خارج المحافظة وسوريا، تروّج لأفكار عدّة، أهمّها: البدو هم الذين هاجموا وسهلوا لـ«داعش» الهجوم، الجيش السوري نقل إرهابيي داعش من الحجر الأسود إلى شرق السويداء بهدف معاقبة المحافظة وما يسمّى «رجال الكرامة»، والجيش أيضاً تعمّد ترك خط المقرن الشرقي من دون حماية، وسهّل وصول الإرهابيين إليها، الدولة قطعت الكهرباء مع حدوث التفجيرات في المدينة، الدولة سحبت السلاح الفردي من المواطنين...

مع أن الجرح لا يزال ينزف، لكن لا بدّ من ذكر بعض الحقائق والمعطيات. فألم الحقيقة موقّت، فيما طريق التحريض والإشاعات مكلفٌ بلا شكّ.خلال السنوات الماضية، انخرط عددٌ لا بأس به من أبناء السويداء في شرق المحافظة وغربها بأعمال التهريب، وتحوّلت بعض القرى إلى «مناطق حرّة» تتجمّع فيها البضائع ومن ثمّ تنقل إلى وجهتها النهائية. والبضائع متعدّدة: أفراد مطلوبون، إرهابيون، سلاح على أنواعه من الرصاص إلى البنادق والصواريخ والقذائف، مخدرات على أنواعها لا سيّما الكبتاغون، مواد غذائية، وقود على أنواعه. أما الزبائن، فهم عصابات «داعش» في شرق السويداء والعصابات الإرهابية الأخرى التي كانت تسيطر على قرى ريف درعا الشرقي من «جبهة النصرة» إلى الفصائل الأخرى. اغتنى المهرّبون. بعضهم لم يكن يملك ثمن «سندويشة»، صار ملّاكاً لسيارات وبيوت. وهؤلاء انتعشوا على فوضى الحروب: الجيش مشغول بجبهات القتال القاسية، والأجهزة الأمنية لا تريد استثارة العصبيات والتعامل بقسوة داخل المحافظة، فيما كان بعض الفاسدين يؤمّنون الغطاء للمهربين، مستفيدين أيضاً من أن الدولة ليست بكامل عافيتها. أمّا الأهالي العاديون، فدفعوا ثمن «تشبيح» هؤلاء، وثمن دعمهم للإرهابيين خطفاً وقتلاً وإرهاباً. ومع ذلك، احتضن المواطنون العاديون «الأوادم»، أكثر من 150 ألف نازح من كامل الأرض السورية.

مسألة أخرى بالغة الأهمية. في سوريا كما في أي بلدٍ في العالم، تكثر حالات الفرار من الجيش وقت الحروب ويزداد التخلّف عن الخدمة الإلزامية. غالبية المحافظات الأخرى فيها متخلّفون عن الخدمة الإلزامية بفعل قسوة الحرب، إلّا أن أرقام السويداء هي الأعلى بين غيرها من المحافظات. يبرّر البعض في السويداء بأن السبب هو الخوف على تناقص كبير في طائفة أقليّة مثل الدروز، هذا مفهوم والدولة السورية تفهّمته، لكنّه على الأقل يرتّب إجراءات أخرى، مثل قيام هؤلاء بالدفاع عن محافظتهم على أكمل وجه، على الأقل، وعدم وضع الجيش تحت الضغط. في المقابل، كان الآلاف من الشبان من أبناء المحافظة يلتحقون بجبهات في الجيش جنوداً وضباطاً مع غيرهم من السوريين وقدّمت المحافظة آلاف الشهداء في القوات المسلحة من دير الزور إلى إدلب. وخلال السنوات الماضية، حصل أكثر من محاولة لتحقيق تسوية للمتخلفين عن الخدمة الإلزامية، لكنّها لم تنجح إلى الحد الأدنى. حتى المعارضة، بقيت معارضة في السويداء، وغضت الدولة الطرف عن بعض رموزها ولم تطاردهم.

هي أزمة مركّبة إذاً، زاد عليها وجود «مشايخ الكرامة»، الذين لا يوضعون في خانة الإرهابيين، لكنّهم متمردون على الدولة وكان خطابهم في ما مضى مبنياً على تحريض أبناء المحافظة على عدم الالتحاق بالجيش وعلى المطالبة بحكم ذاتي انفصالي. خفت الخطاب، لكن بقيت الأدوات، التي كانت تلقى الدعم من الاستخبارات الأردنية، ووصلت إليها مبالغ مالية كبيرة من الشيخ موفّق طريف، شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في فلسطين المحتلة ومن الحزب التقدمي الاشتراكي والنائب السابق وليد جنبلاط في لبنان. حتى أن جنبلاط كان لديه مكلّفون بملف الدعم هذا، وسبق لهم أن زاروا غرفة «الموك» مع أحد نواب الحزب وأحد وزرائه السابقين، بهدف حث «الموك» والأردن على دخول الجيش الأردني وضم السويداء إلى الأردن.قبل هجوم «داعش» على شرق السويداء بفترة سابقة، حرّض المهرّبون على الجيش وطالبوا بعدم إقامة مواقع له في الريف الشرقي للمحافظة، بحجّة أن أبناء القرى يستطيعون الدفاع عنها. واستطاعوا انتزاع قرارٍ من اللجنة الأمنية في المحافظة، بتسليم الجبهة الشرقية لقوى محليّة. وفي المعلومات، أن هذه القوات كانت تحصل على الآتي: دبابات، ورشاشات محمولة على سيارات، وكامل التجهيزات لـ1200 مقاتل، حتى أنها كانت تحصل على معونة «الإطعام» من قيادة الفيلق الأول في الجنوب لهؤلاء المقاتلين وعلى رواتبهم. وفي الوقت ذاته، كانت أعمال التهريب مستمرة. «داعش» في بادية السويداء كان يعيش على ما يهرّبه مهرّبو السويداء له، وإلّا لكان بضعة مئات الإرهابيين ماتوا جوعاً وعطشاً في البادية. الجيش يقصفهم من الجو، والمهرّبون يغيثونهم، وينقلون بعضهم إلى مستشفيات السويداء بهويّات مزوّرة.


بعد عمليّة الجيش في مخيم اليرموك والحجر الأسود، اضطر الجيش لإخراج إرهابيي «داعش» من المخيّم بعدما تحوّل قتالهم والقضاء عليهم أمراً شبه مستحيل وسط الركام الكبير. نقل الجيش دواعش اليرموك إلى حيث ينتشر زملاؤهم قرب محمية التنف الأميركية، وبعد 48 ساعة حشد قواته وبدأ هجوماً ضدهم في البادية السورية انطلاقاً من ثلاثة محاور، بالتعاون مع مقاتلي الحزب السوري القومي الاجتماعي في السويداء وجيش التحرير الفلسطيني وفصائل رديفة أخرى. مرة جديدة، الجيش يقاتل الإرهابيين ويدفع الضريبة من الشهداء وبعضهم من أبناء المحافظة، ومهرّبو المنطقة الشرقية ينقلون الدعم والسلاح والدعم اللوجستي والطعام للدواعش. أبعد الجيش المسلحين قدر الإمكان على مقربة من المحمية الأميركية بعد أن قتل منهم العشرات، ونقل بعض قواته إلى جبهات درعا المشتعلة، مستنداً إلى أن الريف الشرقي للمحافظة محمي من القوات المحلية. وطوال الشهر الماضي، كان جنود الجيش ومواقعه في البادية، يتعرضون للهجمات الدائمة، فيما تستمر خطوط التهريب بالعمل.

قبل أيام من المجزرة، تعرّض شيخ العقل يوسف جربوع لتهديد من «الدواعش» أثناء توسّطه للإفراج عن مختطف، ليفاجئ بدخول إرهابيين من «داعش» إلى حيث كان يجلس في بيت في إحدى قرى السويداء الشرقية. طلب «الدواعش» طلبات تعجيزية من الشيخ وسمع كلاماً عن أن الدروز كفّار عند ابن تيمية، وتجوز معاقبتهم. وفي الوقت نفسه، كانت تتجمّع لدى الأجهزة الأمنية معلومات عن احتمال قيام «الدواعش» بهجمات على الريف الشرقي، لكنها كانت معلومات غير مكتملة ولا تصل حدّ الهجوم الضخم الذي وقع. لكن مع ذلك، أبلغت الأجهزة الأمنية القوات المحليّة بضرورة التنبّه، وسمعت تطمينات عن أن كل شيء تحت السيطرة. عشية المجزرة، كان أحد مسؤولي القوات المحليّة يتفسّح في إسبانيا، والمواقع والآليات متروكة، أو بداخلها عنصر أو اثنان من أصل عشرات يدفع الجيش رواتبهم.

وقع الهجوم، ثم المجزرة، ونخوة الأهالي هي التي خفّفت من حجم المصيبة، ثم يأتي من يصبّ الزيت على النار لخلق فتنة بين الدولة والمحافظة.غير أن الأزمة لم تنته بعد. منذ الهجوم، والقلق والتوتر والإشاعات تحكم المحافظة والسلاح المتفلّت يهدد بوقوع الدم كل لحظة بحجة حماية المدينة والقرى، والفاجر يأكل مال التاجر مرة أخرى، فيما تحاول الدولة لملمة الفوضى وعدم الصدام مع المسلّحين.

ثمّة من يريد أن تبدأ الحرب في السويداء بعد أن انتهت في كامل سوريا، بالتحريض على خيارات ميتة مثل وليد جنبلاط، أو يظن البعض أن إسرائيل إذا خرجت من القنيطرة، يمكن أن تعود من السويداء، مثل موفّق طريف، الذي بدأ بجمع الأموال مجدداً باسم السويداء.

على رغم كل ذلك السواد، الوطنيون والعاقلون في السويداء هم الأقوى والأقدر، وما هي إلّا مسألة وقت، حتى ينتهي الإرهاب في شرق المحافظة، وتعود الدولة لبسط الأمن والأمان على كامل الجنوب السوري.

 

 


فراس الشوفي - الأخبار

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.