ليس مسؤولية الأزهر وحده

أي دولة نريد؟ إنه أكثر الأسئلة جوهرية في قضية إصلاح الخطاب الديني، التي تطرح نفسها بشيء من الحدة على السجال العام في مصر من وقت إلى آخر. أسوأ الإجابات ألا تكون هناك إجابة وتبادل الاتهامات من دون أن يكون واضحاً الإطار العام والتوجه الرئيسي، أو المقصود بإصلاح الخطاب الديني، كأن السجال كله معلق على فراغ التأويلات والنوايا وبعض الكلام يتفلت ويؤذي قضيته. إذا كانت الإجابة دولة مدنية ديموقراطية حديثة على ما يقضي الدستور، فإن للإصلاح ضروراته وأصوله وقواعده.


المدخل الرئيسي لإصلاح الخطاب الديني هو إرساء قواعد الدولة المدنية الديموقراطية الحديثة والفصل بين الديني المقدس والسياسي المتغير ومنع إنشاء الأحزاب على أساس ديني، أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل، أو على أساس طائفي أو جغرافي، أو ممارسة نشاط معادٍ لمبادئ الديموقراطية، أو سري أو ذي طابع عسكري أو شبه عسكري، وأن تكون سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، وذلك كله وفق القواعد الدستورية. 

ذلك ليس مسؤولية الأزهر ولا يدخل في طبيعة أدواره. بنص التعريف الدستوري فهو «المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ويتولى مسؤولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم» وشيخه «مستقل وغير قابل للعزل ويجري اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء». وفق ذلك التعريف لا يصح إغفال مرجعية الأزهر في ما يخص العلوم الدينية والدعوة، أو التقليل من شأنها الروحي، أو فرض وصاية عليه أن يفعل أو لا يفعل من دون أن يكون مقتنعاً بأنه يخدم صحيح الدين.

بالنظر إلى طبيعة الأزهر هو مؤسسة دينية، بعض إرثها التاريخي تقليدي ومحافظ، وبعضه الآخر متشدد ومتشكك في دعوات إصلاح الخطاب كأنها تعادي العقيدة، وبعضه الثالث منفتح على العصر من دون تساهل في الأصول، وبعضه الرابع يمضي كما هو معتاد على إيقاع السلطة، أي سلطة. أسوأ مدخل للإصلاح هو اصطناع فجوات وصدامات تفضي عملياً في نهاية المطاف إلى إثارة الشبهات من دون داع على قضية لها ضروراتها.

هناك فارق بين النقد والإجحاف؛ النقد طبيعي ومشروع، والإجحاف تجاوز للحقائق. مما هو تحت مجهر النقد أن بعض مناهج الأزهر الدراسية تناقض روح العصر وتصادم قيم المواطنة، وأنه لم يقم بما هو كافٍ لتنقيتها وفق صحيح الإسلام ووسطيته والتصدي لأي روايات في التراث تسيء إلى الدين وتوسع دوائر الإلحاد به. هذا النوع من النقد له أساس وعليه أدلة ويستحق النظر فيه بجدية.

ومما هو تحت مجهر النقد شيوع التسلف بين بعض علمائه وأنه يؤسس للتشدد والعنف.

إطلاق الكلام على عواهنه خطر حقيقي على الأزهر الشريف، كما على قضية إصلاح الخطاب الديني. لا يعقل أن ينصب شيخ الأزهر محاكم تفتيش للضمائر والأفكار، يفصل ويعاقب بناء على الآراء والاعتقادات، من دون أن يكون هناك حوار حقيقي يؤسس لإصلاح حقيقي في الخطاب الديني. الإصلاح قضية فكرية في المقام الأول لا تصلح معها التعليمات والأوامر.

المشكلة أن ما هو متشدد وعنيف زاده الفكري متوارث ومتوافر في كتب تطبع وتوزع خارج الأزهر، لا هو طارئ ولا عابر، ولا يمكن كسب المعركة معه بالشعارات العامة والاتهامات المرسلة. يقال ـــ عادة ـــ الفكر يواجه بالفكر. البيئة الطاردة التي تحجب حرية الفكر والرأي وحرية البحث العلمي وحرية الإبداع الفني والأدبي وحرية الاعتقاد المطلقة وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، وكلها منصوص عليها في الدستور القانون الأعلى في البلاد، تجعل أي حديث عن مواجهة الأفكار المتشددة محض دعايات، كأنها سراب في متاهات بلا نهاية.

بصياغة أخرى: الأزهر ليس هو عنوان إصلاح الخطاب الديني إلا بقدر ما تساعده البيئة العامة. فلم تكن مصادفة توقيت أن يسعى شيخ الأزهر المجدد محمود شلتوت في ستينيات القرن الماضي إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية، مجيزاً التعبد بالمذهب الإثناعشري. كانت مصر في ذلك الوقت تقود حركات التحرير الوطني في العالم الثالث، تتبنى مشروعاً وحدوياً عربياً لا مذهبياً منغلقاً، فجاء الاجتهاد الأزهري متسقاً مع العصر وروحه وحركة الحوادث التي تدعو للوحدة لا الفرقة بين المذاهب الإسلامية، كما بين المسلمين والمسيحيين.

كانت تلك ثورة حقيقية داخل جدران الأزهر الشريف لا مجرد إصلاح يضبط بعض الكلام ويعدل في بعض المناهج. وأي رهان على أن يضطلع الأزهر الشريف بخطوات من مثل هذا الحجم من دون بيئة عامة تحتضن وتذكي تحليق في الأوهام. وفي العصر الحديث، تولى الإمام محمد عبده مسؤولية التجديد والإصلاح في الخطاب الديني، لم يكن ذلك عملاً مؤسسياً بقدر ما كان اجتهاداً فكرياً لرجل شغلته قضايا دينه وزمنه. تتلمذ عبده على جمال الدين الأفغاني، والتحق بالثورة العرابية، وعندما أجهضت بقوة السلاح البريطاني عام 1882 أحبطته النتائج وبدا له أن المستقبل المصري مرهون بالإصلاح والتعليم. بعده لم يخرج مجتهد بحجم تأثيره، وكانت تلك مأساة ممتدة. 

بعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1923، بدا أقرب تلاميذه محمد رشيد رضا أباً روحياً لمؤسس جماعة «الإخوان المسلمون»، حسن البنا، 1928. على رغم ذلك علت أصوات مجددة تلقت علومها الدينية في الأزهر الشريف، كالشيخ علي عبد الرازق صاحب كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، الذي أثبت فيه أنه لا يوجد دليل شرعي على الخلافة، ولا شكل معيناً للدولة في الإسلام شرط أن تلتزم المقاصد الكلية للشريعة. كانت تلك ثورة فكرية أدت في زمنها إلى ما يشبه الزلزال في الفكر السياسي، كما في الخطاب الديني، إذ نُشر بعد عامين من سقوط الخلافة العثمانية (1925).

لم يكن ذلك أيضاً عملاً مؤسسياً جرى من داخل الأزهر الشريف، لكنه اجتهاد مفكر أتاحت له حرية النشر حق الاجتهاد وسمح اطلاعه على عصره في الجامعات البريطانية أن تتسع نظرته على حقائق عالمه بعد الحرب العالمية الأولى. في توقيت مقارب، بدا كتاب الدكتور طه حسين، «في الشعر الجاهلي»، اجتهاداً صادماً توصل إلى أن الشعر الجاهلي كُتب بعد الإسلام وفق مبدأ الشك الديكارتي. كانت الصدمة ثورة ثالثة في مناهج البحث وحرية الاجتهاد وأثارت سجالات ومعارك على ورق وجرت ملاحقات ومحاكمات انتهت بتبرئته من التهم التي نسبت إليه. لم يكن ذلك عملاً مؤسسياً بقدر ما كانت بيئة عامة تستجيب لتحديات وقتها وتطرح على العقل العربي قضايا جديدة لم يألفها. 
بالتكوين الأساسي هو ابن الأزهر لكن ظروفه سمحت بتلقيه تعليماً عالياً في الجامعات الفرنسية فأعمل المناهج الجديدة بمعايير وقتها في التراث العربي. 

إذا غابت حرية التفكير والبحث فإن مستقر الكلام كله مقابر الصدقة. إنها مسألة بيئة تحرض على الحوار وتفسح في المجال العام وتتقبل الاختلاف في الرأي ولا تحرض عليه وتلتزم القواعد الدستورية الحديثة في إدارة الشأن العام. وهذه ليست مسؤولية الأزهر.

 

 

 عبدالله السناوي

* كاتب وصحافي مصري