عقدة (نكوص) الماضي في التكوين البشري: (الحلقة الأولى)

د. عماد فوزي شعيبي:
يكتسب الماضي السحيق صفةَ الأمان العميق في اللاوعي البشري، فهو باعتباره (لم يُعش، ولم يُختبر، ولايمكن استعادته، ولا يمكن ) يُضاف عليه سمات ليست منه وفيه؛ فهو كامل، وهانيء، وأصحابه ليسوا من صنف البشر الذين نعرفهم: أخلاقيين أتقياء ورزينين وفاعلين وكرماء ونبلاء وأقوياء ...، ليسوا من صنف البشر. وبالتالي سرعان ما يغدو الماضي موئل أمان... ومُقدّساً ولو بدرجات من درجات التقديس.
والواقع أن تقديس الماضي وأصحابه، هو (نكوص Regress) بالمعنى النفسي للكلمة، هرباً من معاناة الحاضر؛ حيث البشر (طبيعيون ومتنوعون ويغلب عليهم السلوك الذئبي! والقاسي ) والحاضر مسبب للمعاناة، فيكون الماضي المُتناقل والمُضفى عليه المثاليّة ثم التقديس هو الموقع المُساعد على الهناءة البشرية وتحقيق التوازن الحياتي / لا النفسي بالضرورة. وهو (أي الماضي) يقوم مقام أحلام اليقظة. 
فإذا كانت أحلام اليقظة تعديلاً للحاضر الصعب وتصوراً أفضلَ للعيش في المستقبل وتحقيقاً أمثلَ للرغبات، وتحفيزاً ذاتيّاً يُساعد على تنشيط القسم الشعوري والحدسي والجمالي في المُخ وتسهيل عمل الروابط العصبية في الجسم الثفني، يكون النكوص نحو الماضي (وهو أيضاً متخيّلٌ) تعديلاً مُشابهاً للحاضر وإن بصيغة فيها خطورة على الحاضر. فبعض المبالغات في أحلام اليقظة تسبب العيش في الهوامات والابتعاد عن الواقع، مما يُهبط مستوى الإنجاز الوظيفي، ويسبب البطء، ولكن كل نكوص نحو الماضي يلغي تقريباً تلمّس الواقع بصورة إيجابية ويُعطّل المستقبل. فالماضي جثة لاتهمد بالضرورة. فإذا تم وضعها في زمنها أي الماضي فإنها تهمد. ولكن عند وضعها في الحاضر وتأسيساً للمستقبل تتحوّل بالبشر إلى جثثٍ حاضرة ومستقبليّة. 
للأسف فإن أغلب أنواع البشر (بالتكوين) وبما يزيد عن 85‎%‎ منهم، يميلون للتعصّب للماضي ويمانعون التغيير، وذلك وفقاً للمنحني الإحصائي غاوص. وهذا عطب -للأسف- في التكوين البشري. وبالتالي فإن ممانعة التغيير (أي العطالة وقوى القصور الذاتي)، هي التي تغلب على السلوك البشري. بل إن 13.94‎%‎ من المتبقين القابلين للتغيير يجرفهم التيار الغالب الذي يتثبّت حول الماضي. 
فعندما لايُدرك هولاء أن العالم يتغيّر وأن أفكار الأمس لا تفيد اليوم بالضرورة، وأفكار اليوم ليست لجيل الغد، فأنهم يحاولون استعباد الزمن (بالوقت؛ أعني بأوقات مقتطعة من الماضي)، وهذا "مرض العطالة"؛ أي ممانعة التغيير. وباعتبار أن وحدهم الذين يتمتعون بالليونة الفكرية من يستحقون الحاضر ويهيئون للمستقبل، فإن ممانعة التغيير والعيش في الماضي قد تُسيّر الحاضر (تمرره) بأسوأ حالاته لكنّها -حتماً- ستعطّل المستقبل. 
فأن يعيش الناس في الماضي يكون دليلاً على أسرِ الماضي للحاضر وهو مؤشر ل :
1. أن الماضي لم يُقرأ تفصيلاً أو نقديّاً. ومتبنيه جاهل. 
2. أن لا حاضر ولا مستقبل فعليّاً لمتبني الماضي. 
3. أن الماضي يكتسب صفة الأسطورة.
4. أن الماضي يكتسب سمة الإيديولوجيا كقناع يخفي الواقع.
5. أن الرُعب من الماضي يجثم فوق الحاضر وينهي المستقبل. 
6. أن الزمن متوقف عند أصحابه.

عقبة الماضي الابستمولوجية:
يُشكل الماضي عقبةً معرفيّةً ندعوها مجازاً عقبة الزمن الأفقي، حيث يعيش من هم في الحاضر على ما جاء من الماضي. وهنا تتشكل السلفيّة الخفيّة:
السلفيّة الخفيّة في اللاوعي الجمعيّ: 
السلفيّة حالة جماعيّة متأصّلة في اللاوعي الجمعي من تأثير الثقافة السائدة، وهي ليست محض سلفيّة دينية، إنها نمط من أنماط الانحيازات المعرفيّة وهذه بعض تجلّياتها:
-من يُصرّ على أن الشعر هو الشعر العمودي ولا شعر غيره. فهو يُضفي على ما اعتاد عليه من الشعر صفة القداسة. وكأن من صنعوا الشعر آلهة.أو كأن الشعر نفسه لم يمر بمراحل وتطور وتغيّر وكأن عليه ألا يتغيّر كرمى للاعتياد على ما جاء في الماضي. 
- من يعتبر أن اللغة العربية معقّمة ومحنّطة ولايمكن الاضافة لها. وكأن هذه اللغة لم تضف عبر مئات السنين مفردات ومعانٍ من كل محيطها وكل اللغات التي تثاقفت معها. مجسّداً الجرح النرجسيّ للهوية عبر اللغة. 
- من يعتبر أن الغرب ما كان لينهض لولا ما أخذه من العرب. و كأن العلوم والمعارف التي قدمها العرب لم تكن بمثاقفة مع كل الحضارات الأخرى. وهذه هي السلفيّة الشوفينيّة. 
-من يعش على أوهام وذكريات العائلات الماضية، ويرسم الآباء والأجداد (كأساطير) في الحكمة والكرم والأخلاق والعظمة والكمال وكأنهم لم يكونوا من البشر، ولا يخطئون، كي يستمد من عظمتهم (الماضويّة) قيمته. فيرسمون شجرة العائلة كي تكون حرزاً لهم من الحاضر. 
وهذه هي سلفيّة (الخصاء الذاتي) و(الاستمناء الماضوي). 
-من يعش على قاعدة استمراريّة أسماء الأباء، فيفرض على زوجته تسميّة ابنهما باسم أبيه، وويمارس الأبناء الفعل نفسه. وفي هذا عيش في الماضي يعكس سلفيّة (الأوديبية المعكوسة). 
-من يمارس تربية أبنائه على النحو الذي مُورس عليه من أبويه، متجاوزاً عن عيوب تلك التربية واختلاف الزمان والمكان والعقليات، وفي هذا نوع من (السلفيّة التربوية) التي تمسخ الأجيال وتحرمهم من التفرّد والمغايرة والإبداع. 
قد يصدم هذا البعض ممن سيكتشف هذه العناصر في ذاته وهذا طبيعي وفقاً لما نعرفه باسم العقبات الابستمولوجية وعلى رأسها المعرفة الشائعة . وهنا أما سيلجأ إلى وسائل دفاعية أو سيراجع نفسه بهدف التغيير. الأول سيكون مصاباً بالعطالة وممانعة التغيير والثاني سيكون احتياطاً استراتيجياً لمواجهة الذات ثم مخلّفات المجتمع. 
وحدها الأفكار الجديدة والإبداعيّة تقطع مع الماضي وتُوقف تدحرج (الزمن الأفقي) لتشكّل بالمعنى المجازي (الزمن العمودي)؛ أي التفكير الانبثاقي [الخارج عن الصندوق]. التي توقف تدحرج وانسياب أفكار الماضي لتؤسس لأفكار جديدة عندما يعتادها البشر ويتداولونها تغدوا في الزمن الأفقي الجديد، وتتحوّل بدورها إلى عقبات معرفيّة. 
لكن طبيعة (الأكثرية) من البشر -كما أوضحنا- أنها تركن إلى الماضي وترفض الجديد، رغم أنها (تنادي وتزفر رغبة بالتجديد)، لكن المفارقة الكبرى هنا أنها عندما تشعر أن التجديد (يُهدد) رُكونها إلى ما اعتادت عليه سرعان ما ترتد إلى الماضي وترفض الجديد. 
وحده الجديد الذي يُحدث تغييرات سريعة ودراماتيكية ويؤسس لما هو أفضل بسرعة، والأمثلية الفضائلية بما تحقق) سرعان ما يفرض نفسه، لكن فشلاً في واحدٍ مما سبق (التغيير السريع، الأفضل، الفضيلة والمثال) ينكص المجموع البشري في مواجهة هذا التغيير. 
ولهذا ينقلب الناس على الثورات عندما (تهدم) ولا تؤسس بسرعة وعندما يفسد روادها ولايضربون قيمة بأنفسهم وسلوكهم. كذلك على المستوى العلمي لا تنجح النظريات العلمية عندما تواجه العقل الماضوي إلاّ إذا حققت إنجازاً علميّاً ينتفع به البشر وتفشل في التعميم إذا ما تعرضت للنقد ودخلت في حيز اللايقينية العلميّة. 
فثورة إينشتاين العلمية المُخالفة للحس العام المشترك نجحت رغم عدم منطقيتها وحدسيتها (من حيث عدم التزامن لحدثين ، وأن سرعة الضوء أكبر سرعة....، والتشكيك بمطلقيّة الزمن) لأنها انتجت التفجير النووي واختراعات لمسها البشر فنسيوا مخالفتها للحس العام واندرجوا في مُعايشة منتوجها المادي. لكن التطور الدارويني الذي وُجِه بنقد اللاماركية وبعض الثغرات مكّن الماضويين من عدم التعامل معه مع أن جزءاً مهماً من البيولوجيا التكوينية يعتمد عليها في تفسير التطور البشري. فعدم يقينيّتها ولا اكتمالها، وهو أمر طبيعي في العلم، فسح في المجال أمام السلفيّة الماضوية في بعض المُجتمعات غير المتطوّرة، لغرز السكاكين فيها وعدم والاستفادة منها بالحدّ الأدنى. وهو أمر لم يحدث في المجتمعات المتقدمة لوجود مناخ عام يقبل بالعلم وليس شعاع مُتّجهةِ حياته ناكصةً إلى الماضي.
المجتمعات التي لا مستقبل فيها بسبب (الاقتصاد، والقهر الاجتماعي والسياسي...) تعيش فيها شعوبها جماعةً وأفراداً في ما دعوناه الدارة المَعيبة Vicious cycle التي تُغلِق على الماضي؛ حيث تدور بين الماضي وأفكاره والتلفيق بين الماضي والعلم وبين الماضي والحاضر، والعداء للجديد، ثم الانتصار للماضي ثم تغلق على نفسها في الماضي. 
كذلك تعرضت الفيزياء الكوانتيّة لهجوم الماضويّة السطحية للناس العاديين الجهلة، فاعتبروها محض تخيلات!، والسطحية الفلسفية فاتهمتها بأنها محض تجارب ذهنية (كما فعل كارل بوبر)، والماضوية الفيزيائيّة ممثلة بالنيوتونيين، الذين انتظروا تحققها تجريبيّاً، وحتى من أينشتاين (الذي رفض ظاهرة التشابك ‏الكمومي Entanglement) ودعاها بالظاهرة الشبحية، لأنها خالفت ما اعتادوا عليه.