عن الإعلام الشعبي الذي أفرزته الحرب السورية

الجمل ـ *معن صالح:

يقول نبيل صالح : "خلال الحرب على سورية تولد لدينا اعلام شعبي مجاني مختلف تماما عن الإعلام الرسمي ، و أكثرمعن صالح استقطاباً للناس . حتى بات يشكل نبض الشارع ، و كنا نوجه المميزين بينهم حول كيفية مواجهة الإعلام المعادي ، و مع نهايات الحرب و خفوت جذوة الأحداث ، تراجع عدد متابعيها ، فتوجهوا لنقل ما ينشره الاعلام الرسمي من دون ذكر المصدر ، و تمكن وزراء ورجال اعمال و فروع امنية و حزبية من استقطاب بعض الصفحات و المواقع بالمال و السلطة ، حتى باتوا معلنين لأعمالهم و مروجين لأكاذيبهم ، و بما أن بنية تفكير السلطات التي شكلت الإعلام الرسمي بدات تفرض نمطيتها عليهم فقد بدا خطابهم شبيها بالإعلام الرسمي ، لولا أن السوريين الاذكياء سرعان ما يكتشفونهم و ينفضون عنهم ...

مثال : هل تذكرون اخبار الوزير السابق عبدالله الغربي صباحا و ظهرا و مساء على صفحات و مواقع الكترونية محددة .. الآن هذه الصفحات تغني و ترقص للوزير الجديد ، غير أن الجمهور لم يعد يهتم لرقصها ، إذ كيف للقراء المقهورين أن يفرحوا باكاذيب المترفين ؟

إن هذه الصفحات أشبه بضحايا حرب فوق كرسي متحرك خارج سباق الإعلام الشعبي ، و الموعظة تقول : السوري ما بينضحك عليه"

في هذا المنشور للكاتب و الصحفي نبيل صالح يتطرق فيه للإعلام الشعبي الذي نشأ على ضفاف الحرب وصف فيه هذا النوع من الإعلام بكثير من التكثيف ( منشوراً و ليس مقالاً ) ،  الأمر الذي حفزني إلى استكمال موضوع بدأت كتابته قبل فترة عن نفس الظاهرة . و قد اتفق معه في الكثير مما ذكره في منشوره لتسليط الضوء أكثر عليها . 

إن نشأة هذا النوع من الإعلام جاءت كردة فعل طبيعية على الأحداث التي بدأت تشهدها سورية و على الضخ الإعلامي الذي مارسته أكبر و أهم المؤسسات الإعلامية العالمية و هنا لا اتحدث فقط عن الجزيرة و العربية و غيرهما من وسائل الإعلام العربية ، بل الأمر تعدى ذلك وصولاً إلى واشنطن بوست و النيويورك تايمز و ال بي بي سي و اللوموند و غيرها ناهيك عن وكالات الأنباء العالمية التي تعتبر الموجه الأساسي للاخبار في العالم ، هذا الأمر رافقه نشاط مخيف من كبريات مراكز البحوث السياسية و التي بدأت تنشر و تصدر الدراسات و توزعها على مختلف وسائل الإعلام العربية و العالمية ، هذا من جانب ، و من الجانب الآخر كان هنالك إعلام شعبي و جيوش إلكترونية ساهمت بها و خططت لها كبرى شركات العلاقات العامة العالمية ، و كان لهذه الاخيرة الدور الأكبر في الحرب الإعلامية لأسباب عديدة : 

١ - استخدامها وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أساسي . 

٢ - وجود امكانيات تقنية هائلة و جيش من الموظفين و المحللين تحت تصرفها . 

٣ - شبكة علاقاتها الواسعة مع و كالات الأنباء و وسائل الإعلام جعلتها مصدراً للأخبار . 

٤ - القدرة على اطلاق حملات إعلامية مكثفة تشكل ضغطاً أو مساندة لأصحاب القرار . 

٥ - كل انشطتها تظهر على أنها تعبيرات فردية و شعبية و لا تتبع لجهة تتحمل مسؤولية ما يتم نشره . 

٦ - وجود جهات أو افراد أو جماعات على الأرض تدعمها أو تلتقي معها إن كان بشكل مباشر أو غير مباشر . 

لذلك و ردّاً على كل ما سبق بدأ السوريون الموالون للدولة و النظام في محاولات حثيثة لتشكيل جبهة مضادة جاءت  كردود عفوية و فردية و من ثم بدأت تأخذ شكلاً أكثر تنظيماً و استطاعت أن تجد لها حضوراً جماهيريا لا بأس به . و من أهم الأسباب التي أدت لانتشار و دعم هذه الظاهرة يمكن أن نذكر : 

١ - احتفاظ الإعلام الرسمي بلغته الخشبية و عدم انفتاحه إلا على من يمثلون خطابه . 

٢ - عدم مواكبة الإعلام الرسمي للاحداث المتسارعة و خاصة في البدايات . 

٣ - عدم وجود امكانيات تقنية حديثة و متطورة مقارنة بالفريق المضاد . 

٤ - عدم وجود إعلام خاص بالمعنى الحقيقي للكلمة و كل ما هو موجود يدور في فلك الإعلام الرسمي و تابع له . 

كل هذه الاسباب جعلت من مواقع و صفحات التواصل الاجتماعي تسد الفجوة الهائلة التي تركها الإعلام الرسمي ، و يبدو أن هذا الأمر كان يناسب أصحاب القرار فاعتبروا أن الإعلام الجديد و الناشئ هو إعلام رديف ، و من ثم اصبح يقول ما لا يريد قوله الإعلام الرسمي و كأنه ناطق رسمي دون ذكر المصدر ، و من هنا بدأت العلاقة العضوية بين الرسمي و الشعبي ، و تحت هذا المفهوم و هذه العلاقة بدأت الارتباطات تأخذ اشكالاً مباشرة مع جهات بعينها حكومية و سياسية و اقتصادية و امنية و غيرها ، و تم تطوير العمل بشكل يمكنهم من تنظيم و اطلاق حملات إعلامية فعالة في بعض الاحيان .   

و في مراجعة لتلك المرحلة نجد أنها افرزت شرائح عديدة من الناشطين بمجالات عديدة لم تقتصر على النشاط الإعلامي الالكتروني  بل تعدتها الى العمل الإعلامي الميداني ازدادت فعاليتها بعد تشكيل مجموعات الدفاع الوطني و القوى الرديفة للجيش و انتشارها في ميادين القتال الامر الذي رافقه مواكبة إعلامية من نشطاء ميدانيين و صفحات و مواقع اليكترونية خاصة بها احياناً . و هنا لا بد لنا أن نذكر تعمق خبرة شرائح واسعة من المواطنين و خاصة الذين يمتلكون تحصيلا علمياً لا بأس به ، فقد شكلت صفحات التواصل الاجتماعي مجالا خصبا للتعبير عن آرائهم و افكارهم و معاناتهم ايضاً طوال سنوات الحرب ، مما جعلهم يمارسون دوراً قريباً من عمل الإعلامي اذا ما تذكرنا أن اي نوع من النشر هو بمثابة عمل إعلامي ، لكن الفارق هنا أن هذه الشرائح لا تكتب او تشارك بهدف ممارسة العمل الإعلامي بقدر ما هي تعبر عن آرائها . و مع ذلك نجد أن الكثير من هذه الشرائح وجدوا لهم متابعين مهتمين بنتاجاتهم و آرائهم . اذاً شكلت كل هذه الظروف فرصة مواتية و خاصة عند فئة الشباب للعمل في الميدان الإعلامي و افرزت مجموعات يمارسون مهنة الإعلام انطلاقاً من خصوصية الاحداث التي تمر بها سورية . و يمكن تصنيفهم حسب النتائج كالتالي :   

١ - الموهوبون : و هم الفئة التي ارتقت بعملها الإعلامي و طورته علمياً و ثقافياً و بدأت ممارسته بشكل احترافي لدرجة أن بعضهم استطاع أن يصل الى مرحلة التحليل و الرأي . 

٢ - الميدانيون : ارتكز عملهم على الجانب الميداني رغم صعوباته و درجات الخطر التي يمكن أن يتعرضون لها ، و قلة منهم استطاع الإرتقاء الى الاحترافية في التغطيات الميدانية ، أما القسم الأكبر فقد اكتفى بتغطية الأخبار و بث الصور و رفع الهمم أو الدعاية لمجموعات أو شخصيات بعينها . 

٣ - الفئة الثالثة و هم السواد الأعظم ( تركز عملهم على نشر الأخبار ) . وهم فئة لا يستهان بجهودهم و باهميتها في حالات كثيرة . لكن لا يمكننا أن نطلق عليهم صفة الإعلامي ، فعملهم اقرب الى العمل التقني و الوظيفي اكثر مما هو في الجانب الابداعي للعمل الصحفي و الإعلامي . و بعضهم قابل للتطور في الاداء  إن اتيحت لهم الظروف المناسبة من تعليم و تدريب . و هنا لن اشكك في دوافع اولئك الشباب لاختيار العمل الإعلامي ، لكن هذا لن يمنع من وجود الوصوليين او اللاهثين خلف الشهرة و المصالح الخاصة و ضمن الفئات الثلاث السابقة  . 

ساعود مجدداً الى ما كتبه الصحفي و الكاتب نبيل صالح عن العلاقة الجدلية بين سخونة الأحداث و ممارسة العمل الإعلامي لتلك المجموعات ، و أكثر ما لفت انتباهي في نهاية منشوره تعبير "  أن هذه الصفحات اشبه بضحايا حرب على كرسي متحرك خارج سباق الإعلام الشعبي " و هو توصيف صحيح  . و هو يقصد صفحات بعينها يقف وراءها إعلاميون اصحاب مصالح خاصة مرتبطون  بجهات خاصة . و سؤالي هنا ماذا عن الصفحات الباقية ؟ من سيضمن لها الاستمرارية مع تخافت حدة الاحداث ، ما هو مصيرها ؟ ماذا عن الشباب  الذين آمنوا بها و بعملها طيلة الاحداث ؟ ألن يصبحوا ضحايا حرب حقيقيين  ؟ حسب الواقع الراهن يبدو أنه لا سبيل آخر امامهم ، سيجلسون على الكرسي المتحرك بصمت ،و بانتظار موت رحيم .

* إعلامي سوري مخضرم