تركيا وروسيا: شراكة غير متكافئة؟

الكاتب: بولنت أراس - ترجمة: د. محمد عبده الإبراهيم


قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارة إلى موسكو أواخر شهر آب/أغسطس للإعراب عن خشيته من الهجوم العسكريّ للجيش السوريّ في محافظة إدلب. رحب بوتين به ترحيباً حاراً؛ لكنه لم يقدم له تأكيدات بشأن الوضع في إدلب، وهو ما لم تكن أنقرة تأمل في الحصول عليه.

هناك أولويتان لتركيا في سورية تتمثلان في منع ظهور كيان كرديّ بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي PYD ووحدات حماية الشعب YPG على طول الحدود، وتجنب المزيد من تدفق اللاجئين من سورية إلى تركيا. وتعتمد خطة اللعبة التركية للأولى على إقامة ملاذ آمن في شمال شرق سورية بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وبالنسبة للثانية تعتمد على إعادة تطبيق اتفاقية تجريد إدلب من السلاح التي وقعتها مع روسيا العام الماضي.

ولئن كان هناك تقدّم قد تمّ إحرازه، إلا إنَّ الوضع الحالي لا يلبي مخاوف تركيا، وبخاصّة في إدلب. في الأيام القليلة التي تلت زيارة أردوغان لروسيا، فرّ الآلاف من السوريين باتجاه الحدود التركية.

كان التزام روسيا الرئيس بموجب اتفاق إدلب مع تركيا هو منع الهجمات السورية على تلك المنطقة. لكنها لم تفعل ذلك، ولم تستجب لشكاوى تركيا بشأن الوضع. هناك سببان، أحدهما علني والآخر غير معلن، لعدم رغبة روسيا في معالجة مخاوف أنقرة.

ويرجع السبب الأول لإدراك روسيا أنَّ تركيا قد فشلت في الوفاء بالتزامها الرئيس بموجب اتفاق إدلب، بإخلاء الجماعات المتطرفة من المنطقة وحلّ وحداتها العسكرية. ويعود السبب الثاني إلى الهدف الروسي لسورية ما بعد الحرب لضمان وجود نظام حليف لها.بالنظر إلى هذا الهدف، لماذا تهتم روسيا، أو على الأقل تتظاهر بأنها تهتم بمخاوف تركيا في سورية؟ هناك إجابة بسيطة عن هذا السؤال. تتوقع روسيا احتمال شراكة غير متكافئة مع تركيا، مع تخصيص دور كبير لنفسها.

استفادت موسكو من مشاكل تركيا الداخلية والإقليمية، فتمثيلاً لا حصراً، كان ذلك عن طريق تقديم عدد من الحوافز للرئيس أردوغان في أعقاب الانقلاب الفاشل في تموز/يوليو 2016. تقدم هذه الشراكة فرصاً لروسيا في العديد من المجالات.

أولاً، من مصلحة روسيا أن تجعل تركيا حليفة تابعة غير مستقلة، وبخاصّة عندما يتعلق الأمر بسورية. تتعلق مخاوف أنقرة الرئيسة في سورية بأمن الحدود والأكراد واللاجئين. أدركت أنقرة أهمية دور روسيا في سورية بعد أن أسقطت طائرة مقاتلة روسية في عام 2015. التقارب اللاحق مع روسيا هو ما جعل توغل تركيا العسكري في شمال سورية ممكناً.  وبالتالي، تمكنت روسيا من السيطرة على دور تركيا في سورية وحاولت إدارة عمليات الجيش التركي لضمان أنها لا تعرقل جدول أعمال روسيا. تقدم موسكو نفسها أيضاً كصانع سلام في سورية من خلال عملية أستانا، التي تعتمد على مشاركة تركيا وإيران. كما تمثّل تركيا جزءاً من رؤية بوتين لمجموعة الدول الثماني الموسعة، إلى جانب الصين والهند.

ثانياً، كانت تركيا عميلاً موثوقاً به في صناعة الدفاع الروسية. اشترت تركيا نظام الدفاع الجوي الروسي  S-400رغم تهديدات العقوبات الأمريكية ردّاً على ذلك، واستمرت في هذا الشراء على الرغم من استبعادها من صفقة شراء مقاتلة الشبح طراز F-35. وقد كلف هذا القرار تركيا استثماراتها الأولية البالغة 1.5 مليار دولار في المشروع، كما كلف الشركات التركية مكاسب محتملة قدرها 12 مليار دولار من مشاركتها في عملية تصنيع الـ F-35 .

بدا أردوغان مهتماً بالطائرة المقاتلة الروسية Su-57 الجديدة في معرض الطيران والفضاء الروسي 2019 (MAKS-2019) ، كبديل للـ  F-35 . ولئن لم تطلب تركيا رسميّاً شراء أي طائرة روسية، إلا أن موسكو أكدت أن هناك مناقشات مستمرة وأن أردوغان خصص طائرات Su-35  وSu-57  كبديل للطائرات الأمريكية بعد زيارته لروسيا.

كما ناقشت موسكو وأنقرة مشاريع الدفاع المشتركة، وأبدى أردوغان رغبته في أن تشارك تركيا في إنتاج الجيل القادم من نظام الدفاع الجوي S-500 .ثالثاً، تهتم موسكو بأيّ انقسام في حلف الناتو والشراكة عبر المحيط الأطلسي. أثارت شراكة روسيا المتنامية مع تركيا قلقاً كبيراً في واشنطن وبروكسل. تتراوح أسباب هذه المخاوف من احتمال تعرض الأسرار العسكرية الغربية للروس.وقد أثار شراء تركيا للأسلحة الروسية تساؤلات حول مستقبل عضويتها في الناتو. إذ إنَّ أي خرق في الناتو يعني الاختلاف عن موقف المنظمة الموحّد ضد الخطط الروسية تجاه دول مثل أوكرانيا وجورجيا.

يساعد المُناخ السياسيّ داخل تركيا على توثيق العلاقات مع روسيا. ينتقد التحالف الوطني المحافظ في السلطة في أنقرة الغرب بسبب قلة الدعم خلال الانقلاب الفاشل عام 2016، إذ إنَّ ممثلي هذا التحالف نفسه يشعرون بأن صوتهم لا يسمع في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عندما يتعلق الأمر بـ "الحرب على الإرهاب".الكتلة الأوراسية داخل النخبة الحاكمة التركية لها تأثير يتجاوز قدرتها الانتخابية، ولعبت دوراً حاسماً في دعم التقارب مع روسيا. لقد كانت هذه المجموعة داعية منذ مدّة طويلة ومؤيدة لروسيا في السياسة الخارجية كبديل للغرب بعامّة، وللولايات المتحدّة بخاصّة. بالإضافة إلى ذلك، تعمل آلة الدعاية الروسية في تركيا من خلال وسائل الإعلام الاجتماعية والمطبوعة، وقد أثبتت فعاليتها في تحويل الرأي العام حول القضايا المتعلقة بروسيا.

تفضل روسيا مواصلة شراكتها مع تركيا طالما أن لروسيا الدور الأكبر. من شأن ذلك أن يلبي مطالب تركيا السياسية والأمنية قصيرة الأجل، لكنه سيكون ضاراً على المدى المتوسط إلى الطويل. إن التقاليد السياسية لتركيا، والقالب الهيكليّ في السياسة التركية والسياسة الخارجية، وروح أنقرة البيروقراطية، ستكون الحواجز الرئيسة أمام الشراكة الناشئة مع روسيا.

توضح نظرة إلى تاريخ التحالفات في تاريخ تركيا، أن نُخبها لن تلتزم بأي تحالف أو لن تعول عليه في ظل غياب المخاوف الوجودية والحيوية المرتبطة بها.إنَّ الشراكة التركية الروسية هي حقيقة واقعة في سورية رغم احتمال وجود تحديات في الأفق. ومن المرجح أن تمنع الواقعية الروسية من إضفاء قيمة كبيرة على أي تحالف. لكن خسارة تركيا، غير الواردة، ستكون بمثابة نكسة كبيرة في سياسة روسيا الإقليمية. لا يوجد مستقبل لشراكة غير متكافئة بين روسيا وتركيا، وسوف تعتمد علاقتهما المستقبلية على التطورات الإقليمية والمحلية لكلا البلدين.

من المحتمل أن يتحول تحالفهما الحالي إلى مزيج من التعاون والمنافسة، على غرار المراحل السابقة، ولكن ربما يكون أقل توتراً بعد هذه المرحلة الحالية من العلاقات الجيدة.

 

 

الجمل ـ مركز دمشق للدراسات