الإمتاع والمؤانسة: ما رواه التوحيدي عن زمانه

ربما أجمع كل من كَتَب عن التوحيدي أنه كان رجلًا شديد البؤس والشقاء والفقر، وأن حياته كانت ضنكًا وتعبًا، لكن ذلك لم يجعل منه خامل الفكر ولا عديم السيرة والأثر، بل إن ذلك صنع منه رجلًا صاحب علم وأدب وثقافة، بما يمكننا اعتباره أحد الشموس الكبرى التي استنارت بها الحياة العربية والإسلامية، ليصبح من أهم أئمة اللغة والبيان الذين يشار إليهم وإلى كتبهم بالبنان.


يصفه ياقوت الحموي في أقدم ترجمة وصلت لنا عنه بأنه «كان متفننًا في جميع العلوم من النحو واللغة والشعر والأدب والفقه والكلام على رأي المعتزلة، وكان جاحظيًّا يسلك في تصانيفه مسلكه، ويشتهي أن ينتظم في سلكه، فهو شيخٌ في الصوفية، وفيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، ومحقق الكلام، ومتكلم المحققين، وإمام البلغاء، فردُ الدنيا الذي لا نظير له ذكاء وفطنة وفصاحة ومكنة، كثير التحصيل للعلوم في كل فن حفظه، واسع الرواية والدراية، وكان مع ذلك محدودًا محارفًا يتشكَّى صرف زمانه، ويبكي في تصانيفه على حرمانه، ولم أرَ أحدًا من أهل العلم ذكره في كتاب ولا دمجه في خطاب، وهذا من أعجب العجاب».


 ترك التوحيدي عددًا من الكتاب نجا من الحريق الذي أنشاه في مؤلفاته «لقلة جدواها وضنَّا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته» نذكر منها «الإشارات الإلهية»، «المقابسات»، «ذم الوزيرين»، «الصداقة والصديق»، «البصائر والذخائر»، و«الإمتاع والمؤانسة».


كيف بدأت فكرة الكتاب؟  

كان أبو الوفا المهندس صديقًا مشتركًا للتوحيدي والوزير أبي عبد الله العارض، فقام أبو الوفا بذكر التوحيدي في حضرة الوزير، ومدحه بما يستحقه من مكانة، فجعل الوزيرُ التوحيديَّ من المقربين منه، على أن يسامره بما لديه من علم وأدب وثقافة، فحادثه التوحيدي ما يقارب سبعة وثلاثين ليلة، كان نتاجها ما جُمع فيما بعد في كتاب «الإمتاع والمؤانسة».


على أن الفضل في وجود هذا الكتاب الذي يعتبر من أهم ما كُتب في الثقافة العربية والحضارة الإسلامية، إنما يرجع في ظني إلى الوزير أبي عبد الله العارض وأبو الوفا المهندس؛ وذلك لأن كل ما دار في الإمتاع من نقاشات وأسئلة إنما مبدؤها كان من الوزير، حيث كان يقوم كل ليلة بطرح سؤال ما على التوحيدي، فكان يجاوبه بما عرفه أو قرأه عن السابقين، أو بما تجود به قريحته، وفي مراتٍ كثيرة كان يعارضه الوزير ويختلف معه، ويتشعب الحديث بينهما بعيدًا عما اتفقا عليه، وفي ذلك إشارة بليغة لوجود من كانوا في سدة الحكم في عصر التوحيدي ولهم اهتمام بالثقافة والعلم، وليس فقط بأمور السياسة وشئون الدولة.


أما أبو الوفا المهندس، فغير ما يُحسب له من تقريب التوحيدي للوزير، كان قد طلب من التوحيدي أن «يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث، وذكَّره بنعمته في وصله بالوزير، وهدده إن لم يفعل أن يغض عنه، ويستوحش منه، ويوقع به عقوبته، وينزل الأذى به».


أما النقطة الأخرى التي طالب بها أبو الوفا المهندس، فكانت أن «نصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والعدل في إيراده، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويُصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب الإمتاع والمؤانسة».


على أنه كان بناء الليالي تقريبًا شبه ثابت، حيث يبدأ الوزير السؤال وعلى التوحيدي الإجابة، ثم يطلب الوزير في نهاية الليلة ما أسماه «مُلحة الوداع»، وأحيانًا كان يكتب له الأسئلة على أن يسأل شيوخه عنها ويوافيه بالرد عليها.
محتوى الكتاب

وموضوعات الكتاب متنوعة تنوعًا ظريفًا لا تخضع لترتيب ولا تبويب، وإنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن، فأدب وفلسفة وحيوان ومجون وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات لفلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس، وغير ذلك مما يطول شرحه.

فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه، يلقي نورًا كثيرًا على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، إنه يتعرض لكثير من الشئون الاجتماعية في ثنايا حديثه، فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان، ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء، ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين، كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتَّى بن يونس القُنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.


والكتاب به ليالي كاملة هي المتعة الخالصة والمؤانسة للروح ، مثل الليلة التي جرت فيها المناظرة بين أبي سعيد السيرافي النحوي ومتى بن يونس المنطقي، عن الفرق بين النحو العربي والمنطق اليوناني وكيف ناظر النحوي وأفحم المنطقي بحجج بالغة وشديدة الإقناع ولم يستطع المنطقي أن يجاريه في مناظرته، والليلة الأخرى التي جرت فيها المفاضلة بين الأمم ومكانة العرب والدفاع عنها وعن لغتها بين بقية الأمم، وكذلك الليلة التي جرت فيها الجدال بين علم الحساب وعلم الكتابة، وأيهما أقوى وأهم للدولة.


ثم إن الكتاب فيه ليالٍ شديدة التخصص والفلسفة مثلما جرى الحديث عن النفس والروح، والجزئي والكلي، وأيضًا التفرقة بين الدين والفلسفة ومكانة النبي المفارقة للفيلسوف، وعلى النقيض تمامًا كانت ليلة كاملة عن المجون والخلاعة، والسبب أن الإنسان يمل أحيانًا ومحبوب أن يروح عن نفسه بتلك الأحاديث، وكذلك جرى الكلام عن الحيوان كثيرًا وأوجه الشبه بين الإنسان وبينه، وما اكتسبه الإنسان من الحيوان من طباع أو صفات قد تعينه على الحياة، وكذلك ليالي شديدة الفكاهة والضحك، كتلك الليلة التي دارت حول الشبع والطعام، وما قاله القوم عن حد الشبع من الأكل ومقياسه.


والتوحيدي في كتابه لا يتوانى عن أن ينقل عن السابقين عليه ما يثبت قوله أو يدعم إجابته، أيًّا ما كانوا وأيًّا ما كانت تياراتهم الفكرية أو اعتقادهم الديني، فنجد عشرات إن لم يكن مئات من أسماء الفلاسفة اليونانيين، بمقولاتهم وأفكارهم.
ومن الملامح الموجودة في الكتاب منهجه الإصلاحي أحيانًا، في فلسفة الأخلاق أو فلسفة سياسة الحكم، ذلك لأن التوحيدي لم يكن فقط ناقلًا لثقافة عصره وما يقوله المعاصرون له في الثقافة والأدب لينقله إلى الوزير، وإنما كان يوجه الوزير في بعض الأحيان – حدثت مرتين – حين أخبره عما يدور في الأسواق من الرعية وما يقولونه عن الوزير والدولة، فسمع الوزير منه، وقدَّم إصلاحات سياسية بناء على ما نقله التوحيدي وما نصحه به.
وثيقة مهمة

ولم يقم أحد قبل التوحيدي بذكر جماعة «إخوان الصفا وخلان الوفا» أو كتب أي شيء عنهم أو عن أسمائهم وعن رسائلهم التي حاولوا فيها الدمج بين الدين (الشريعة) وبين الحكمة (الفلسفة)، حتى أظهر التوحيدي منحاهم الفكري، وأذاع أسماءهم، فيقول عنهم:


هي عصابة تآلفت بالعشرة وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القُدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهبًا زعموا أنهم قرَّبوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله والمصير إلى جنته، وذلك لأنهم قالوا: الشريعة قد دُنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفسلفة، ذلك لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية، والمصلحة الاجتهادية.

وزعموا أنه متى انتظمت الفسلفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال، وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة: عِلميِّها وعَمَليِّها، وأفردوا لها فهرستًا وسموَّها رسائل إخوان الصفا وخلان الوفاء، وكتموا أسماءهم، وبثوها في الورَّاقين، ولقَّنوها للناس، وادَّعوا أنهم ما فعلوا ذلك إلا إبتغاء وجه الله عز وجل وطلب رضوانه ليخلصوا الناس من الآراء الفاسدة التي تضر النفوس، والعقائد الخبيثة التي تضر أصحابها، والأفعال المذمومة التي يشقى بها أهلها، وحشوا هذه الرسائل بالكلم الدينية والأمثال الشرعية والحروف (الكلمات) المحتملة، والطرق الموهِمة.

وبعدما عرض التوحيدي السيرة الذاتية والفكرية لهم، يسأله الوزير إن كان رأى هذه الرسائل، فيخبره: «قد رأيت جملة منها وهي مبثوثة من كل فن نتفًا بلا إشباع ولا كفاية، وفيها خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات، وقد غرق الصواب فيها لغلبة الخطأ عليها».

 

نجم الإمتاع الأوحد

ويعتبر الشيخ أبو سليمان المنطقي أحد أهم النجوم اللامعة في ليالي الإمتاع، وكان التوحيدي كثير الرجوع إلى آرائه والنقل عنه، حيث يصفه مقارنة بمجايليه أنه كان «أدقهم نظرًا، وأقعرهم غوصًا، وأصفاهم فكرًا، وأظفرهم بالدرر، وأوقفهم على الغرر، مع تقطع في العبارة، ولكنةٍ ناشئة من العجمة، وقلة نظر في الكتب، وفرط استبداد بالخاطر، وحسن استنباط  للعويص، وجرأة على تفسير الرمز، وبُخل بما عنده من الكنز».


وهذا تحليل دقيق من أبي حيان لشخصية أبي سليمان، فهو قوي الفكر ألكن العبارة، وهو يعتمد على قوة عقله أكثر مما يعتمد على النقل من المؤلفات، وهو واثقٌ  بصدق رأيه أكثر مما يثق بما يقول غيره، وهو قوي الشخصية يجعل، رأيه حكمة في كل ما يعرض له، وهو بخيل بعلمه لا يذكر بعضه إلا للخاصة إذا دعت الدواعي.
إشارة عبقرية

ويحسب للأستاذ أحمد أمين عدة أمور منها تحقيقه الجيد والأمين للكتاب وتعليقاته الضافية التي جعلت النص أقرب لما كتبه التوحيدي، وثاني الأمور هي إثباته لكل الأشياء التي كتبها التوحيدي حتى في الليلة التي دار الكلام فيها عن الخلاعة والمجون، لم يحذف حرف ولم يطمس، وأخبر بأنه إحقاقًا للتاريخ يثبت ذلك، دون التدخل في التقييم الأخلاقي، على أنه من أشد اللمحات الذكية التي كتبها الأستاذ أحمد أمين هو الفرق بين «ألف ليلة وليلة» و«الإمتاع والمؤانسة»:


فإن كان ألف ليلة وليلة يصور أبدع تصوير الحياة الشعبية في ملاهيها وفتنتها وعشقها، فكتاب الإمتاع والمؤانسة يصور حياة الأرستقراطيين أرستقراطية عقلية، كيف يبحثون، وفيمَ يفكرون، وكلاهما في شكل قصصي مقسم إلى ليالٍ، وإن كان حظ الخيال في الإمتاع أقل من حظه في ألف ليلة وليلة.


 نُشر الكتاب بتحقيق الأستاذين أحمد أمين وأحمد الزين عن سلسلة الذخائر التي تصدرها هيئة قصور الثقافة المصرية في ثلاثة أجزاء، يقع كل جزء في حوالي 200 صفحة.

 

 


إضاءات