ثغرات "غير موثقة" في تقارير التحالف الدولي عن الضحايا المدنيين في الرقة

يقوم التحالف الدولي بنشر تقريرٍ شهريٍّ عن الضحايا المدنيين، يدرج فيه الغالبية العظمى من المزاعم التي عدّتها منظمات حقوق الإنسان "غير موثوقة". ورغم إمكانية إعادة فتح هذه الملفات في حال ظهور معلومات إضافية، فإن التحالف لا يسعى للحصول على معلومات جديدة بشكل استباقي. ويعتمد بدلاً من ذلك، على الآخرين للتحقيق في الحوادث التي يجب التحقيق فيها.

أعلن التحالف في نهاية حزيران/ يونيو 2018، أنه في ضوء الأدلة الجديدة التي حصل عليها من منظمة العفو الدولية، فإنه سيقوم بإعادة تقييم أربع حالات كانت مغلقة في السابق وتفحص حالة جديدة واحدة.

يعترف التحالف وبعض أعضائه بمسؤوليتهما أحياناً عن الإصابات المدنية التي تتحدث عنها منظمات حقوق الإنسان. وقد اعترف أخيراً في حزيران/يونيو 2018، بقتل أكثر من 40 مدنياً في غارات جوية على مدرسة في المنصورة (بالقرب من الرقة) في آذار / مارس 2017. وقد أبلغت هيومن رايتس ووتش عن هذه القضية في أيلول/سبتمبر 2017، لكن التحالف أبقى هذا الإبلاغ مصنفاً على أنه "غير-موثوق" لمدة 15 شهراً متتالية. وفي مارس 2018، اعترفت الحكومة الأسترالية بمسؤوليتها عن مقتل اثنين من المدنيين في غارة جوية نفذتها قواتها الجوية في أيار/مايو 2017 على الموصل في العراق، بناءً على معلومات جمعتها منظمة العفو الدولية ونشرتها منظمة Airwars.

في أيار/مايو 2018، اعترفت بريطانيا وهي عضو آخر في التحالف، لأول مرة بمسؤوليتها عن مقتل مدني واحد في مارس 2018 في سورية بعد أن نفذت مئات وربما الآلاف من الغارات الجوية في العراق وسورية منذ عام 2014.

كما أنَّه من بين أعضاء التحالف الثلاثة الذين قصفوا الرقة -الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والمملكة المتحدة- استجابت المملكة المتحدة وحدها إلى طلبات منظمة العفو الدولية للحصول على معلومات، مدعيةً أن قواتها لم تكن مسؤولة عن الغارات الجوية الموثقة في تقرير 5 حزيران/ يونيو.إلا أنَّ المملكة المتحدة لم تقدم أياً من المعلومات التي طلبتها منظمة العفو الدولية، بما في ذلك المواقع الدقيقة لضرباتها الجوية وتفاصيل حول الإجراءات المحددة التي تتخذها للتحقق من الأهداف ولتقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين. في حديثه إلى البرلمان في تموز / يوليو 2018، وصف وزير الدفاع البريطاني كيفين ويليامسون تقرير منظمة العفو الدولية بأنه «مخيب للآمال ومشين للغاية»، ومع ذلك فشل في تقديم معلومات محددة عن الضربات الجوية البريطانية.

هذا، وخلافاً للقوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية، قضى أحد شركاء التحالف المشاركين في عملية الرقة وقتاً طويلاً في المدينة طوال المدّة التي أعقبت ذلك. فقد أقرت قوات سورية الديمقراطية "قسد" بقيادة الكرد في ردها على تقرير منظمة العفو الدولية، «بأضرار فادحة وخسائر بشرية ومادية ضخمة تحملتها عائلات في المدينة أثناء الحملة»، قبل أن تذهب إلى القول إن «قوات سورية الديمقراطية، بصفتها حليف قوات التحالف على الأرض، لا يمكن أن تتحمل المسؤولية نتيجة الأخطاء التي اُرتِكبت والضربات الجوية الفاشلة ضد أهداف عسكرية "لداعش"».

لم تقدم "قسد" معلومات حول كيفية تحديد إحداثيات مواقع الضربات والتحقق منها، كما أنها لم تستجب لانتقادات منظمة العفو الدولية لاستخدامها العشوائي لقذائف الهاون في المناطق المدنية ذات الكثافة السكانية العالية.

ادعاءات التحالف لا تقف على الفحص

يدعي التحالف أنه يبذل "الجهود المضنية" لتقييم الادعاءات المتعلقة بالضحايا المدنيين والتي لا تصمد أمام التفحص. لكنه فشلَ في الوفاء بتعهده العلني بأن تشتمل تحقيقاته على «زيارات المواقع وإجراء المقابلات مع الشهود، حيثما أمكن». ذلك إلى أنه في معرض عملها الميداني في كل من الرقة والموصل، أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع المئات من الشهود والناجين من ضربات قوات التحالف، في حين لم يجر ممثلو التحالف مقابلات مع أحد منهم. كما لم يكن أيّ من الشهود والناجين على علم بأية مقابلات أجراها ممثلو التحالف مع أي شخص آخر.

لا يوجد سبب لعدم قيام التحالف بإجراء تحقيقات في الموقع ومقابلات مع الناجين والشهود في الرقة والموصل اللتين تقعان الآن تحت السيطرة الكاملة لشركاء التحالف. زار مسؤولو التحالف وكذلك السياسيون الأمريكيون بالفعل هذه المناطق لعقد اجتماعات مع شركائهم المحليين أو للقيام بأنشطة أخرى، ولكن ليس للتحقيق.

ما يزال الغموض المتعمّد يكتنف هذه القضية حتى الآن؛ ذلك أنَّ تقارير التحالف حول ضرباته طوال مدّة عمليّاته في الرقة والموصل غير كافية. إذ تمثيلاً لا حصراً، حينما أُعلن عن الضربات تمّ التصريح أنها تمت "بالقرب من الرقة" أو "بالقرب من الموصل"، وكان الأحرى تحديد مواقع هذه الضربات بدقة. وهذا يدلّ على فشل التحالف في توفير معلومات مفيدة تتعلّق بالأهداف أو الأسلحة المنتشرة.

في 5 حزيران/يونيو ورداً على منظمة العفو الدولية، ذكر التحالف أن الأمن الخاص بالعمليات يمنعه من الإفراج عن المزيد من المعلومات حول الضربات. في حين أن الحسابات الأمنية قد تحد من مستوى التفاصيل التي يتم الإعلان عنها، إلا أنها يجب ألا تصبح العباءة التي يختبئ وراءها أعضاء التحالف هرباً من المساءلة. لن يؤدي نشر المعلومات المطلوبة إلى تعريض أمن العمليات للخطر؛ بل سيخشى منها مقاتلو "داعش" الناجون فعلياً، كونهم شهدوا استهداف هذه العمليات لهم.

هذا، ورغم نغمة التحالف المتكررة بأنه يقوم باتخاذ جميع التدابير الممكنة لتقليل الإصابات في صفوف المدنيين، إلا أنه لم يقم بتقديم أية معلومات عن هذه التدابير المحددة المتخذة -قبل وبعد الضربات- للتحقق من أن الأهداف ليست مدنية ولتقليل الضرر المحتمل على المدنيين بالقرب منها. ما نزال على الجانب المظلم من منهجية المراقبة والتحقق من الأهداف واختيار الأسلحة. إذا وفت قوات التحالف بالتزاماتها حسب القانون الدولي الإنساني فيما يتعلق بكل ضربة تدعي أنها قامت بها، فلا يجب أن يكون لديها سبب للابتعاد بهذا المستوى عن الشفافية.

الصفقة مع "داعش"

رغم اعتراف التحالف بأنه "كان على علم" بالهدنة بين شركائه في قوات سورية الديمقراطية و"داعش"، الذين سمحوا لمقاتلي "الدولة الإسلامية" المسلحين بمغادرة الرقة، إلا أن التحالف ادعى عدم قبول الصفقة، لأنه «ليس في صدد عقد صفقات مع "داعش"».ومع ذلك، فالتحالف الدولي هو الطرف الذي يملك القوة الجوية والمدفعية بعيدة المدى، وكان هو من أمّن ممراً آمناً لمقاتلي "تنظيم الدولة" للخروج من المدينة. ووفقاً لمعلومات منظمة العفو الدولية، كان ممثلو الائتلاف حاضرين عندما تم الاتفاق على الصفقة بين "داعش" و"قسد".كما تثير الصفقة الشكوك حول ماهية المبررات -تحت الضرورة العسكرية- لتنفيذ الضربات التي تمت في الساعات والأيام التي سبقت توقيع الصفقة، تلك الهجمات التي قتلت العديد من المدنيين.

رفض الانخراط

قام المتحدثون باسم التحالف ووزير دفاع المملكة المتحدة باتهام منظمة العفو الدولية بعدم الاتصال بالسلطات المعنية لتحديد كيفية تنفيذ الضربات أو ما إذا كانت عملية تقليل الإصابات في صفوف المدنيين تستوفي المتطلبات القانونية.

ومع ذلك، أُتيحَ للتحالف فرصة كبيرة للتواصل مع منظمة العفو الدولية طوال العام الماضي بشأن المخاوف المثارة. ويظهر أنه إما فشل في الاستجابة، أو تبنى موقفاً رافضاً في كل مرة.

هذا، وقبل نشر تقرير "حرب الإبادة": خسائر فادحة في صفوف المدنيين في مدينة الرقَّة بسورية"*، كتبت منظمة العفو الدولية رسمياً إلى وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة الدفاع البريطانية تطلب معلومات حول الضربات المحددة الموثقة في التقرير، فضلاً عن الآخرين. حتى الآن، لم يقدم التحالف ولا الولايات المتحدة ولا المملكة المتحدة ولا السلطات الفرنسية المعلومات المطلوبة. إذ تركز الإجابات على الخطابات والبيانات العامة، ولكنها لا تقدم أي أدلة أو تفاصيل ملموسة.

علاوة على ذلك، سبق لمنظمة العفو الدولية نشر تقرير آخر يثير المخاوف بشأن حماية المدنيين في سياق الضربات الجوية وقصف المدفعية اللذين قامت بهما قوات التحالف في الرقة، التقرير الذي حمل عنوان سورية: "لن أنسى هذه المذبحة": المدنيون المحاصرون في الرقة، 24 آب /أغسطس 2017. رفض مسؤولو التحالف التقرير ولم يقدموا أي تفاصيل إضافية.

كما سبق لمنظمة العفو الدولية أن اتصلت بالتحالف في منتصف عام 2017 قبل نشر تقرير حول سير العمليات العدائية في الموصل ولم تتلق أي رد. بعد نشر التقرير الخاص بالعراق المعنون ب "مهما كان الثمن"*: الكارثة المدنية في غرب الموصل بالعراق 12 تموز/يوليو 2017، قُتِلَ مدنيون بغارات جوية في منازلهم بعد أن طُلِبَ منهم عدم الفرار من الموصل في 28 آذار /مارس 2017، ورد ممثلو التحالف عن طريق وسائل الإعلام باستخدام لغة الرفض نفسها التي استخدموها لاحقاً فيما يتعلق بتقاريرنا حول الضحايا المدنيين في الرقة.

وجدير بالذكر أن اجتماعات موظفي منظمة العفو الدولية مع المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين في عدة مناسبات في عامي 2017 و201،  لم تسفر عن أي معلومات إضافية.


المصدر: منظمة العفو الدولية Amnesty) )تاريخ النشر: 17 تموز/ يوليو 2018وثيقة رقم: MDE 24/8801/2018 


*  تقرير نشرته منظمة العفو الدولية بتاريخ 5 حزيران/يونيو متوافر أيضاً بالعربية على موقع المنظمة.
*  تقرير نشرته منظمة العفو الدولية في 11 تموز 2017 متوافر باللغة العربية أيضاً على موقع المنظمة.

 

 

بالإتفاق مع مركز دمشق للدراسات

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.