ترحيل اللاجئين من تركيا: ضغط إقتصادي أم تنفيذ للتفاهمات؟!



يارا انبيعة: تحول ملف اللاجئين السوريين، في لبنان والأردن وتركيا بالتحديد، إلى قضية عامة، وموضوع جدل في الأوساط السياسية والشعبية بعدما كانوا مكان ترحيب فيها خلال المراحل الأولى للأزمة السورية قبل أكثر من ثماني سنوات.

في لبنان، بات “النازحون السوريون” قضية مركزية في ضوء ما يتعرض له هؤلاء من حملات سياسية وإعلامية تطالب بترحيلهم وإعادتهم إلى بلادهم رغم المخاطر المحيطة بهذه العودة. ومع تراجع الخطة الروسية – اللبنانية لإعادة النازحين إلى حد الإحتضار، يواجه السوريون في لبنان حملة متعددة الأوجه، يمثل “التيار الوطني الحر” ورئيسه وزير الخارجية، جبران باسيل، رأس حربتها.

وفي الأردن، ترافق العيش داخل مخيمات اللجوء السورية الأربعة صعوبات معيشية أقل، وفقاً لبعض الحقوقيين، حيث يمكن للمقيم داخل المخيم العمل أحياناً دون تصريح عمل، كما تتلاشى معوقات السكن والإيجار، وكذلك بالنسبة لمعاملات الأحوال الشخصية خاصة بعد استحداث محكمة شرعية داخل مخيم الزعتري، وفقا للمديرة التنفيذية لمركز العدل للمساعدة القانونية، المحامية هديل عبد العزيز.

أما في تركيا، فتزداد أوضاع السوريين سوءاً بعد أكثر من 8 سنوات على اندلاع الحرب في بلادهم. وبعدما كانوا في البداية محل ترحيب من حكومة “حزب العدالة والتنمية”، التي دأب مسؤولوها على وصفهم بـ “المهاجرين” ووصف الأتراك بـ “الأنصار”، بدأ الحديث عن إجراءات مشددة ضدهم إلى جانب التضييق عليهم رغم تمتعهم بالحماية المؤقتة.

وكان لافتاً ما جاء في تصريحات للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من أن حكومته ستتخذ خطوات جديدة تجاه السوريين المتواجدين في بلاده، تتضمن ثلاثة ملفات هي التشجيع على العودة، وترحيل مرتكبي الجرائم، واقتطاع الضرائب في المستشفيات. وجاءت تصريحات الرئيس أردوغان خلال اجتماع للجنة المركزية لـ”حزب العدالة والتنمية”، حيث نقل بعض نواب الحزب تنامي ردود الفعل السلبية من الشارع التركي، بغض النظر عن الإنتماءات الحزبية أو السياسية، تجاه السوريين إذ دعوا إلى تطبيق سياسة جديدة تجاههم.

وردا على مطالبات النواب، قال الرئيس أردوغان “كان علينا أن نفتح أبوابنا للسوريين، لم يكن بإمكاننا أن نتجاهل ما كان يحدث وفتحنا لهم أبوابنا، تخيلوا لو حدث لنا مثلهم، من الذي سيساعدنا، لكن على كل حال الآن سيكون لدينا خطوات جديدة في هذا الصدد، سنتخذ الخطوات اللازمة لتشجيعهم على العودة، سنرحل من ارتكب منهم جرائم وسنأخذ الضرائب على العلاج الطبي الذي يتلقونه.”

تحريض سياسي

ثمة أسباب عديدة وراء عودة مسألة اللاجئين السوريين في تركيا إلى دائرة الضوء مرة أخرى، منها ما يتعلق بظروف اللجوء السوري، وارتفاع عدد اللاجئين بحيث أصبحوا يشكلون ما يقارب على 4.6% من عدد سكان تركيا، واختلاف الثقافات والعادات والتقاليد، والأزمة الإقتصادية التي تمر بها أنقرة، والعمليات العسكرية التي لا بد وأن يقع خلالها ضحايا من الجنود الأتراك. لكن أخطر تلك الأسباب على الإطلاق، هو التحريض السياسي الذي لجأت إليه الأحزاب التركية في توظيف وجود السوريين كورقة ضغط في انتخابات بلدية اسطنبول الأخيرة.

هذا ويبلغ عدد اللاجئين السوريين في تركيا، بحسب إحصائيات وزارة الداخلية التركية، حوالي ثلاثة ملايين و630 ألف سوري يقعون تحت بند الحماية المؤقتة، وأكثر من مليون أجنبي، من سواهم ممن لديهم بطاقات إقامة، فضلاً عن 300 ألف شخص تحت بند الحماية الدولية.

في هذا الشأن، يشير وزير الداخلية، سليمان صويلو، إلى وجود 5 ملايين أجنبي مقيم في تركيا، بينهم حوالي مليون شخص في إسطنبول لوحدها، ويضيف الوزير بأنه قد تم اعتماد خطة تنفيذية تشمل ثلاثة مجالات، هي الهجرة غير القانونية، والهجرة النظامية، والحماية المؤقتة.


ترحيل المخالفين

ثمة ظروف ضاغطة دفعت حكومة “العدالة والتنمية” إلى إعادة النظر في ملف وجود السوريين في مدينة إسطنبول، على وجه التحديد، حيث أصبحت مشكلة ينبغي حلها على وجه السرعة. لذلك، فقد ترافقت إجراءات ترحيل المخالفين مع سلسلة لقاءات جمعت المسؤولين الأتراك بممثلي هيئات المجتمع المدني السورية.

لكن تعاطي السلطات الأمنية المتسرع والنزق مع ملف المقيمين السوريين في إسطنبول، أدى إلى وقوع أخطاء وانتهاكات بحق بعضهم أثناء حملة الترحيل، مثل تسفير شاب هو المعيل الوحيد لعائلته على الرغم من حصوله على إقامة مؤقتة لكنه نسيها في المنزل ولم تقبل الدورية بذهابه وإحضارها. فمنطق الأمور لا يشير إلى ترحيل لاجئ لسبب من هذا النوع حيث لا يمكن اقتلاعه من مكان إقامته وتسفيره خلال ساعات. حتى أولئك المخالفين، بسبب التغاضي عنهم لفترات طويلة، أصبح لديهم ارتباطات عائلية وعلاقات اجتماعية، ومتعلقات بالعمل والدراسة وحقوق الآخرين.

قانون استثنائي

في إشارة لافتة، أعلن الرئيس أردوغان عزم بلاده منح عدد من السوريين الجنسية التركية، من خلال قانون استثنائي، بهدف الإستفادة من الكفاءات والخبرات المتوفرة لديهم، ومن الطبيعي جداً أن تقوم بعض أحزاب المعارضة بالإعتراض على قانون تجنيس السوريين. إلا أن الأهم من ذلك هو أن القانون لم يتم شرحه بالقدر الكافي لرجل الشارع العادي، مما تسبب بالعديد من الإعتراضات التي انعكست على السوريين سلباً.

في الجهة المقابلة، تسبب الإعلان عن منح الجنسية التركية للسوريين، في ولادة أمل لدى ملايين السوريين داخل تركيا وخارجها، بإمكانية بل بأحقية كل واحد منهم بالحصول على الجنسية، مما خلق سباقاً محموماً، وفتح الباب واسعاً أمام الإستغلال، وسلبيات كثيرة لا يتسع المقام لذكرها.

بالنسبة إلى هذا القانون وفضلاً عن كونه أحد الأسباب الرئيسية المؤدية لحالة الإستياء من السوريين، فإنه لم يُرض السوريين أنفسهم. فبإستثناء من حصلوا على الجنسية التركية، يعترض الباقون بأنها مُنحت لمن لا يستحقها.

إنفاق ضخم وعدم إندماج

تقول المصادر الحكومية بأن مجموع ما تم إنفاقه على السوريين حتى الآن، تجاوز 37 مليار دولار. هذا الرقم، أصبح يثير حفيظة المواطن التركي خصوصاً وأن البلاد تعيش حالة ركود اقتصادي، كما لم يتم اطلاع المواطن على آلية حساب هذا المبلغ الضخم، ولا طريقة إنفاقه، هذا إضافة إلى تحريض المعارضة ودعاياتها السلبية.

إلى ذلك، تمايز السوريين وضعف اندماجهم في المجتمع التركي اجتماعياً، ما أدى إلى انغلاقهم على أنفسهم، فهم لم يخالطوا جيرانهم الأتراك حتى، ولم يحتكوا بهم، ولم يعايشوهم ولم يشاركوهم مناسباتهم الاجتماعية. اقتصادياً، بنى السوريون لأنفسهم اقتصاداً مستقلاً ومنغلقاً، يتناسب مع ثقافتهم في الطعام والإستهلاك، فأسسوا صناعاتهم الخاصة بهم، وفتحوا محلاتهم التجارية التي تروج لمنتجاتهم المتمايزة في غالبها عن منتجات أهل البلد.

هذا التمايز وعدم الإندماج، خلق عند الطرف الآخر حالة من التوجس والحذر، أعقبتها حالة من الإستياء، ومما زاد الطين بلة، الحركة الدؤوب لدى السوريين، إذ أصبح من المستحيل الذهاب إلى مكان لا يتواجدون فيه، خصوصاً في اسطنبول، مقابل عادة التزام البيوت عند أهل البلد.

لكن اللافت أنه وعند كل استحقاق انتخابي، لا بد وأن يصاحبه استقطاب سياسي وتوتر اجتماعي إذ تعمد الأحزاب السياسية المتنافسة إلى استخدام جميع ما في حوزتها من أوراق، حيث تعد مسألة اللاجئين السوريين من أهمها حيث لكون المعارضة تستخدمها للهجوم على الحكومة، ما يثير النزعة القومية بين فترة وأخرى. فكثرة الإستخدام تلك، ساهم في خلق أجواء سلبية ضد السوريين.

الدوافع والأسباب

في هذا الشأن، يقول الأستاذ دانيال عبد الفتاح، الخبير في الشؤون التركية “عملياً وقبل الحديث عن ترحيل السوريين، يجب أولاً النظر إلى الأسباب التي كانت الدافع وراء قيام تركيا بإستجلابهم إليها، وتقديم كل تلك الإمتيازات لهم وتشجيعهم للمجيء إليها. في بداية الأزمة، إعتبرت تركيا اللاجئين ورقة ضغط سياسية، للضغط على سوريا، إضافة إلى اعتبارهم رافداً لتزويد المنظمات الإرهابية بالشباب السوري، إضافة إلى الجيش السوري الحر، والمجلس الوطني الذي يعتبر حكومة منفى.”

ويضيف عبد الفتاح أن “تركيا استغلت هذا الملف بطريقة جدا جدا ذكية، إذ خلقت منهم حكومة، وجيش، ومجلس يشبه البرلمان. طبعاً، كل ذلك هدفه تشكيل نوع من الضغط على دمشق للحصول على نتائج سياسية كبرى من تواجد السوريين، حيث وصل الأمر للتفكير بالذهاب إلى إجراء انتخابات إلى حكومة وطنية فيها قوامها السوريين المتواجدين على أراضيها.”

بالعودة إلى السيطرة على محافظة حلب، يقول عبد الفتاح بأن الخطة، لو نجحت، كانت “ستشكل فصلاً جديداً من الأحداث حيث كان من المقرر نقل هذه الحكومة المنتخبة تركياً إلى حلب من غازي عنتاب لتكون حلب المدينة عاصمتها. لكن الخطة فشلت وسقط المشروع الموازي، فإستعاضت عنه تركيا بتجنيس العديد من أصحاب الشهادات والمستثمرين، وهم يشكلون عدداً ليس بقليل، فيما بقي اللاجئ السوري العادي بدون عمل أو إنتاج ويحتاج إلى الإعانات، وهو ما سبب هذا التوتر في الشارع التركي.” وإنطلاقاً من هذه النقطة بالذات، يقول عبد الفتاح بأن تركيا “بدأت بترحيل هذه الفئة غير المفيدة غلى المناطق الآمنة لأنها مناطق خارجة عن الحرب وبعيدة عن التوتر، إضافة إلى أن القانون الدولي يسمح للدول بترحيل اللاجئين إلى تلك المناطق فقط. ولتبرير هذه الخطوة، إدعت الحكومة بأن ما تقوم به يأتي إنفاذاً لإرادة الشعب، الذي لم يؤيد يوماً الحرب على سوريا.”

أما فيما يخص الترحيل القسري، فيشير الباحث عبد الفتاح بالقول “طبعاً، فبعد أن يتمم السوري، صاحب الجرم، المهلة القانونية يتم ترحيله إلى هذه المناطق الآمنة بعد التوقيع على وثيقة بحضور أحد مندوبي الأمم المتحدة كي لا يتم إتهام تركيا أممياً بأنها تفرض على الشخص التوقيع القسري بالترحيل.”

ويختم الباحث عبد الفتاح بالقول “بكل الأحوال عندما يصل أي سوري تلك المناطق الآمنة، كجرابلس أو إعزاز، فهو بالنهاية يستطيع العبور الى مناطق الدولة ولا يوجد مشكلة طبعاً في عبوره وتوجهه إلى بيته حتى لو كان في حمص أو درعا أو دمشق. فعلى ما يبدو، لقد باعت تركيا اللاجئ السوري كما باعت التنظيمات الإرهابية قبل ذلك، وستبيع كل شيء. ففي منتصف العام 2020، ستضع أنقرة يدها في يد دمشق وستستأنف العلاقات مجدداً، عبر الوسيط الروسي، لتعود بعدها الأمور إلى سابق عهدها.”

ختاماً، إن الوجود السوري في تركيا هو سلاح بحدين وقناع بوجيهن، وهي عصا للمنافع والمكاسب التي يستثمرها التركي في اليد العاملة إضافة إلى مطامعه أيضاً في الحدود لا سيما إيجاد حل لمشكلته مع الكرد التي تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم – برعاية أمريكية. فاللاجئ السوري لم يعد “بضاعة رائجة” للمتاجرة في دول الجوار، بالتحديد. فهذه البلاد، التي لم يعتقد أحد يوماً أنها ستكون عطوفة على السوريين، أنهت حاجاتها من المسألة واستنزفتها حتى الرمق الأخير.

قد يظهر في إجتماع “أستانا” الـ 13، حيث تم دعوة العديد من دول الجوار السوري إليه، ولأول مرة، حيث يمكن تفسير هذا التصرف التركي بأنه يدخل ضمن التفاهمات مع روسيا لإنهاء الأزمة السورية، خصوصاً بعد تثبيت العلاقات العسكرية، صفقات الأسلحة “المستفزة” للولايات المتحدة، والطاقوية، مشاريع الغاز والطاقة، المشتركة التي تسعى موسكو بدأب إلى استعادة هذا “الضرس الأوراسي” إلى مشروعها وإستراتيجيتها.

 


الجمل بالتعاون مع مركز سيتا للدراسات