قبضة واشنطن الضعيفة في سورية

الجمل: *بقلم  توني كارتالوتشي ترجمة رنده القاسم:


مع إحكام سيطرة دمشق و حلفائها على معظم الأراضي السورية غربي الفرات، فإن الحرب بالوكالة التي قادتها الولايات المتحدة ضد سورية  لم تفشل فحسب، بل أيضا ستغدو استعادة أراض سورية إضافية أمرا محتما بمشاركة القوات الإيرانية و الروسية. و لكن الولايات المتحدة  لا تزال تسيطر على أراض شرقي الفرات، و كما يحب صناع السياسة الأميركيون، فإن معظم الثروات النفطية السورية تقع في هذه الأراضي المحتلة بشكل غير شرعي من قبل الجنود الأميركيين.

و أيضا هناك مدينة إدلب في الشمال و الريف المحيط بها، و التي لا يزال مصيرها غائما نتيجة وجود القوات التركية و أجندة وتحالفات أنقرة دائمة التغيير.و كل  طرف متورط في هذه الحرب بالوكالة يتبع عددا من الخطط الدبلوماسية و السياسية و العسكرية لتعزيز موقعه قبل انتهاء الحرب.بالنسبة لدمشق و روسيا و إيران، كانت الانتصارات العسكرية الحاسمة عبر غربي  سورية الدعامة المركزية لانتصار سورية في القتال المدعوم من الخارج.و الجهود الدبلوماسية ضمن و خارج الحدود السورية مستمرة و تلعب أيضا دورا هاما في إنهاء هذه الحرب لصالح سورية، بل إن الكثير من المجموعات المعارضة للحكومة تنال الآن العفو و المصالحة.و الولايات المتحدة، التي بذلت جهودها في  حروب عدوانية عالمية  و عقود من الاحتلالات العسكرية و نفوذ جيوسياسي متضاءل، تجد نفسها الآن تعتمد على حيل سياسية عوضا عن تحقيق نفوذ عسكري أو دبلوماسي مهم . 

إن الهجمات الكيماوية الملفقة و الاتهامات السخيفة التي لا أساس لها  و المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان أمور تقف في صف واحد مع الجيش الأميركي. و الطبيعة المتكررة لحيل كهذه  تغذي حلقة مغلقة تفضح عجز واشنطن و تغضبها. و رغم ذلك، فإن واشنطن و أدواتها الكثيرة في المجال السياسي و الدبلوماسي و الإعلامي تستمر ضمن هذه الحلقة. و بهذا فإن الولايات المتحدة لا تزال تملك قواتا في سورية و بشكل مستمر تسعى، لا لعرقلة السلام في سوريه فحسب، بل أيضا ابتلاء إيران بنفس النوع من الحرب بالوكالة، و مثابرة دمشق و حلفائها سوف تري واشنطن هزيمة كاملة في سورية و الشرق الأوسط الأوسع.و مع استمرار انهيار حرب أميركا بالوكالة في سورية، تستمر  واشنطن بالسعي لامتلاك أي نفوذ ممكن، و هذا يتضمن فيضانا من الأخبار و العناوين التي تحاول تحميل الحكومة  الحالية بقيادة الرئيس بشار الأسد مسؤولية سفك الدماء في سورية، و إظهار دمشق على أنها محكومة من قبل "نظام وحشي".

وتأمل واشنطن بتسميم صورة الحكومة السورية بحيث لا يكون هناك مجال للتفكير بأي استقرار سياسي مع استمرار حكم الرئيس الأسد.و مع كل حيلة تؤكد الولايات المتحدة و حلفاؤها ببساطة على أن المعارضة في سوريه ليست وحدها من صُنعت خارج سورية، و التي ساعدت على إشعال الحرب في 2001، بل أيضا العنصر الإنساني  في الذريعة الأميركية من أجل البقاء في سورية. و المثال على ذلك  مقال نشرته صحيفة الإندبندنت تحت عنوان "يجب التحدث عن وحشية النظام السوري" بقلم  أمينة خولاني مؤسسة مجموعة "عائلات من أجل الحرية"، و هي واحدة من جبهات كثيرة مقرها المملكة المتحدة تقدم نفسها كمجموعات للدفاع عن حقوق الإنسان و هي في الواقع لا تتعدى كونها واحدة من عناصر كثيرة في حرب البروبوغندا الغربية ضد سورية.

تقر منظمة عائلات من أجل الحرية في موقعها على شبكة الإنترنيت أنها تلقى الدعم من منظمات "النساء الآن من أجل التنمية" و Dawlaty و "الحملة السورية"، و كلها بدوها ممولة من قبل مؤسسات غربية و الحكومات الغربية ذاتها التي تآمرت من أجل إسقاط الحكومة السورية و شاركت في تسليح و تمويل الميليشيات التي أرسلت إلى سورية للقيام بذلك.المقال، الذي يحاول إعادة  كتابة تاريخ الصراع السوري، يدعي بأن خولاني و عائلتها كانوا مجرد ناشطين مسالمين و مع عام 2012 وصل الجيش السوري إلى أسرتها و أصدقائها و قصف مدنا من أجل إيقاف الاحتجاج، و تقول خولاني مدعية:"قبل بدء الحرب الأهلية في سورية، كنت أعيش في مدينة صغيرة تسمى داريا في ضواحي دمشق مع زوجي و أولادي و أصدقاء مقربين.

عملت كمدرسة تاريخ في مدرسة ثانوية وسط دمشق التي أحبها. و كنت ناشطة بحماس كبير من أجل حماية حقوق الإنسان. و طالما عرفت أن سورية محكومة من قبل نظام مستبد وحشي. و قبل الانتفاضة في عام 2011 لم يكن شعب سورية يملك حقوقا إنسانية، ما من حرية في التعبير، و بالتأكيد لم تكن هناك ديمقراطية.في العشرين من آب 2012 بدأت مذبحة داريا، و استمرت ستة أيام، كانت بعد عطلة العيد مباشرة.

أغلق النظام طرق الدخول و الخروج من المدينة، و ثم بدأ القصف، و استخدموا قذائف هاون و صواريخ و كل أنواع القنابل، و لم يكونوا معنيين بالمكان الذي يستهدفونه".و في الواقع، و حتى باعتراف الإدارة الأميركية، مع نهاية 2011 نشطت منظمات إرهابية، مثل جبهة النصرة، في كل مدينة سورية رئيسية بما فيها مدينة خولاني. و القوات السورية لم تكن تواجه ناشطين سلميين و تقصف متظاهرين، بل كانت تقاتل إرهابيين مسلحين و تعتقل من يمنحهم الدعم المادي.  

و الدفاع عن حقوق الإنسان، كالذي تصوره حملة خولاني الإعلانية، لعب دورا أساسيا في الحرب السورية منذ بدأتها عام 2011. و باعتراف واشنطن نفسها، تم التخطيط للحرب بالوكالة على سورية قبل 2011 بزمن طويل، مع إنشاء مجموعات مقاتلة و تسليحها و تمويلها منذ 2007. فقد تم التخطيط و التحضير ل"الربيع العربي" في 2011 قبل سنوات من "إزهاره". فكانت الاحتجاجات ستارا  من أجل البدء في التدمير المسلح برعاية أجنبية.و الإدعاءات بانتهاك حقوق الإنسان كانت ذريعة بيد الولايات المتحدة و حلفائها في الناتو من أجل غزو و تدمير ليبيا في نفس العام.  و استهدفت سورية بحرب مشابهة أملت واشنطن بأن تكون إعادة سريعة للحرب الليبية.

و تم نقل الكثير من الميليشيات المسلحة من قبل  الغرب و التي قاتلت في ليبيا إلى سورية، و دخلت عبر تركيا و شاركت في الاستيلاء على ادلب و الكثير من حلب.و ضمنيا الولايات المتحدة و حلفاؤها هم من ارتكبوا جرائم متعمدة ضد الإنسانية، بهندسة حرب مدمرة استهلكت كل ليبيا و الكثير من سورية منذ 2011.و عبر الاحتكار الغربي لوسائل الإعلام ،الذي لا يزال فعالا، يتم تشكيل الرأي العام لدفعه للإيمان بأن  ضحايا سلسلة اعتداءات واشنطن المسلحة هم المجرمون. و بأن الحكومات التي تقاتل ضد المتطرفين المسلحين المدعومين من الخارج حكومات "وحشية" و "ديكتاتوية"، و أن المنظمات الإرهابية و من يدعمها "نشطاء" و "مقاتلين من أجل الحرية".

و مقالات مثل تلك التي بقلم خولاني في الإندبندنت تسعى لتشكيل الرأي العام، و الاستفادة قدر الإمكان من ما تبقى من ذريعة الإنسانية التي تم استهلاكها و انتهاكها.و مع الاستمرار بفضح هؤلاء "المناصرين لحقوق الإنسان" و من يمولهم و لأي هدف، سيكون من الممكن حماية شرعية المناصرة الحقيقية لحقوق الإنسان و الكشف كيف يشكل  النوع السابق أكبر خطر عليها.و بالنسبة للصراع السوري، و مع وصوله لنهايته، يمكن أن نتوقع استمرار الولايات المتحدة بالحيل السياسية لاسيما على شكل بروبوغندا بهيئة قلق إنساني. إذ لم يبقى بيد الولايات المتحدة سوى أوراق قليلة، و على الأرجح لن تتمكن  ورقة "الإنسانية" من تحقيق مكاسب لصالح واشنطن، و الاستخدام المتكرر المسيء لهذه الورقة يقوض هذه الحيلة في حال استخدمها صناع السياسية الأميركيين في مكان آخر.

 

 

*كاتب و باحث جيوسياسي عن مجلة New Eastern Outlook  الالكترونية