الجولان السوري بين التهويد التوراتي والتزوير الصهيوني

الجمل ـ د. إياد يونس:

- تطل هضبة الجولان من الغرب على بحيرة طبرية ومرج الحولة في الجليل ، أما شرقا فيشكل وادي الرقاد الممتد من الشمال بالقرب من طرنجة، باتجاه الجنوب حتى مصبه في نهر اليرموك حداً عرف بأنه يفصل بين الجولان وبين سهول حوران وريف دمشق ومن جهة الشمال يشكل مجرى وادي سعار ــ عند سفوح جبل الشيخ ــ الحدود الشمالية للجولان، حيث تمتد بين بانياس ــ منابع نهر الأردن ــ حتى أعالي وادي الرقاد من جهة الشرق أما الحدود الجنوبية يشكلها المجرى المتعرج لنهر اليرموك والفاصل بين هضبة الجولان وهضبة عجلون في الأردن.تبعد هضبة الجولان 60 كم إلى الغرب من مدينة دمشق.  وتقدر المساحة الإجمالية لها بـ 1860 كم2، وتمتد على مسافة 74 كم من الشمال إلى الجنوب دون أن يتجاوز أقصى عرض لها 27 كم.- يستمد الجولان أهميته الاستراتيجية من عدة عناصر أهمها طبيعة المنطقة الجيولوجية والصخرية وكذلك شكل التضاريس والسطح وعناصر الطبيعة الجغرافية الاخرى مثل المناح والمياه والتربة والنباتات وغيرها مع عدم نسيان عنصر الانسان والتطورات الجيوسياسية التي فرضها موقع الجولان في العهود المختلفة.

- أما بالنسبة لتسمية الجولان: 

فإن الإشتقاق اللغوي لكلمة الجولان يدل على اتصاله بكلمة (اجوال) وهي تعني البلاد التي تعج فيها الغبار ويثبت ذلك ما يحدث فعلاً في الجولان من هبوب للرياح وتعجيج الغبار في نهاية الصيف وبداية الخريف إذ يتغير اتجاه الرياح وتصبح عنيفة وغير منتظمة.وقد سماه العمورون – الكنعانيون  شنير وأيضا حرمون بمعنى المقدس وسماه الفينيقيون سيريون، كما سماه الاشوريون سفيرو، وعرف أيضا بجبل الثلج اذ سمي بالارامية "طور تلجا" كما سمي بالارامية "أرض شوبا" نسبة للاله شوب إله الهواء الذي سميت باسمة بلدة كفر شوبا في العرقوب عند سفوح الحرمون، ولايزال في سفوح في كفر شوبا معبد ضخم يعرف بمعبد بعل جاد، كما جاء ذكر الجولان بملحمة جلجامش بمعنى أرض الخالدين، او جبل الرؤى بسبب الفكر الروحي والتبصر لإنسان الجولان في الفترة الكنعانية، والى الان يسمى عند بعض المؤرخين جبل الرؤى، وسمي بجبل الشيخ كناية الى رأسة المكلل بالثلج، واعتبر الجبل أقدس الجبال وأهم مركز للعبادات عند الكنعانيين، وأطلقو عليه اسم أحد آلهتهم (( بعل حرمون )) وأقامو له هيكلا مازالت بقاياه قرب جدار قصر شبيب. كما عثر على مغارة داخل موقع للقوات الدولية كانت معبدا للإله  إيل. ولاقت معابد الجولان اهتماما بالغا عند الرومان الذين استمرو في تجديدها بشكل مشابه لمعبد باخوس ومعبد جوبيتير، وورد ذكر الجولان برسائل تل العمارنة، وسمي عند الاغريق جولانيتيس بمعنى المقدس وايضا في العصور الكلاسيكية سمي جولانيتس اي الارض الكثيرة العشب، وجولان من الجذر العربي تعني الطواف، كما عنت كلمة الجولان التراب والحصي الذي تجول به الريح على سطح الارض، وجولان تعني ايضا المرتفع او العالي، كما سمي جبل حرمون بحارث الجولان نسبة لاحد ملوك الغساسنة.. كما ورد اسم الجولان قبل الإسلام، فقد أطلق العرب اسم الجولان على جبل في بلاد الشام يسمى جبل الجولان وكان جزءاً من إمارة الغساسنة العرب الذين حكموا في جنوب سوريا وعاشوا وتركوا فيها اثاراً موزعة في أنحاء كثيرة من سوريا لعل أشهرها قصر الحير.

وتأتي أهمية الجولان من كونه عقدة مواصلات هامة بالعمق السوري والدول المجاورة لبنان وفلسطين حتى البحر المتوسط وشبه الجزيرة العربية واليمن السعيد، واستمرارية التسلسل الحضاري من الكنعانين على الشريط المتوسطى حتى الآراميين في الداخل..  الاراميين والانباط والغساسنة. 

اما عن الانتهاكات التوراتية والإسرائيلية للجولان:

تعرض التراث الاثري في الجولان الى سوء استخدام وتفسير من قبل الغربيين وأدى رجال الدين والسياسة والعسكر دورا بارزا في هذا المجال، مما أعطى معظم الدراسات الاثرية في المنطقة طابعا استعماريا وعنصريا ودينيا بحتا ، جسده النهج التوراتي الذي طبع الدراسات الاثرية منذ بداياتها في القرن الثامن عشر، وقاد الى تبلور المدرسة التوراتية في الأثار، التي تمحورت أنشطتها حول إثبات صحة ومصداقية المعلومات التوراتية ، والعهدين القديم والحديث من خلال المكتشفات الاثرية. فكانت حملة تنقيبات أثرية طالت جميع مناطق الجولان التي ورد لها ذكر في التوراة حسب زعمهم محاولة لاحتلال التاريخ بعد احتلال الارض، واقترن ذلك بتسابق معظم الدول الغربية وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا وامريكا والمانيا على إنشاء معاهد للأثار في جميع الدول التي اعتمدت النهج التوراتي وهي معاهد لا زالت تعمل حتى الآن.

فالصهيونية اعتبرت الرواية التاريخية اليهودية حقيقة لا تقبل الجدل، استندت إليها في بلورة أطماعها، مستغلة تزويرها للتوراة وما ورد فيها من وعد إلهي وحق تاريخي بالعودة إلى ما أسموه أرض إسرائيل ( الزائفة )، ويقوم الخطاب الصهيوني والتوراتي على دعم مقولة الأرض الكبرى والكاملة التي تستند على مقولة كل أرض وطئتها أقدامهم، وانطلاقا من ذلك عملت المدرسة الصهيونية التوراتية على تزوير كل الحقائق، وعلى تحريف التاريخ العربي وتزيفه، والآثار العربية دون الاطلاع على الحقيقة وبالأحرى تجاهلها لأغراض تسموا في عقولهم.وكان أول انتهاك لاثار الجولان وتغير معالمها هو الحفر والتنقيب العشوائي ونهب المواقع الاثرية، وعمليات التخريب هذه تمت خلال مرحلتين:

المرحلة الاولى: 

بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فكانت أطماع التوراتيين قديمة وخاصة بمنطقة الجولان اذ قامت عمليات مسح لكافة اراضي الجولان، ففي عام 1869 قام وارن بتنقيبات في جبل حرمون ونهب الاثار التي عثر عليها وغالبيتها كانت تعود للفترة البيزنطية وتم تزوير بعضها ليدل على مكانه لهم في أرض الجولان، واواخر سبعينيات القرن التاسع عشر قام  لورانس بإجراء دراسة ميدانية على غالبية المواقع الاثرية في الجولان بهدف توطين يهود أوروبا.

كما قامت الجمعيات التي شكلها يهود الاغيار بنشاط مكثف في بدايات النصف الثاني من القرن 19 في محاولة لإثبات جغرافية التوراة الدينية تمهيدا لتاسيس الحركة الصهيونية وتوفير العامل التاريخي للمقولات التوراتية وتحريف المعطيات الاثرية التي تمثل وتشكل ماده مهمه في مسألة الحق التاريخي المزعوم وخير مثال ادعائها بالعثور علة اثار يهودية بموقع خسفين.

أما المرحلة الثانية

 كانت مابعد احتلال الجولان اذ قال مائير بن دوف: تقرر هدم جميع القرى في الجولان والمباشرة بالتنقيبات لطمس الهوية السورية للجولان والادعاء بانها ارض يهودية،  وفي صدد ذلك عملت الة الاجرام والتدمير الصهيوني على تخريب العديد من المواقع الاثرية اضافة الى سرقة الكنوز الاثرية في بانياس والحمة وفيق والعال ورجم لهري وخسفين وغيرها، وقامت بإهداء الكثير من القطع الاثرية الى عدد من الحكام و اثرياء العالم كال روتشيلد  و روكفلر كونها عائلات مساندة لهم وتؤيد حقهم في الاراضي التي يغتصبوها.

بعد ذلك بدؤوا بتشويه وتغيير وتغييب وتحريف معالمنا التاريخية والمعطيات الأثرية

كما فعل الفرنسي بنيامين ميشوديل الذي عمل على دراسة القلاع والحصون السورية، إذ أتى على تقسيم جديد للقلاع السورية في الجولان إلى ثلاثة أقسام : ( صليبية – إسماعيلية – إسلامية ) وما يؤسف له أنهم ما زالوا يروجون ذلك دائما.

فكما هو معلوم علميا وتاريخيا هناك ما نسميه العمارة السورية على الطراز الروماني أو البيزنطي أو نقول قلعة دمشق أو قلعة المرقب أو قلعة الصبيبة وهذه بديهيه لدى كل العلماء القارئين للتاريخ والباحثين في الآثار، ولا نقول قلاع صليبية للترويج للتوراتيين والصليبيين الجدد، ولا قلاع إسماعيلية.

ولابد هنا من التذكير ببعض  البعثات الإسرائيلية التي عملت على تشويه آثار الجولان و عملت جاهدة على تغيير معالمه  بما يخدم مصالحهم وتتم بدعم وتمويل من جهات عديدة في إسرائيل وخارجها ومن هذه الجهات:

- مؤسسة المسح الأثري في إسرائيل.

- الجمعية الإسرائيلية للحفاظ على الطبيعة. 

- مؤسسة التذكير بالحضارة اليهودية في نيويورك.

- معهد أبحاث الجولان في إسرائيل.

- المجلس المحلي في قصرين بالجولان العربي السوري المحتل.

- الجامعة العبرية.

- وزارة الدفاع الإسرائيلية.

- سكرتارية الكيبوتس الإسرائيلية.

 - مديرية البحث الإسرائيلي في حركة الكيبوتس في إسرائيل.

 - المجلس الوطني للأبحاث والتطوير في إسرائيل.

 - جامعة بارإيلان.

 - مدرسة نيلسون غلوك للآثار التوراتية كلية الاتحاد العبري.

 - صندوق استكشاف فلسطين بلندن.

 - المركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية.

 - صندوق ليونارد وكاثارين وولي.

 - كلية كرويل اكسفورد.

 - شركة توماس وهدسون.

ومن البعثات الإسرائيلية التي عملت والتي لاتزال تعمل حتى اليوم في الجولان المحتل:

• بعثة برئاسة كليرا بشتاين وشمير ياهو غوتمان C. EPSTEIN - S. GUTMAN 

• بعثة كليرا بشتاين C. EPSTEIN   ومساعديها


 • بعثة موشيه هرتل M.HARTAL 

• بعثة زيغي أورس ماعوز Z.MAOZ

• بعثة سي دفيين C. DAUPHIN 


• بعثة سي دوفين وج0 شونغلد / J. J. SCHONFIELD C. DAUPHIN 

• بعثة ى 0 روث Y. RUTH 


• بعثة داني أورمان D. URMAN


 • بعثة سي0 غوتمان S. GUTMAN


 • بعثة المسح الأثري الإسرائيلي 0

• مديرية أثار الجولان الإسرائيلية 0

• بعثة زيغي أوري ماعوز وآن كليبرو Z. MAOZ _ A. KALEBREW 

• بعثة نيفة آتف N.ATEF 0

• بعثة ماغورين إبنار 

• بعثة آفي غوفر AVI GOPHER 

• بعثة شيمون دار S. DAR : 

• بعثة ف0 تسافيرس V. TSAFERS 

• بعثة أ 0 بيران A. BIRAN 

• بعثة س0 غوتمان S. GUTMAN 

جميع هذه البعثات نقبت في المواقع الأثرية في الجولان العربي السوري المحتل بمختلف عصوره و أجرت مسوحات أثرية في معظم قرى وبلدات و مدن الجولان لتغير المعطيات الأثرية والتاريخية في سبيل إيجاد حجج واهية فشكلت الممارسات الإسرائيلية في الجولان نموذجا معبرا عن تزوير التاريخ خدمة لسياسات توسعية وعنصرية دينية، لقد دخل الآثاريون مع الجنود الصهاينة منذ الايام الاولى للاحتلال وبدأو عمليات مسح وتنقيب مكثف لازالت مستمرة، وطالت كل المراحل والعصور مع تركيز خاص على الالف الاول قبل الميلاد، المرتبط بما يسمى تاريخ إسرائيل القديم، وهم يزعمون أن مكتشفاتهم أثبتت بأن الجولان كان جزءا من مملكة داود وسليمان ، الذي أقاموا فيه القلاع المحصنة والمستوطنات اليهودية منذ مطلع الاف الاول قبل الميلاد، وأن اليهود استمروا بسكن المنطقة حتى العصرين البيزنطي والروماني بدلالة المعابد اليهودية التي قضى عليها المسلمون وما الى ذلك من ادعاءات بهدف تبرير احتلالهم لهذه الارض التي انفردوا بالعمل الاثري فيها و لم يشركوا احدا في اعمالهم ولم يطلع أحد على مكتشفاتهم التي نشروها بالعبرية، وكأنها مخصصة لليهود فقط، ومن يراجع المشورات القليلة التي صدرت بالإنكليزية والفرنسية يدرك حجم الانتقائية والتزوير في تاريخ الجولان ، منذ أن كان جزءا من كنعان و أرام ومن مملكة العرب الايطوريين في الالف الاول قبل الميلاد، والأسوأ من ذلك التسييس المتعمد لتاريخ الجولان واهلهِ القول:


بأن سكان الجولان القدماء كانوا حلفاء واقرباء في العقيدة والدم لليهود ثم اعتبار هؤلاء الايطوريين اسلاف سكان جبل العرب الحاليين، في محاولة خبيثة ومكشوفة لخلق انتماء وتاريخ مشترك بين اليهود وسكان جبل العرب، ورغم كل الدلائل التي ساقها الإسرائيليون حتى اليوم على يهودية المواقع الاثرية في الجولان ، هي أدلة استنتاجية تعتمد على رموز تستخدمها البشرية جمعاء كرمز الاسد والافعى وأقراط العنب، وهي كما هو مبين لدى علماء الأثار، هي رموز تزينيه استخدمتها الحضارة الكنعانية والآرامية والعربية على مر العصور.

وبسبب أهميته هذه تقوم ايضا البعثات الإسرائيلية السابقة الذكر بتضخيم ما يريدونه ويروجون له، فعلى سبيل المثال خربة كنف و قلعة السنام وخرائب دبورة وعين النشوط... إلخ زعموا بوجود كنس يهودية بنيت في الفترة البيزنطية و رغم أن هذا الكلام لا يصمد أمام أي محاكمة عقلية، إلا أنهم يصرون على القول أن الحقبة البيزنطية شهدت ازدهارا في الاستيطان اليهودي في الجولان معتمدين على تزويرهم التوراتي في كتب الهالاخا والتلمود.

ومن اثار التزوير ماقامت به الفرنسية فرانسواز شاتوني في كتابها العلاقات بين مدن الساحل الفينيقي ومملكتي إسرائيل ويهوذا الصادر سنة 1992 في لوفان ، نلاحظ ان الباحثة شاتوني استغلت الاصحاح السابع والعشرين في سفر حزقيال في العهد القديم، وهذا الاصحاح قدم تفاصيل عن الانشطة الاقتصادية لمدينة صور الكنعانية الفينيقية وخاصة النشاط التجاري فتوقفت التوراتية شاتوني عند الشاهد السابع عشر، والذي يتحدث عن سلع تاجر بها أهل يهوذا وإسرائيل في سوق صور، ومن هذه السلع الحلاوي وزيت الزيتون، وقد ناورت كثيرا لتقنع القارئ أن هذه السلع منتوجات إسرائيلية، واصفة الحلاوي بالمنتوج الإسرائيلي ، مبررة ذلك بالقول إن الحلاوي لفظة موجودة في العبرية القديمة بصيغة بنج والحقيقة ان الحلاوي نوعا من المربى الذي انتجته فلسطين القديمة وصور والجولان وهو منتوج كنعاني بحسب النصوص البابلية والحثية وليس إسرائيلي.


أما فيما يتعلق بزيت الزيتون ( شمن ) فقد استغلت شاتوني ذكره في شاهد حزقيال لتتحدث بخيال توراتي كبير عن صناعة وتجارة زيت إسرائيلية ، وقد امعنت في تحريفها متحدثة عن معاصر اكتشفت في مواقع كنعانية مثل لايش وتمنة وتل بيت مريم وبيت شمش ، قائلة: ان هذا النوع من المعاصر يدل على التطور التقني المحسوس في مجال عصر واستخراج الزيت وقد أسهم هذا في وفرة الانتاج وأدى الى الاقبال على التجارة الإسرائيلية باتجاه فينيقيا خاصة ، وهنا لا يمكننا القبول بهذه المعلومات فالمعاصر المكتشفة هي معاصر كنعانية وهي جزء من تقاليد صناعة زيت كنعانية عريقة ،عرفتها جل المدن الكنعانية ، وان عدنا الى العهد القديم فإننا لا نجد فيه اي حديث عن معاصر زيت، والتقنية الوحيدة لاستخراج زيت الزيتون في العهد القديم هي تقنية دوس الزيتون بالأرجل وبهذه التقنية لا يمكن ان يتم انتاج كميات من الزيت كافيه او صالحة للتصدير وانما للاستهلاك الفوري والدهن.

وما زاد خطورة المدرسة التوراتية مشروع ممول من قبل جامعة باريس الرابعة – الصهيونية التوجه ، والمعهد الفرنسي بدمشق بدأ من 2002 وهذا المشروع يخص توثيق قلاع وحصون بلاد الشام من خلال سجل كبير أشرف عليه باحثان من جامعة باريس الرابعة هما بنيامين ميشوديل وسيريل يوفيتش والمشروع يستثنى قلاع وحصون الجولان في سورية من السجل الاثري الامر الذي ينطوي ببساطة على غرض سياسي واضح هو رسم خريطة جديدة لبلاد الشام من خلال سجل اثري ُتخرج الجولان من سورية وفلسطين من بلاد الشام.

أما الأدلة الدامغة التي لا تقبل مجالا للشك فهي تلك العائدة إلى الحقبتين المسيحية والإسلامية، إذ تشير كافة الأدلة التاريخية والأثرية إلى تجذر هاتين الديانتين في الجولان، وهنا يعمل الإسرائيليين والتوراتيين على ترويج أنه تم العثور على أكثر من عشرين كينسا يهوديا في منطقة صغيرة شمال شرق بحيرة طبرية وهو ما يعتبرونه دليلا على أن سكان هذا الموقع من الجولان كانوا يهودا في العصر البيزنطي، غير أن المعضلة الجوهرية في هذه الادعاءات أنها ظنينه تعتمد على حدسهم وعلى الرموز أكثر من اعتمادها على الأدلة العلمية الأثرية والتاريخية، والكنس العشرين عبارة عن أبنية عادية عثر في بعضها على رموز حيوانية ونباتية كانت شائعة في تلك الفترة، وهذه الرموز يمكن أن نجدها في أي مرحلة فهي ليست إلا رموز تزينيه، واعتمدوا على كل الوسائل لإعطائها صفة تدل على تواجدهم، وخير مثال على ما تقدم الكنيسة المسيحية في قصرين التي أجرت البعثات الإسرائيلية عليها بعض الترميمات بما يخدم مصالحهم إذ رممت بطريقة توحي أنها كنيس يهودي عبر إضافة مقاعد حجرية تحيط بالجدران من الداخل والأمر نفسه ينطبق على المبنى العام في قلعة السنام أو جملة كما يسمونها فقد تم ترميم القاعة الكبيرة بالطريقة نفسها أي إضافة مقاعد حجرية تحيط بالجدران، كما تم وضع قطعة معدنية فيها لا يوجد لها مثيل في العالم كتبوا عليها عزة أورشليم، أما كنيس الحمة فقد اعتمدوا في تزويرهم على لوحة فسيفسائية لأسدين قيل إنهما يشبهان أسدي بيت ألفا في فلسطين، دون وجود أي دليل آخر سوى كتابة آرامية تتحدث عن أسماء متبرعين ببنائه، وما يلفت النظر عدم وجود أي شعارات أو عبارات لها علاقة باليهودية بل أن ما يزيد الأمر تأكيدا على تزويرهم وجود لقب أحد المتبرعين هو القمص، وهو اسم مسيحي قبطي معروف.

كما أدى اعتماد الهالاخا كمصدر شرعي لدى التوراتيين والإسرائيليين في تحديد هوية بعض القرى الجولانية باعتبارها يهودية إلى خيبة أمل لدى الإسرائيليين والتوراتيين الذين أقروا بأن القرى التي ورد ذكرها في كتب الهالاخا وهي عينوش وعين حارة ودمبر وكفر حاريب .....إلخ لم يعثر في أي منها على أي أثر يهودي.

ومن زيف الإسرائليين وخداعهم وتحريفهم لمعطيات الجولان السوري للتدليل على أن منطقة ما يهودية ما أورده التوراتي ( أرمان ) في كتابة الجولان في الحقبتين الرومانية والبيزنطية، إذ ورد في مدراش تناعيم في سفر التثنية المثال التالي:         ( انطلق هادريان على الطريق الصاعدة إلى الحمة، وجد شابة من إسرائيل، قال لها من أنت، فقالت له أنا من بنات إسرائيل فنزل عن جواده وركع أمامها) وهناك العديد من الأمثلة عن التزوير التوراتي وتزييفه للحقائق.

إن عبثية التوراتيين والإسرائيليين تتجلى في البحث عن فترات افتراضية للاستيطان اليهودي في الجولان وخاصة في المرحلة البيزنطية كون جميع الأبنية العائدة لهذه الفترة تشترك في خصائص عدة من حيث النمط المعماري وكثير من السمات حيث الكتابات والرسوم التزينية. كما حاول الإسرائيليون خلال تنقيباتهم أن يلفقوا ويزوروا كل ما يستطيعون تزويرة كما حدث في خربة الدالية والدردارة وغيرها فكلما عثروا على بناء مستطيل الشكل وموجه نحو الغرب يقولون انه كنس يهودي، واذا عثروا على بناء مستطيل موجه من الجنوب الى الشمال قالوا انه مدرسة ( بيت مدراش ) دون الاستناد الى اي قرائن اثرية.ولكن الاخطر من كل ما تقدم المشروع الإسرائيلي الصهيوني أركان، الذي بدأ بتاريخ 2002 وانتهى عام 2011، بمشاركة خمس جهات من الكيان الإسرائيلي يهدف الى وضع تسلسل زمني لمنطقة الشرق الاوسط ويحذف المواقع الكنعانية الفينيقية في الساحل السوري من التسلسل الزمني، وقد شارك في هذا المشروع ثلاثون دولة من ضمنها الكيان الإسرائيلي من خلال الجهات الإسرائيلية التالية: جامعة بن غوريون – النقب/ هيئة الاثار الإسرائيلية – جامعة تل ابيب – معهد وايزمن العلمي – جامعة بار ايلان_ وهدف مشروع اركان زج إسرائيل, في تاريخ الشرق القديم و معطياتة الاثرية بدأت من الالف الثالث قبل الميلاد ، بعد وضع تعريف جديد للفترة المذكورة في المنطقة ليكون حجر الزاوية لدراستها على مستوى العالم من وجهة نظر منفذي المشروع أي ان قواعد بيانات المشروع النهائية ستقصي اي قواعد بيانات موجودة سابقا ، او تزامنا مع تنفيذ المشروع ، مما يفسر استهداف مواقع الاثار والمتاحف السورية واستكمال نهب القطع الاثرية من قبل العصابات الصهيونية خلال الازمة في اطار الهوية السورية الحقيقية وخلق واقع جيوسياسي وديموغرافي جديد ومما يفسر ايضا ، كل الفوضى في الاثار وعرقلة مشاريع النشر والتوثيق وفي مقدمتها المشروع المعلوماتي الوطني لتوثيق الاثار والمتاحف السورية.

ومن الممارسات القذرة بناء السطات الإسرائيلية لمواقع عسكرية مستخدمة احجار المواقع الأثرية، وأكبر زيف للكيان المحتل هو اقامة المعارض الدولية لاثار الجولان علة انها يهودية وخاصة في بريطانيا وفرنسا وامريكا.


إضافة إلى ما تقدم في إطار سعيهم لاحتلال التاريخ بعد احتلال الأرض، أشرف المؤرخون الإسرائيليون والتوراتيون على "دراسات" جعلت من بعض المدن الكنعانية مدناً في دائرة التهويد مستغلّين بعض الروايات التوراتية المختلقة، ومبتعدين تماماً عن روايات من التوراة نفسها تنقض وتفنّد مزاعمهم، ومن الأمثلة مدينة "لايش" أو "لشم" (تل القاضي في الجولان) فهي مدينة كنعانية باعتراف التوراة حسب شاهد سفر القضاة7:18: {فمضى الرجال الخمسة حتى وصلوا إلى لايش، فوجدوا أهلها الصيدونيين (أي الكنعانيين نسبة إلى صيدا) مقيمين فيها مطمئنين كعادة الصيدونيين، آمنين لا يؤذيهم أحد في أرضهم، أثرياء ويتمتعون بالاكتفاء الذاتي}... وتقع "لايش" غربي مدينة بانياس بالقرب من شمال فلسطين بجانب جبل الشيخ المطلّ على دمشق، ويطلق المحتلّون الإسرائيليون عليها زوراً اسم "تل دان" استناداً إلى رواية توراتية تتعلق بحديث عن غزو مزعوم قام به "بنو إسرائيل" للمدينة فأطلقوا عليها اسم "دان" - الابن التاسع ليعقوب- حسب شاهد سفر يشوع47:19:{...فهاجموا مدينة لشم واستولوا عليها وقضوا عليها بحد السيف، ثم أقاموا فيها ودعوها دان كاسم دان أبيهم}كما جاء حول المدينة في شاهدين من سفر القضاة29،28:18:{وكانت المدينة تقع في الوادي الذي فيه بيت رحوب (وهو اسم لإمارة آرامية سورية)...ودعوها دان باسم دان أبيهم، أما اسمها القديم فكان لايش...}وهذا الغزو التوراتي محض خرافة إذْ لا أدلّة أثرية علميه، وينفي حدوثه كبار المؤرخين في العالم، ولكن من خلال هذه الخرافة فإننا نثبّت المعلومة الأهم وهي أن "لايش" كنعانية باعتراف التوراة، فالكاتب التوراتي لم يكن يقصد تعريفنا بكنعانية المدينة، و إنما استعراض القوة الزائفة والحدث المزيّف الذي يعطيه مبرراً لامتلاك المدينة حسب عقليـته...وتجدر الإشارة هنا إلى أننا نحن أصحابَ الأرض لا نحتاج إلى شهادة الكاتب التوراتي في كنعانية مدننا، لكننا نحتاج إلى هذه الشهادة لإبرازها للعالم الذي يؤمن بالتوراة ورواياتها، ولمواجهة من يواجهنا بها على غير وجه حق.

وقد عمّم الإسرائيليون اسم "دان" كاسمٍ للمدينةـ على أنها إسرائيلية وطلبوا تسجيلها في لائحة التراث العالمي باسمهم على غرار مدن محتلة أخرى...أفلا تحتاج المنظمة الدولية إلى شرح هذه الملابسات لمنع تهويد هذه المدن؟! فحال "لايش" هو حال عشرات المدن والمناطق الفلسطينية والسورية المتعرّضة للتهويد بنفس الطريقة... ويلجأ الإسرائيليون في أحيان كثيرة إلى التزوير لدعم الروايات التوراتية المختلقة، وما حدث في تل القاضي (لايش الكنعانية السورية) مثال على ذلك حين دسّ الإسرائيليون نقشاً مزوّراً في التل وادّعوا أنه آرامي يذكر "إسرائيل" و"داود" ! وقد كشف زيف هذا النقش عدة باحثينوهكذا كما تقدم معنا من خلال الأمثلة التي أوردناها وهي قليلة بالنسبة إلى مئات الأمثلة الحية التي تؤكد الزيف التوراتي والإسرائيلي للمعطيات التاريخية والأثرية للجولان السوري ومهما غيرو وبدلو وزوروا لجولان ايقونة الهية مشرقة باقية عراقة حضارته تدل عليهمن عصور ما قبل التاريخ حتى يومنا هذا ، فبعد أن تمت كل المسوحات الاثرية والتنقيبات التي اكدت بطلان التصورات التوراتية في الجولان عندت سلطات الاحتلال الى جملة من الانتهاكات الصارخة والاجرام بحق التراث والحضارة السورية الامر الذي دفعها الى تدمير غالبية المواقع الاثرية .