الحرب السورية انتهت وأمريكا هي الخاسرة

الحرب السورية انتهت وأمريكا هي الخاسرة

انتصر بشار الأسد، والأمر يستحق بعض التفكير  لمعرفة سبب خسارة الولايات المتحدة.     

رفعت قوات "النظام" السوريّ في وقت سابق من هذا الشهر علمها فوق مدينة درعا الجنوبية، واحتفلت هناك بانتصارها. ورغم أنَّ سفك الدماء لم ينته، إلا أنه يصعب تجاوز ما ترمز درعا إليه. فأخيراً، تم القضاء على "الانتفاضة" التي بدأت في تلك المدينة يوم 6 آذار/مارس 2011، و"الحرب الأهلية" التي عصفت بالبلاد وزعزعت استقرار أجزاء من الشرق الأوسط وأوروبا ستنتهي عاجلاً وليس آجلاً. لقد انتصر [الرئيس] بشار الأسد -الرجل الذي كان تنحيه مُفترضاً في [ما قيل عنه] "مسألة وقت"- بمساعدة روسيا وإيران وحزب الله على "شعبه"[1].

إنَّ واشنطن مشغولة جداً بـ "حقيقة" أن عدد السوريين اليوم أصبح أقل مما كان عليه بـ 500 ألف تقريباً منذ قيام مجموعة من "الأولاد" باستخدام بخاخات الطلاء لكتابة "الشعب يريد إسقاط النظام" على مبانٍ في درعا منذ أكثر من سبع سنوات. ولكن بما أن القرار قد حُسم حول الصراع في سورية، فلا بد من التفكير بهدف ومكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط الجديد. فالأولوية هي العمل على التخلص من الشعارات التي طالما كانت أساس السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة، والتي أسهمت في إرباك وشلّ سياستها في سورية وغيرها.      

ربما لا يوجد أحد داخل حزام واشنطن الدائري[2] إلا وتم إخباره في مرحلة ما من حياته المهنية حول مخاطر القفز للاستنتاج بناء على أحداث مشابهة. إلا أنه لم يكترث أحد لمثل هذه الدروس.  لقد جاءت "الانتفاضة" السورية في وقت رائع في الشرق الأوسط عندما بدا للناس أن "الحرية" تنتشر في كل مكان. فقد بدأت "تظاهرات القوة الشعبية" بالتحرك في درعا، بعد مدة وجيزة من سقوط الزعيمين القديمين في تونس ومصر. كما أن "الانتفاضة" ضللت حكم الدبلوماسيين وصناع القرار والمحللين والصحافيين، ما جعلهم غير قادرين على تمييز الاختلافات بين منطقة [الرئيس] الأسد ومنطقة بن علي أو بين هيكلية "النظام" السوري والنظام المصري [آنذاك].     


بما أنَّ المجتمعَ السياسيَّ لم يكن يتوقع صمود الرئيس السوري لمدّة طويلة جداً، فوجئ الجميع عندما استمر [الرئيس] الأسد في استراتيجيته بشكل أكثر وضوحاً وفعالية؛ ذلك أن عسكرة الانتفاضة في الوقت نفسه الذي كانت سورية تواجه فيه الميليشيات المتناحرة فيها والجهاديين والقوى الإقليمية، بالإضافة إلى تدخل روسيا، كلّ ذلك جعل تحديد المصالح الأمريكية في هذا الصراع أمراً صعباً. لذلك، أدانت واشنطن إراقة الدماء، وأرسلت المساعدات إلى اللاجئين، ودرّبت "المتمردين الذين تم التحقق منهم*"بفتور"، وقصفت "داعش"، لكنها ظلت خارج الصراع "الأهلي" السوري؛ خشية أن يتم الاعتقاد بأن هذه السياسة تعود للرئيس الأمريكي باراك أوباما، وأن هدفه الخروج [من المنطقة] وليس الدخول في صراعات الشرق الأوسط. وهذا لا يعني أن سياسة خَلَفِه مختلفة بشكل كبير، باستثناء أن الرئيس دونالد ترامب صريح بشأن مغادرة سورية مع موسكو بعد تدمير "داعش". وبينما استمرت الجثث بالتراكم، كان كل ما استطاعت واشنطن التعبير عنه هو القلق حيال مشكلة أخرى قادمة من الجحيم. بالطبع، تختلف سورية عن رواندا، ودارفور، وسريبرينيتشا [في البوسنة] -للحكم عليها عن طريق المقارنة- ولكنها حالة أخرى بمقياس مفتعل، أصابت واشنطن بالشلل. يبدو أنه حتى أولئك الضليعون في التاريخ لا يمكنهم تجنب تكرار هذه الحالة.     

إن العديد من المحللين وصناع السياسة الذين فضّلوا خروج الولايات المتحدة أو تقليل دورها في سورية خلصوا إلى هذا الموقف بأمانة. فقد شجبوا غزو العراق عام 2003، ورأوا كيف تسبب بزعزعة استقرار المنطقة، ومنح القوة لإيران، وأضرّ بالعلاقات مع حلفاء واشنطن، وأثار عنف المتطرفين، ما أدى إلى تقويض الموقف الأمريكي في المنطقة. وبالنسبة للمجموعة نفسها [من المحللين] يبدو أن التقاعس الأمريكي في سورية أدى إلى الشيء نفسه؛ فقد تسبب في عدم الاستقرار الإقليمي، ومنح القوة لإيران، وأفسد العلاقات مع الأصدقاء الإقليميين، وزاد من قوة الجماعات الإرهابية العابرة للحدود. مع ذلك، قد يكون قرار الابتعاد جيداً من الناحية السياسية، ولكن كانت له كلفة كبيرة على موقف واشنطن في الشرق الأوسط.     إنَّ انحسار قوة ونفوذ أمريكا الذي كشفته وسرّعته الأزمة السورية، هو تطور لم يفكر به المجتمع السياسي، لأنه لم يكن مفترضاً حدوثُ ذلك. كما أنه حسب كل المقاييس التقليدية للقوة، فإن الولايات المتحدة، رغم كل شيء، ليس لها نظير، ولكن القوة مفيدة فقط عند تطبيقها، وقد أثبتت واشنطن أنها غير قادرة أو غير راغبة بصناعة الأحداث في الشرق الأوسط مثلما كانت تفعل في الماضي، أي أنها تخلت عن نفوذها بنفسها. قد يكون هذا تطوراً إيجابياً، فلا أحد يريد تكرار ما حصل في العراق. وبدلاً عن واشنطن، قدّمت موسكو نفسها كشريك أفضل وأكثر كفاءة لدول الشرق لأوسط، ولم يكن هناك العديد من المستفيدين [من الشراكة مع روسيا] غير السوريين، ولكن يبدو أن هناك الكثير من المصالح، والصراع في سورية هو السبب الرئيس وراء ذلك.

هذا، وعلى نقيض الطريقة التي أتى بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمساندة حليفه [الرئيس] الأسد في أزمة، رأى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة أن أوباما قد أسهم في الضغط على الرئيس المصري حسني مبارك للتنحي بعد 30 عاماً، ما أفقد واشنطن الكثير من هيبتها في المنطقة. قد لا يحب المصريون والسعوديون والإماراتيون والإسرائيليون وغيرهم [الرئيس] الأسد كثيراً، لكنَّ ردَّ فعل روسيا القويّ لمنع سقوطه وجهودها لمساعدته من أجل تحقيق الانتصار تركا فيهم تأثيراً. لقد أصبحت سورية الآن محوراً لاستراتيجية روسيا لإعادة تأكيد نفسها كقوة عالمية، وإن نفوذها المتجدد في الشرق الأوسط يمتد من دمشق شرقاً عبر حكومة إقليم كردستان إلى إيران ومن العاصمة السورية جنوباً إلى مصر ثم غرباً إلى ليبيا.     ما تزال إسرائيل وتركيا ودول الخليج تتطلع إلى واشنطن من أجل القيادة، ولكنها بدأت أيضاً تطلب مساعدة الكرملين لتأمين مصالحها. لقد أصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى جانب بوتين بشكل ثابت. كما أنَّ الرئيس التركي ونظيره الروسي، بالإضافة لقادة إيران شركاء في سورية. وقد قام الملك سلمان بأول زيارة غير مسبوقة على المستوى الملكي السعودي إلى موسكو في تشرين الأول/أكتوبر عام 2017؛ ويعتقد الإماراتيون أنه يجب على الروس أن يكونوا "على الطاولة" لإجراء مناقشات حول الأهمية الإقليمية. إن الحقبة التي وضعت فيها الولايات المتحدة قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، وحافظت فيها على نظام إقليمي سهل وأقل تكلفة لبسط القوة الأمريكية استمرت 25 سنة، لكنها انتهت الآن.

وأخيراً، يكشف الوضع في سورية عن التضارب العميق بين الأمريكيين تجاه الشرق الأوسط والأهمية المتدنية لما كان يَعُدُّهُ المسؤولون الأمريكيون تمركزَ مصالحٍ لواشنطن فيه منذ مدّة طويلة: مثل النفط وإسرائيل والهيمنة الأمريكية على المنطقة لضمان حمايتهما. يتساءل الأمريكيون لماذا تنتشر القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج الفارسي إذا كانت الولايات المتحدة مهيأة لتصبح أكبر منتج للنفط في العالم. فبعد حربين غير حاسمتين في 17 سنة، لا يمكن لأحد أن يعطي الأميركيين سبباً مقنعاً لماذا يشكل "نظام" الأسد مشكلة بالنسبة لهم. لا تزال "إسرائيل" تحظى بشعبية، ولكن أثبتت لأكثر من 70 سنة أنها قادرة على الاعتناء بنفسها. لقد ترشح أوباما وترامب على منصات تخفيض النفقات، وفازا. إن الجمود في سورية هو الذي يعمل على دفع المجتمع السياسي لفعل شيء ما وكذلك السياسات التي تجعل ذلك مستحيلاً.

ربما الآن وبعد فوز فريق الأسد-بوتين-خامنئي في الصراع السوري، ستكون هناك فرصة للأميركيين لمناقشة مسوّغات ما يُعَدُّ ذا أولويّة في الشرق الأوسط. ولكن، لن يكون الأمر سهلاً. فالكونغرس مُستَقطب ومشلول. إن النهج الذي تتبعه إدارة ترامب في المنطقة يتم اتخاذه من قبل شجاعة الرئيس، فقد استمر في سياسات عهد أوباما بمحاربة الجماعات المتطرفة، لكنه بعد ذلك خالف أسلافه ونقل السفارة الأمريكية في "إسرائيل" إلى القدس. ونقض ترامب الاتفاق النووي الإيراني، إلا أنه لم يفعل الكثير منذ ذلك الحين بخصوص إيران سوى الكلام شديد اللهجة، ولكنه يريد مغادرة سورية "في القريب العاجل"، حتى وإن تعهّد مستشاره للأمن القومي بالبقاء طالما بقيت إيران هناك.

رغم هذا التباين وبسببه، آن الأوان لإجراء نقاش حول الشرق الأوسط. فهناك حجة مقنعة ليتم تنفيذها ومفادها أن المصالح الأمريكية تستدعي وجود دور أمريكي نشط في المنطقة، وهناك حجة أخرى بالقدر نفسه من الإقناع بأن أهداف الولايات المتحدة يمكن تأمينها بدون حروب، وبمشاريع الهندسة الاجتماعية، وبعمليات السلام، وبمحادثات جنيف. وما بينها، كيف تبدو السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط الآن؟ متناقضة وخاملة. وفي ظل هذه الظروف، ستستمر سورية وروسيا وإيران بالانتصار.

الناشر: فورين بوليسي (Foreign Policy)الكاتب: ستيفن أ كوك (Steven A. Cook)


[1] لطالما تحدث الإعلام الغربي عن محاربة الجيش السوري للإرهاب على أنها استهداف للشعب؛ ذلك بغية تحقيق أهداف باتت معروفة للجميع، فقد تبيّن لاحقاً تورّط الدول الغربية مع الإرهابيين بسبب دعمها لهم عسكريّاً وإعلاميّاً؛ وكان آخر دليل على ذلك استقبال الصهاينة للهاربين من القنيطرة ممن يسمون أنفسهم بالخوذ البيضاء الذين كانوا دائماً يتهمون الجيش السوري باستهداف المدنيين بينما يخفون هويتهم الحقيقية والتي انكشفت للجميع بعد ارتمائهم بين أحضان العدو الصهيوني(المترجم).


[2]وهي منطقة في واشنطن يوجد فيها الساسة الأمريكيون ضمن مجال دائري مغلق(المترجم).


*"المتمردون" الذين تم التحقق من عدم انتمائهم للجمعات المتطرفة، أو ما وصفوا "بالمعارضة المعتدلة" (المترجم).

 

بالإتفاق مع مركز دمشق للدراسات

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.