يمكن لصفقة روسية أمريكية أن تحقق الاستقرار في سورية وتضعف إيران

الكاتب: رام يافن - ترجمة: د. محمد عبده الإبراهيم

توجد لدى القُوى الكبرى مصلحة قوية في منع العودة إلى القتال وعدم الاستقرار في المنطقة، ويجب عليها أن تتجه نحو التعاون.

انتهت الحرب السوريّة إلى حدٍّ كبير في نهاية العام 2018، لكن البلاد لا تزال نقطة ساخنة يمكن أن تهدد المصالح الإسرائيلية والأمريكية. هناك طريقة واحدة لتقليل مخاطر المزيد من عدم الاستقرار، وإعطاء الأمل للسوريين المنهكين من الحرب وتحقيق الأهداف الاستراتيجية للقوى العظمى: صياغة صفقة أمريكية روسية. ويبدو هذا الأمر قريب المنال.

انتهى القتال الأسوأ بحلول نهاية عام 2018، وقد ترك تبعات وتأثيرات وخسائر فادحة. ولكن من الصعب المبالغة في تقدير عوامل الخطر التي لا تزال قائمة في ظلِّ غياب إعادة تأهيل مدني واقتصادي وانتشار الأسلحة على نطاق واسع، وعدم الارتياح وانتشار المسلحين في إدلب. وما زالت القوات الأجنبية المختلفة منتشرة في البلاد.

تكاد أن تكون العودة إلى القتال إمكانية بعيدة. حتى لو حافظ "النظام السوري" على قدْرٍ من الاستقرار، فإن تقدم القدرات العسكرية الإيرانية في سورية –وفي لبنان– يهدد المصالح الإسرائيلية والأمريكية ويشجع إيران على اتخاذ مزيد من الإجراءات ضد خصومها. إن احتمال وجود كيان متطرف في شرق سورية يهدد الاستقرار في العراق والأردن. ستزداد هذه المخاطر إذا قررت الولايات المتحدة سحب قواتها من سورية.

هذا، ولئن كانت العلاقات متوتّرة في بعض الأحيان بين الولايات المتحدة وروسيا، إلا أنَّه لم يتم إغلاق الباب للتوصل إلى اتفاق بشأن سورية يخدم المصالح الاستراتيجية لكلا اللاعبين، إذ إنَّ التسويات المطلوبة هي في نطاق القبول لكلتا الدولتين. لكن كيف تبدو الصفقة الروسية الأمريكية؟

ستعترف بـ "نظام" الرئيس الأسد الآن، وتؤخر عملية الانتقال السياسيّ التي تعمل عليها الأمم المتحدة في سورية. سيوافق الموقّعون على تمويل عملية إعادة التأهيل الاقتصادي في سورية، ما يوفر للرئيس الأسد حافزاً كبيراً للقبول.

بالمقابل، سيصرون على انسحاب جميع المكونات العسكريّة-الإيرانيّة من سوريّة وقطع إمدادات الأسلحة غير القانونية عن البلاد. كما سيتفقون على الحفاظ على حقوق الحكم الذاتي للأكراد ضد أي إعادة انبعاث لـ "داعش".

من الناحية العمليّة، سيتعيّن على روسيا استثمار الموارد العسكرية والسياسية لضمان الانسحاب العسكريّ الإيرانيّ ومراقبة الحدود للمقاتلين وتجارة الأسلحة. وهذا يعني اعتراض الفصائل الإيرانية وحزب الله والفصائل المؤيدة لإيران، ومنع "داعش " وأي نشاط من الأراضي السورية باتجاه الدول المجاورة.

لماذا يوافق الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين على مثل هذه الصفقة؟ ستحقق روسيا هدفها المتمثل في إبقاء الرئيس الأسد في السلطة وجني بعض الفوائد الاقتصادية بوساطة عملية إعادة التأهيل والإعمار. سوف تحصل أيضاً على اعتراف عالميّ وإقليميّ لدورها الرئيس في سورية، وهو أمر من المرجح أن يقدره الرئيس بوتين.

كما أنّه بالنسبة للولايات المتحدة، ستكون الفوائد الرئيسة أكثر على المستوى السياسي:أولاً، من شأن اتفاق على هذا النحو أن يدعم الاستقرار الإقليمي مع التصدي للتهديدات التي تواجه الحلفاء الأمريكيين المهمين في الشرق الأوسط وبخاصّة "إسرائيل". ثانياً، سيكون الاتفاق مكوّناً في إطار الحملة ضد التوسع الإقليمي الإيراني. ثالثاً، ستحدد الصفقة الخطوط العريضة للمشاركة الأمريكية المستقبلية في سورية والعراق، مع نشر ومشاركة أقل مباشرة في سورية (مع استمرار الدعم الأمريكي لقوات "قسد" وإعطاء التركيز اللازم للعراق والقضايا الإقليمية الأخرى).

بالنسبة لـ "إسرائيل"، ستحقق الاتفاقية مصالحها الرئيسة في المسرح السوري: كبح جماح التعزيز العسكري الإيراني، وإضعاف حزب الله اللبناني عن طريق قطع خطوطه اللوجستية الحاسمة عن سورية.

من الواضح أنَّ مثل هذا الاتفاق ينطوي على مخاطر محتملة، بما في ذلك معارضة "النظامين" الإيراني والسوري، وكذلك الاستياء التركيّ من حقوق الأكراد السوريين الحائزين على الحكم الذاتيّ (إذ رغم التحوّل السياسيّ في سورية مستقبلاً، يمكن لمنع موجة أخرى من اللاجئين، والدعم الأمريكيّ، أن يُقدّما حوافز لقبول تركيا).

هناك أيضاً خطر حدوث انتهاكات من قبل الموقعين، كما حدث بعد اتفاقية خفض التصعيد في جنوب غرب سورية التي تم توقيعها بين الولايات المتحدة وروسيا والأردن في عام 2017. للتغلب على هذه المخاطر، يجب التمييز بين الصفقة السورية والمسألة النووية الإيرانية، يجب أن تكون الحوافز محددة وواضحة، وبعمليّة إشراف فعالة.

من شأن الاتفاق على هذا المنوال، أن يفيد المصالح الأمريكية والإسرائيلية، ويلبي الأهداف الروسية المهمة ويزيل التوترات في المنطقة. الأهم من ذلك كلّه، أن صفقة كهذه من شأنها توفير آفاق الاستقرار والسلام للشّعب السوريّ. والبديل هو قاتم بالفعل.

 


الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات