بمعدل باكيت واحدة باليوم 2.5 مليون مدخن سوري يحرقون سنويا نحو 186.9 مليار ليرة

لا بدَّ أن تكون ظاهرة التدخين موضوعاً شائكاً في بلدٍ منتج ومستورد ومستهلك لمادة التبغ، ورغم ما ألقته سنوات الحرب من تأثيرات كان أكبرها على القطاع الاقتصادي بالدرجة الأولى، سواء بارتفاعٍ اجتاح أسعار معظم المواد الاستهلاكية أو بحصار اقتصادي خانق طال معظم المستوردات والصادرات، ما أدى إلى انخفاض بالدخل والقدرة الشرائية والمستوى المعيشي، فلا يمكن الجزم بأن استهلاك الشعب السوري للمادة قد انخفض نتيجة ما سبق ذكره من العوامل أو أن «السيجارة» خسرت دورها الوظيفي في كونها الوسيلة الأولى لـ«فشة الخلق» أو أحد مظاهر «الفشخرة والبريستيج».. ومازال السوري ينفق على التدخين أكثر مما ينفقه على الصحة، هذا عدا كون الدخان بكل أنواعه يتربع على عرش قائمة المهربات بشكل دائم، ما يعني حرمان خزينة الدولة من الرسوم الجمركية لاستيراد المادة.


بالاعتماد على بعض الأرقام والبيانات الإحصائية أمكن الوصول لبعض المؤشرات التقديرية والمقارنة، من خلالها بين ما ينفقه السوريون على التدخين وما ينفقونه على الصحة، إلى جانب الاستدلال على حجم التهريب للمادة وحجم المهربات الموجودة منها في الأسواق.


2.5 مليون سوري مدخّن

بدايةً، وبناءً على جمع وربط تقديرات إحصائية من مصادر مختلفة كان من الممكن تقدير عدد المدخنين السوريين بنحو 2.56 مليون مدخن، يشكلون 11.8% من إجمالي عدد السكان الرسمي، وفق أحدث إحصائية رسمية متوافرة.


وفي تفاصيل حساب الرقم السابق، فقد جرى الاعتماد على تقديرات التعداد السكاني في البلاد بنحو 21.7 مليون نسمة، والتي أصدرها المكتب المركزي للإحصاء في مجموعته الإحصائية الأخيرة لعام 2018، مع تحديد نسبة الجنسين بنحو 51 بالمئة لكل من الذكور و49 بالمئة للإناث، من ثم الاعتماد على تقديرات نسب المدخنين من الذكور والإناث من السوريين بناءً على ما يعرضه الموقع الرسمي لمنظمة أطلس التبغ «Tobacco Atlas»، الذي يقدر نسبة المدخنين السوريين ممن تتجاوز أعمارهم 15 عاماً بنحو 21 بالمئة للذكور و8.5 بالمئة للإناث، ومن المدخنين ممن لم يتجاوزوا 15 عاماً بنحو 0.6 بالمئة للذكور و0.28 بالمئة للإناث، وتبعا لذلك من الممكن تقدير عدد المدخنين السوريين من الذكور بنحو 1.8 مليون مدخن فوق الـ 15 عاماً وعدد المدخنات بنحو 675 ألف مدخنة فوق الـ 15 عاماً، ونحو 16 ألف مدخن تحت الـ 15عاماً ونحو 7500 مدخنة تحت الـ15 عاماً.


الاستهلاك اليومي

بناء على ما سبق ذكره من تقدير لعدد المدخنين السوريين بنحو 2.56 مليون مدخن، علماً أن الرقم من الممكن أن يكون أكبر أو أصغر من ذلك، من الممكن تقدير حجم الإنفاق المحلي اليومي للمادة وفق عدة سيناريوهات، منها اعتماد سعر رخيص لأنواع الدخان مع استهلاك يومي بمعدل علبة سجائر واحدة بسعر 200 ليرة يومياً، كما يمكن الاعتماد على سعر أغلى من السعر السابق بقليل أو بتقدير استهلاك المدخن لأكثر من علبة سجائر واحدة في اليوم، أو بتقديرات لسعر أقل.512 مليون ليرة يومياً هو قيمة الإنفاق اليومي في أدنى التقديرات، أي 200 ليرة يومياً للمدخن، أي نحو 186.9 مليار ليرة خلال عام 2017، بواقع 21.33 مليون ليرة كل ساعة.
تهريب الدخان

بالعودة إلى المجموعة الإحصائية الأخيرة لعام 2018 (غطّت العام 2017) والصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء، تضمنت المجموعة تقدير قيمة مستوردات التبغ ومصنوعاته بنحو 932 مليون ليرة، على حين إن القيمة ذاتها قدرت في المجموعة السابقة أي لعام 2017 بنحو 8.1 مليارات ليرة، ما يعني أن قيمة المستوردات من التبغ ومصنوعاته انخفضت في عام 2017 بنحو 88 بالمئة.في الجانب الآخر بلغت قيمة المبيعات الفعلية للمؤسسة العامة للتبغ خلال عام 2017 نحو 32 مليار ليرة، ليصبح إجمالي قيمة ما استورد بشكل نظامي وصنع محلياً من التبغ نحو 32.93 مليار ليرة خلال عام 2017.
وبالرجوع إلى قيمة الإنفاق بأدنى التقديرات وهي 186.9 مليار ليرة سنوياً (خلال 2017) فهذا يعني أن قيمة الدخان الذي وجد في الأسواق خلال عام 2017 بطرق غير نظامية يلامس 154 مليار ليرة، أي بمعدّل 422 مليون ليرة سورية يومياً، تعادل 17.6 ملايين ليرة كل ساعة، فوتت على خزينة الدولة من رسوم غير محصلة تزيد على 15 مليار ليرة؛ لكون نسبة الرسوم على الكيلو الواحد من الدخان 30 بالمئة.


ما يضعنا أمام نتيجة مفادها أنّ الدخان النظامي الموجود في الأسواق بين مصنّع أو مستورد لا تتعدى نسبته 17.6 بالمئة، ليحتل الدخان المهرب ما نسبته 82.4 بالمئة من السوق.
طبعاً، تبقى تلك تقديرات أولية، لا يمكن تبنيها، وإنما نستخدمها للاستئناس في رسم صورة تقديرية عن عالم التدخين من الزاوية الاقتصادية.


التدخين والصحة

على الكفة الأخرى، قدرت وزارة الصحة نسبة الإنفاق العام على الصحة بنحو 3.5 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي.
وبدوره المكتب المركزي للإحصاء حدد في مجموعته الإحصائية الأخيرة قيمة
الناتج المحلي بنحو 8691.4 مليار ليرة، ما يعني أن الإنفاق على الصحة لم يتجاوز 304.2 مليارات ليرة خلال عام 2017، أي ما يقارب 833 مليون ليرة يومياً مقارنةً بالإنفاق اليومي على التدخين الذي قد يصل إلى 512 مليون ليرة في أدنى حالاته.
وبالعودة إلى الموقع الرسمي لمنظمة أطلس التبغ، قدرت المنظمة نسبة الوفيات جراء التدخين في سورية من الذكور بنحو 9.71 بالمئة والإناث بنحو 5.79 بالمئة خلال عام 2016.


ثلاثة احتمالات

الأستاذ الجامعي في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق الدكتور شفيق عربش رأى أن التراجع في قيمة مستوردات التبغ ومصنوعاته في عام 2017 بنحو 88 بالمئة عن عام 2016 بحسب تقديرات المكتب المركزي للإحصاء، مؤشر إلى وجود خلل في الأرقام، إلى جانب أنه لا يمكن اعتبار أن 90 بالمئة من الشعب السوري غير مدخن أو متوقف عن التدخين.
واعتبر عربش أن الرقم الصادر عن المكتب غير صحيح وفيه خلل ولا يمكن البناء عليه، وخاصة في ظاهرة كهذه، متسائلاً عن طريقة حساب الرقم، مشيراً إلى أنه وفي حال كانت هذه الأرقام الرسمية للجمارك فهذا مؤشر إلى ارتفاع شديد بعمليات التهريب رغم كل وعود الحكومة بقمع التهريب، على حين إنه في حال كان اجتهاداً من المكتب المركزي للإحصاء فهذا اجتهاد غير ناجح، وغير سليم على الإطلاق.


وبين أنه من غير الممكن ربط تراجع القدرة الشرائية بتراجع استهلاك التدخين الذي لم يحدث إطلاقاً، مضيفاً: «أي أزمة تمر في حياة السوري تدفعه لزيادة تدخينه ولذلك المدخن مستعد للتخلي عن الطعام مقابل حصوله على سيجارة، موضحاً أنه من غير الممكن تحديد حجم الإنفاق الحقيقي للسوريين على التدخين، لكون الأرقام الإحصائية المنشورة غير مضبوطة إلى جانب حجم التهريب الكبير».


ورأى الأستاذ الجامعي أن تقدير المكتب المركزي للإحصاء لقيمة مستوردات التبغ ومصنوعاته في مجموعته الإحصائية الأخيرة ينتج عنه ثلاثة احتمالات، أولها أن استهلاك السوريين للتبغ انخفض وهذا لم يحصل، أو أن مبيعات المؤسسة العامة للتبغ ارتفعت بالشكل الذي يعوض هذا النقص، والاحتمال الثالث أن التهريب ازداد.وختم بالقول: «وفي حال كان الرقم صحيحاً والتهريب زاد بما يقارب 8 مليارات ليرة عما كان في السابق فهذا يعني أن السوق مستباحة من مهربي الدخان».

 


المصدر"الاقتصادية"