ما بعد المسيحية: المستقبل ما بعد الحداثي للدين

قَطع العهد الجديد مع تقارير العهد القديم حول ماهية الحقيقة، فإذا كان الثاني قد تحدث بشيء من التفصيل عن طبيعة الكون والخلق وبداية العالم، فإن الأول غير مُهتم باكتشاف ماهية الحقيقة بقدر ما هو مهتم باكتشاف الوسائل لحياة إنسانية أفضل. الوصية الكبرى للمسيح ليست «اعرف الحقيقة»، أو «أحب الحقيقة كنفسك»، ولكنها «أحب قريبك كنفسك»، وهي وصية عملية وعلمانية تمامًا، لا تَدّعي غير صلاحيتها الواقعية لتحقيق حياة إنسانية أفضل.

يعتقد "جياني فاتيمو" أن المسيحية قدمت إسهامًا مُبكرًا وهامًا في تفكيك المفهوم الميتافيزيقي للحقيقة الذي يستند إلى مصدر الحقيقة كأداة تبرير لها، وليس إلى ارتباطاتها الذاتية والتاريخية وفاعليتها فيما يخص خلق حياة أفضل، فقد ساهمت المسيحية في تقديم ادعاء بشأن تأويلية (هيرمونطيقية) وتعددية الحقيقة، ينافس ادعاء الموضوعية العلمية بصفتها وسيلة المعرفة الوحيدة؛ الأمر الذي أَيده فاتيمو رفقة ريتشارد رورتي بالتأكيد على خضوع الحقيقة للذات والمنفعة الاجتماعية أكثر من خضوعها للواقع الموضوعي الخارج عنها، ذلك الواقع الذي يتعذر إدراكه بطريقة مُحايدة بسبب عوائق اللغة.


المسيح ما بعد الحداثي

أعاد رورتي إحياء الإطار البراجماتي لفلسفة اللغة (متأثرًا أيضًا بتفكيكية جاك دريدا) باعتبارها تبادلًا غير مستقر بين مُتحدثِيها، حيث لا يعني تقاسم لغة «تقاسم حقائق موضوعية لكن الاتفاق على بعض التفضيلات»،وتبعا لذلك تتجزأ الحقيقة إلى تفسيرات تأويلية، كما في فلسفة هانز جادامير، أكثر من كونها ثوابت موضوعية مرتبطة بالعلم، ويصبح بإمكان فاتيمو ورورتي الاتفاق مع تحذير المسيح التفكيكي لأصحابه من دعوة «أُولي الأمر» (يمكن اعتبارهم مجازًا مُلاّك الحقيقة)، باستبصار الملكوت في السماء، أو باستطلاعه في البحر، لأن الملكوت بداخلهم.

وفق ذلك، «لا تُوجد حقيقة، وإنما تأويلات» (Nietzsche: 1887)، فنحن نمتلك دومًا فهمًا أو استعدادًا مُسبقًا يجعلنا بالأساس مُنتبهين إلى ظاهرة ما، بدلًا من كوننا مُجرد شاشات تنعكس عليها نظرة مُحايدة موضوعية، وحيث لا يُمكن مناقشة التأويل نفسه إلا بصفته استجابة معينة لوضع تاريخي مُعين، بهذه الطريقة تصبح الفلسفة إذن إطارًا لشعور المرء حول معنى وجوده في مجتمع ووضع تاريخي بعينه.

بهذه الطريقة التأويلية/البراجماتية، تسامحت المسيحية أيضًا مع تأويلاتها/تحولاتها العلمانية العميقة داخل إطار تاريخي مُختلف، بحيث تحولت طقوسها الأكثر خصوصية إلى مظاهر لثقافة كونية تستوعب الجميع، كعيد الميلاد الذي تحول إلى احتفاء باستمرار وتجدد الحياة والأمل بمستقبل أفضل للمجتمع البشري يتم إحياؤه سنويًا، أو حتى الصليب (رمزها الأكثر خصوصية) الذي قَبِل استيعابه الثقافي الكوني ضمن تفسيرات وصور جامعة عديدة، من تمثيل التضحية في سبيل البشرية، إلى مقاومة الظلم والاضطهاد والطبقية (مثلما حدث مع لاهوت التحرير في أمريكا الجنوبية، أو مع المقاومة الإيطالية الكاثوليكية ضد الفاشية).

سيتحدد مصير المسيحية إذن وفقًا لإطارها التاريخي الحالي، حيث بإمكانها التحرر من الكنيسة، ليس تحررًا بروتستانتيًا وإنما التحرر ما بعد الحداثي الذي يتبادر الآن في تسامح الكاثوليك مع تنظيم النسل وزواج الرهبان وانتخاب القسيسين الحر للأساقفة بحيث تصبح الكنيسة عندئذ دليلًا روحيًا ناصحًا مثلما أرادها المسيح، وليست مؤسسسة هرمية غارقة في صراعات ورغبات الماضي السلطوية، حيث لم يعد ممكنًا اعتبار الإله (منذ أن أعلن نيتشه ذلك) كأساس نهائي للحقيقة، أو كهيكل ميتافيزيقي مُطلق للواقع.

بذلك تتخلى المسيحية عن الضبط والاستبداد الأخلاقي المستند إلى تفسيرات حرفية مُطلقة للإنجيل خلف ستار امتلاك الحقيقة، لتصير مدخلاً نسبيًا للتسامح والبر المجتمعي والذي يقبل تطورات تلك المفاهيم الحديثة المتعددة.

في مقابل الاحتكار المركزي للحقيقة، يمكن أن تسود/تُعاد التأويلات الأكثر كونية، بحيث تتحقق الثقافة التواصلية المُتضمّنة في الوحي اليهودي-المسيحي، مستندة إلى تأويل للنص المقدس يضع في المقدمة الطبيعة التشككية لكثير من محاورات العهدين القديم والجديد بخصوص موضوعية الحقيقة والإيمان والأخلاق بين الله وإبراهيم وموسى وأيوب… إلخ، وهي نفس الطبيعة الشكية الأخلاقية للمسيح التي عبر عنها في مواقف عدة أبرزها موقفه من المرأة الزانية.
بذلك تَستبدل المسيحية بواسطة ذلك التأويل عهدها الحداثي المتمركز مؤسساتيًا (عبر الكنيسة) وثقافيًا (عبر أوروبا) وسياسيًا (عبر الغرب)، بآخر ما بعد حداثي، لا سلطوي، ولا مركزي، لا يرفض العلمانية أو اللا مبالاة الإيمانية كخصمين، وإنما يتقبلهما كأحد تأويلات المسيحية المُتجددة. هنا، يفترض فاتيمو أن المسيحية مثلت منذ نشأتها العدمية ما بعد الحداثية ذاتها.

ما بعد المسيحية

يصف رورتي نفسه بـ «العلماني المناهض للإكليركية»، وهو موقف سياسي، ليس إبستمولوجيًا أو ميتافيزيقيًا، بينما يستوعب فاتيمو العهد الجديد حرفيًا بصفته عهدًا جديدًا للرب مع البشر بصفتهم أصدقاء وليس عبيدًا أو خدم. كلاهما، رورتي وفاتيمو، مختلف مع تيار الإلحاد الجديد المُعادي جذريًا للدين انطلاقًا من أرضية الموضوعية العلمية وصلاحيتها الُمطلقة للتطبيق في مجالات الأخلاق والسياسة، وذلك لادعاء تلك الموضوعية «الميتافيزيقي» حول امتلاك الحقيقة الخارجة عن الذات والمُستقلة عن الأُطر التاريخية واللغوية.

عند هذه النقطة يميل رورتي إلى انتقادات ما بعد الحداثة للتقنية الأدائية المُهيمنة على أخلاقيات وجماليات المجتمعات المُعاصرة. تلك التقنية المستندة إلى السلطة العلمية والمُنحازة إلى الإنتاج وإلى التطور التكنولوجي كغاية في ذاته، بحيث يتخلى العلم تدريجيًا عن وظيفته الإدراكية (تحليل وتفسير الظواهر) إلى مجرد إنتاج المزيد من العمل، كما يرى ليوتار، بصورة تقمع أشكال الثقافة أو السلوك الحر أو الإبداعي أو التضامني، ما لم تكن تصب في صالح تحسين العملية الإنتاجية، وتكثيف الاستهلاك، ذلك الأخير الذي يُمثل دليل المجتمع ما بعد الصناعي الأخلاقي والجمالي، أو «المجتمع البيروقراطي للاستهلاك المُنظم» كما دعاه من قبل هنري لوفيفر.

كان من الخطأ في رأي رورتي تحويل عالِم الطبيعة إلى كاهن جديد، عبر القول بأن الأول يمتلك منهجية خاصة يمكن بواسطتها فقط إدراك نفس القدر من الثقة الذي نمتلكه حيال المُنجزات التكنولوجية التي حققتها المنهجية ذاتها، حيال انحيازاتنا الأخلاقية بذلك، كان من الخطأ أيضًا تحويل العلم إلى ميتافيزيقا جديدة بديلة للميتافيزيقا الدينية، تستند إليها ادعاءات/احتكارات الحقيقة في الأخلاق والسياسة، فلم يكن الحل هو اختراع ميتافيزيقا جديدة، بقدر ما تمثّل في «تجاوز الميتافيزيقا القديمة».

حررت الفلسفة بالفعل الدين من الميتافيزيقا، ويمكن استخلاص أفضل النتائج من ذلك، ليس بواسطة استبدال السلطة الدينية بأخرى علموية (دون إنكار أفضلية انتصار العلم على الدين منذ التنوير)، وإنما بواسطة براجماتية تأويلية تُحرر الفلسفة هذه المرة نهائيًا من الميتافزيقا، بحيث تتمكن من استيعاب مضامين الفلسفة والدين الاجتماعية ضمن ثقافة التواصل، حيث الاعتراف بأن الحقيقة والمعرفة هما مسألة تعاون اجتماعي، وأن العلم مُهم للغاية لأنه يمنحنا الوسائل لتنفيذ مشاريع اجتماعية تعاونية أفضل من ذي قبل، مدفوعين بهاجس التحرر وتوسيع نطاق الحرية وإمكانيات الفعل والسلوك البشري المؤدي للسعادة، وذلك بتوسيع نطاق التضامن المستمد من الثورة الفرنسية، والخيرية المستمدة بدورها من المسيحية، والسخرية المستمدة من الرومانسية.

لا يُطالب رورتي وفاتيمو مثلما يفعل المُلحدون الجُدد بإلغاء الدين فورًا أو بطريقة جذرية، وذلك لأنهما لا يُنظّران لتغيير راديكالي للمجتمع بقدر ما يُنظّران لإمكانيات سياسية ممكنة في المدى القريب، أي فعل كل ما يمكن فعله الآن وفقًا لمواضعات الظرف الحالي، والأمل بأن تُحدث التغيرات الصغيرة تراكمات لصالح الحرية والعلمانية داخل المجال العام.

إضافة إلى أن الدين ضمن رؤية رورتي وفاتيمو غير ضار طالما ظل محدودًا بالمجال الخاص، وطالما لم يتم استغلاله من قبل المؤسسات الدينية في تمرير أو دعم سياسات «موافقة للإيمان»، فهل يعني ذلك أن اختيارات الناس ستتوقف بطريقة أو بأخرى عن أن تكون انعكاسًا في بعض الأحيان لانحيازاتهم الأخلاقية النابعة من الدين، أو حتى من انحيازاتهم العقائدية الخالصة؟ الإجابة هي لا، لكن لا يمكن الحد من ذلك بواسطة سياسات «ستالينية» معادية للدين، وإنما بتوسيع نطاق الحرية داخل المجال العام على أساس يحترم فيه المتدينون السياسة المدنية العلمانية المُحايدة تجاه الضمير، والضامنة لحريته، واحترام العلمانيين في المقابل لحق المواطنين المتدينين في الاعتقاد طالما ظل الاعتقاد خاصًا، وطالما أن المتدينين قد استوعبوا السياسة العامة بصفتها المُحايدة تجاه الإيمان.

ليس ذلك مستحيلًا، بل يظل ممكنًا طالما وضعنا في الاعتبار أن تحسين الأوضاع المادية للبشر وتوسيع حقوقهم السياسية (كأولوية) رافقه تاريخيًا كنتيجة تحلل التعصب الديني، إما باتجاه لا أدري/إلحادي، أو باتجاه إيمان فردي يعتنق التأويلات الأكثر تحررًا وكونية للدين، أو باتجاه «فتور الإيمان» لدى «أنصاف المؤمنين» كما يصفهم فاتيمو، أولئك الذين يذهبون للكنيسة فقط من أجل حفلات الزواج والتعميد والجنائز.

سادت هذه النتائج بين كل المتدينين تقريبًا في جميع المجتمعات التي مَرّت بدرجات متباينة من تحسين الظروف المادية والسياسية، لذلك على نقاد الدين الاجتماعيين، من مناهضي الدور السياسي الرجعي للمؤسسات والرموز الكهنوتية والأصولية، التركيز على نقد تلك الأخيرة، أكثر من الحط العبثي من قدر المتدينين الأفراد، لأنه بالإمكان إقناع الناس بفساد مؤسسة يُدركون بدرجة ما (مهما كان درجة تماهيهم معها وخضوعهم لها) أنها تمارس تسلطًا عليهم، إضافة إلى أن معارضتها سياسيًا واجتماعيًا لن يجرح “كرامة” إيمانهم الديني بقدر ما سُيعمق النقد الأكثر فردية/شخصانية ذلك الجرح.

الإله لا يعود يلعن الأرض

قد تبدو رؤى رورتي وفاتيمو متمركزة حول المسيحية، بطريقة تجعلها نموذجًا معياريًا للدين، ويبدو ذلك مُبررًا إذا ما لا حظنا وفاءهما لفكر جون ديوي، الذي ربط حصرًا بين تحقق الديمقراطية كمفهوم حيوي، والفصل المسيحي الروحاني بين المجالين العام والخاص.

يمد فاتيمو فكر ديوي على استقامته، فقد مثّلت علمنة الثقافة الغربية كما يرى إتمامًا لعقيدة التَجسد، حيث الله قد حلّ في الإنسان، فصار الإنسان نفسه، وكأن الله يُسلم زمام الأمور إلى البشرية بصفتها صديقًا، وليس خادمًا. وبينما خضعت المسيحية لسياقاتها التاريخية المُختلفة، وتفاعلت معها، فإن جوهرة اكتشافاتها ظلت دعوة الحب والخيرية، التي رددها المسيح على امتداد الإنجيل مستهزئًا أحيانًا بتساؤلات حواريه الأنطولوجية (الوجودية) والميتافيزيقية الخاصة بطبيعة وبداية الله أو الكون. فتلك الدعوة هي ممارسة، لا حقيقة منطقية أو تجريبية أو ميتافيزيقية، لذلك فهي تمثل قلب المسيحية الصالح للبقاء دون غيره.

من السهل إذن بالنسبة لفاتيمو وصف نفسه بـ «الكاثوليكي المُرحب بموت الإله»، إذ تُمثل له العلمانية بطريقة هيجلية ما تحققًا للروح المُطلق المسيحي في التاريخ، على الرغم من رفضه للسرديات الكبرى (الغائية) للتاريخ، إلا أن المسيحية قد حملت بطريقة ما منذ بدايتها بذرة العلمانية بداخلها.تبعا لذلك، كان مستقبل الدين المسيحي المحدود بالضمير والمجال الخاص، وكذلك النسبوي وما بعد الحداثي، حتميًا بدرجة كافية، ذلك المستقبل الذي يُمثل فاتيمو الكاثوليكي مثليّ الجنس نموذجًا له، نموذجًا حيث لا يمكن بجدية «أن نسمي أنفسنا مسيحيين، لأنه في عالم حيث الله قد مات، وانتهت السرديات الكبرى، وتفككت -لحسن الحظ- كل ادعاءات السلطة، بما في ذلك سلطة المعرفة الموضوعية، فإن الفرصة الوحيدة لنجاة البشرية تكمن في وصية الخيرية/الحب المسيحية».

يخلتف مستقبل رورتي قليلًا، إذ يتمنى زوال المقدس الديني التدريجي نهائيًا لصالح المقدس الإنساني المُتمثل في الحب، بصفته مشتركًا بشريًا براجماتيًا خالصًا وليس مسيحيًا، حيث المجتمع المستقبلي الخالي من التسلط والطبقية، بطريقة ما فإن شعور رورتي (ذي النشأة العلمانية) بالمُقدس يتمثل في تسامي روحي يُمثله أمل بمستقبل أفضل للبشرية.

 

 


إضاءات