نسخة جديدة من البشر!

تكنولوجيا جديدة تطرحها شركة «نورالينك»، ستمكّن البشر من ربط أدمغتهم بالحواسيب والهواتف الذكية، وصولاً إلى ربط المستخدم نفسَه بالذكاء الاصطناعي إذا ما أراد ذلك. أجل، لقد حصل ذلك بالفعل، والأمر ليس فصلاً في إحدى قصص الخيال العلمي، بل هو واقع يمكن أن يصل إلى حدّ أن يصبح البشر متّصلين جميعاً بشبكة واحدة تلقّنهم المعرفة ذاتها، ما يعني القضاء على أحد مفاهيم حرية الوصول إلى المعلومات.


خلال حديثه الإذاعي مع جو روغان، العام الماضي، سُئل إيلون ماسك (صاحب شركتي «تِسلا» و«سبايس إكس» وغيرهما): متى سيصبح البشر من السايبورغ «Cyborg» (تسمية تُطلق على البشر الذين دمجت أجزاء من أجسادهم بالآلة)؟ أجاب ماسك: «نحن الآن بالفعل من السايبورغ، الهاتف الذكي في أيدينا طوال الوقت، لقد أصبح امتداداً لنا وجزءاً منّا. المشكلة الوحيدة التي نواجهها اليوم، هي كيف يمكننا أن نتواصل مع الهاتف الذكي بشكل أكبر وأسرع، كأن نضع عليه ذكريات وأفكاراً ونستعيدها متى أردنا وكأنه جزء من دماغنا، الحلّ يكمن في وصل الدماغ بالكومبيوتر بطريقة جديدة. إن الطريقة الحالية غير كافية».


لقد تمكّن قرد من التحكم بجهاز كمبيوتر بعقله


في شهر تموز/ يوليو من عام 2016، أسّس إيلون ماسك وبعض المستثمرين شركة «نورالينك» في كاليفورنيا. كانت أعمال الشركة سرية، إلا أن متابعة الملياردير الشاب في مؤتمراته وعروضه، كانت توحي بأن شيئاً ما يتحضّر. يوم الثلاثاء الماضي، وعلى منصة «أكاديمية كاليفورنيا للعلوم»، وقف ماسك أمام جمهور من الطلّاب والمتابعين. في هذا اليوم، لن يعلن إطلاق صاروخ جديد، ولا حتى أحدث موديل لسيارات «تِسلا»، بل سيقول إن شركة «نورالينك» قد أوجدت تقنية جديدة لربط أدمغة البشر بالآلة بعد عامين من الأبحاث والتطوير.

سيجري الأمر عبر زرع مستشعرات (Sensors) داخل الطبقة الخارجية للدماغ، تطلق «نورالينك» عليها اسم «Threads»، وبحجم أصغر من شعر الإنسان، إذ إن أي شيء أكبر من ذلك قد يضرّ بالدماغ بحسب قول ماسك. هدف هذه المستشعرات فكّ شيفرة النبضات الكهربائية التي ترسلها الخلايا العصبية في الدماغ، لتعود وتحوّلها من الـ«Analog» إلى «Digital» (أي جعل أوامر الدماغ أو الأفكار مفهومة للكومبيوتر ــ أي إنها ستُكتب بلغة الأصفار والآحاد ــ 0100). هذه المستشعرات تعمل وفق ثنائية «القراءة والكتابة» (Read and Write)، أي يمكنها نقل فكرة ما أو كتابة أخرى في الدماغ.

 

كذلك لها أسلاك ستمتد تحت فروة الرأس لتصل إلى خلف الأذن، ومن ثم سيُوضَع جهاز صغير خلف الأذن، ليتواصل مع الأسلاك ويبث إشارة «بلوتوث». سيتمكن الإنسان «المُحسَّن» عبر هذه التقنية، من التواصل مع الكومبيوتر أو الهاتف، عبر إشارة الـ«بلوتوث» وبمجرد التفكير في الأمر. يقول ماسك إن هذه التقنية ستبدأ بمعالجة الأمراض مثل الباركنسون، وستتمكن من إعادة البصر إلى عميان، والمساعدة على الإحساس باللّمس، وحتى التخاطر! ولكن في نهاية المطاف، سيُربَط الدماغ بالذكاء الاصطناعي «إذا ما أراد المستخدم ذلك». وأضاف ماسك أن «نورالينك» لا تنوي البدء بالاستحواذ على أدمغة البشر، مشيراً إلى أنه «في النهاية، جلّ ما نريده تحقيق تعايش بين البشر والذكاء الاصطناعي. إذ حتى في أفضل السيناريوات، سيتخلف البشر عن مجاراة الذكاء الاصطناعي، فيما دمجُنا معه يعطي البشرية فرصة العيش ضمن بيئة جديدة، البقاء فيها للأذكى».


إضافة إلى ذلك، صنعت «نورالينك» جهازاً جديداً ليقوم بالعملية نيابة عن جرّاح الدماغ. وفي هذا المجال، تقول الشركة إن العملية غير مؤلمة ولا حاجة لحلق شعر الرأس للقيام بها، كذلك لا حاجة ليبيت المُستخدم في المستشفى، إذ إن الإجراءات ستنتهي في وقت قصير. يشبّه ماسك الأمر بعملية الـ«لايزيك» لـ«تصحيح» قرنية العين، ويطمح في السنوات المقبلة إلى صنع جهاز جديد يقوم بالجراحة عبر تقنية الـ«لايزر»، إذ رغم حداثة الجهاز الحالي، إلا أن العملية ستُجرى عبر ثقب الرأس نحو ملمترين.

تنتظر «نورالينك» موافقة الـ«FDA» (إدارة الأغذية والعقاقير الأميركية)، العام المقبل، فيما ستبدأ الشركة أولى تجاربها على البشر في منتصف العام نفسه. علماً بأن الشركة قامت بالعديد من التجارب على الحيوانات، مثل الفئران المخبرية والقردة. وفي فقرة الأسئلة والأجوبة من عرض ماسك، قبل ثلاثة أيام، كشف عن نتائج لم يتوقع أحد من العاملين معه أنه سيعلن عنها، إذ قال: «لقد تمكن قرد من التحكم بجهاز كمبيوتر بعقله».


أي مستقبل ينتظرنا؟

محبّو إيلون ماسك يشبّهونه دائماً بشخصية توني ستارك، الرجل الحديدي من «مارفل كوميكس»، ذلك الملياردير العبقري، الذي أنقذ البشرية مرات لا تحصى، حتى وجب عليه أخيراً التضحية بنفسه لهزيمة «ثانوس». غير أن ما عُرض، أخيراً، من قبل ماسك و«نورالينك»، لا يشبه توني ستارك بشيء. يوم ساعد ماسك شركة «Open Ai» عبر تمويلها، قال إن «هدف هذه الشركة خلق ذكاء اصطناعي حر، لمواجهة الذكاء الاصطناعي الذي ستخلقه الدول والشركات الكبرى». إذ إن الصراع الطبقي في المستقبل لن يكون بالشكل الذي أخبرنا عنه كارل ماركس، بل سيكون بين «البشر العاديين» و«البشر المحسَّنين». في حديث إلى قناة «روسيا اليوم»، عام 2017، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن «الذكاء الاصطناعي هو المستقبل، ليس بالنسبة إلى روسيا فحسب، بل للبشرية جمعاء. إنه يأتي بفرص هائلة، ولكن أيضاً بتهديدات يصعب التنبؤ بها. من يصبح القائد في هذا المجال سيصبح حاكم العالم». لم يعد الأمر يتعلّق بمن يمتلك أكبر ترسانة من القنابل النووية، بل بمن يمتلك الذكاء المطلق. يقول ماسك إن المستخدم لهذه التقنية في المستقبل، سيكون له الخيار في أن يرتبط مع الذكاء الاصطناعي أو لا. ولكن، هل فعلاً ستكون الأمور بهذه البساطة؟ ثم إن هذه التقنية تسمح لمن هم متصلون بها بالحصول على خبرات ليست لهم، تحديداً عبر تقنية الـ«Read and Write». يمكن تخيّل أن المعرفة التي يحصل عليها كل شخص، إن كان عبر الدراسة أو تجاربه الخاصة في الحياة، سيتمكن من نقلها إلى شخص آخر! ويمكن القول إن كل السنوات المدرسية والجامعية ستُختزل بعملية تحميل (Download) بسيطة إلى الدماغ. لذا، كيف يمكن أيَّ بشري بعد معرفة ما ستقدّم له هذه التكنولوجيا، أن يختار عدم الارتباط بالذكاء الاصطناعي؟ حرية الاختيار هنا مجرد وهم، فيما الخوف الأكبر يتمثل في تحوّل البشر إلى «سايبورغ»، متّصلين جميعاً بشبكة واحدة تلقّنهم المعرفة والخبرات ذاتها، ما سيقضي في نهاية المطاف على حرية البشر. والمحزن أن أحداً لن يعلم ما حصل.

إيلون ماسك... بطاقة تعريفية


لا يعمل إيلون ماسك في مجال واحد، وهذه ميزته. ينتقل الرجل بسلاسة بين السيارات الكهربائية، الخدمات المالية، استعمار المريخ بصواريخ تُستعمل عدّة مرات. حتى إنه دخل في مجال محاربة الاحتباس الحراري، وحلّ أزمة ازدحام السير عبر حفر الأنفاق، فضلاً عن دمج دماغ الإنسان بالذكاء الاصطناعي. يعدّ ماسك، اليوم، من أشهر الأشخاص في عالم التكنولوجيا وأثراهم، إذ احتل المرتبة 15 على لائحة «فوربس» لأثرى أرباب التكنولوجيا، عام 2016، وبلغت ثروته هذه السنة 13.9 مليار دولار.

 



الأخبار