خطة بوتين وأردوغان لشمال شرق سورية، تعزيز للنفوذ الروسي

الكاتب: أنتون ترويانوفسكي وباتريك كينغزلي - ترجمة: ترجمة محمود حرح

استضاف الزعيم الروسي نظيره التركي بعد انتهاء المدة المحددة لوقف إطلاق النار الذي تم عبر وساطة أمريكية مع القوات الكردية، الأمر الذي يؤكد على ظهور موسكو كلاعب قوي في الشرق الأوسط.

تقوم طائراته بدوريات في السماء السورية. ويوسّع جيشُه عملياتِه في القاعدة البحرية الرئيسة في سورية. ويقيمُ علاقات أوثق مع تركيا. ويتحرك مع حلفائه السوريين نحو الأراضي التي أخلتها الولايات المتحدة.

استضاف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الرئيسَ أردوغان يوم الثلاثاء لأكثر من ست ساعات، دارت فيها محادثات حول تقاسم النفوذ بين الفواعل في سورية، التي دمرتها سنوات ثمانية من الحرب.

عززت المفاوضاتُ الأفضليةَ الاستراتيجية للسيد بوتين: إذ ستحظى القوات الروسية والتركية بالسيطرة المشتركة على مساحة شاسعة من الأراضي التي كان يسيطر عليها الكرد سابقاً في الشمال السوري. يُقوّي هذا التغيّرُ التوسعَ السريعَ للنفوذ الروسي في سورية على حساب الولايات المتحدة وحلفائها السابقين، الكرد.

وبموجب شروط الاتفاق، على القوات الكردية أن تنسحب بعيداً عن الحدود بمسافة تزيد عن 20 ميلاً خلال ستة أيام، تاركة وراءها تلك الأراضي التي سيطرت عليها دون منافس حتى وقت سابق من هذا الشهر – عندما بدأ حاميهم، الجيش الأمريكي، بالانسحاب فجأةً من المنطقة. ولم تستجب القيادة الكردية لهذا المطلب على الفور.

حصل أردوغان أيضاً على كثير مما أراده –منطقة عازلة خالية من الميليشيا التي تعدّها تركيا تهديداً إرهابياً – لكن في المقابل سيتشارك السيطرة مع السيد بوتين والرئيس السوري بشار الأسد، الذي عارض أردوغان حكمه منذ فترة طويلة.

وقال بوتين وهو بجانب أردوغان بعد الاجتماع: «فقط باحترام سيادة سورية وسلامة أراضيها، يمكن تحقيق استقرار دائم ومتين في سورية. من المهم أن يشاركنا شركاؤنا الأتراك هذا النهج. سيكون على الأتراك الدفاع عن السلام والهدوء على الحدود، هم والسوريون معاً. لا يمكن تحقيق ذلك إلا في جو من الاحترام المتبادل والتعاون».

لقد ظهر السيد بوتين كقوة مهيمنة في سورية، ووسيط قوة رئيسٍ في الشرق الأوسط الأوسع – وهي حالةٌ أظهرتها رحلة أردوغان إلى المنزل الصيفي للرئيس الروسي في سوتشي، والتي تم ترتيبها على عجل. يبدو جلياً وبشكل متزايد أن روسيا، التي ساندت الحكومة السورية بالدعم الجوي على مدى السنوات الأربع الماضية، ستكون الحَكَم في ميزان القوى هناك.

في الوقت الذي يشكك فيه الرئيس ترامب بالتحالفات الأمريكية والقوات المنشورة حول العالم، كانت روسيا، وكذلك الصين، تستعرض عضلاتها، في توقٍ لملء فراغ القوة الذي خلفته الولايات المتحدة بتوجهها المتزايد نحو العزلة. في سورية، اغتنم كل من السيد بوتين والسيد أردوغان الفرص التي خلقها الانسحاب المفاجئ للسيد ترامب.

لطالما أراد أردوغان محاربة القوات التي يقودها الكرد التي تسيطر على شمال شرق سورية، لكنه لم يكن يجرؤ على ذلك نظراً لتمركز حلفاء الكرد الأمريكيين هناك. وبعد أن وافق السيد ترامب على سحب القوات الأمريكية من المنطقة، شنّ أردوغان غزواً.بدأ اجتماع سوتشي قبل ساعات قليلة من انتهاء الهدنة التي تمت بوساطة أمريكية بين القوات التركية والكردية في سورية، حيث يقول أردوغان إن قواته قد استولت على أكثر من 900 ميل مربع من الأراضي منذ بداية الغزو في 6 تشرين الأول/أكتوبر.

يقول هاورد آيزنستات، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة سانت لورانس في كانتون، نيويورك: «ما تزال الولايات المتحدة هي الغوريلا التي تبلغ قيمتها 500 رطل، فإذا قررت الولايات المتحدة أن قضية ما هي مصدر قلق رئيس لأمنها القومي، لن يستطيع أحد في المنطقة فعل شيء حيال ذلك».

ولكن مع تزايد خروج الولايات المتحدة من الصورة –كما يُرمَز إليها في وسائل الإعلام الروسية بصور لغسالات مهجورة وعلب كوكاكولا غير مفتوحة قد تُرِكَت في الانسحاب الفوضوي– كان السيد أردوغان يحتاج لموافقة روسيا يوم الثلاثاء لترسيخ وتوسيع مكاسبه.

وقال سنان أولجين، رئيس مركز دراسات الاقتصاد والسياسة الخارجية، وهي مجموعة بحثية مقرها إسطنبول: «في السابق، كان يمكن لتركيا أن تلعب ورقة الولايات المتحدة أمام روسيا وورقة روسيا أمام الولايات المتحدة. أما الآن، لم يعد الأمر كذلك. وتطورت روسيا لتكون الند الحقيقي الوحيد لتركيا في سورية».

بدا اجتماع سوتشي بمثابة تتويج لاستراتيجية السيد بوتين التي استمرت لسنوات؛ وهي الاستفادة من الانقسامات الغربية لبناء علاقات أوثق مع تركيا، العضو في حلف الناتو والحليف الرئيس للولايات المتحدة لفترة طويلة، وزيادة نفوذ موسكو في الشرق الأوسط.بينما تذبذب نهج الولايات المتحدة وأوروبا الغربية تجاه سورية – بما يحبط تركيا وقوى الشرق الأوسط الأخرى- اختارت روسيا حماية حليفها، السيد الأسد، وتمسكت به رغم انتقادات شديدة من الغرب.

وبالنتيجة يقول الروس، رغم افتقار روسيا إلى قوة الغرب الاقتصادية، إلا أنه يمكن دائماً الاعتماد عليها للوفاء بوعودها.

وقال ديمتري كيسيلوف، وهو مضيف بارز لبرنامج إخباري روسي على تلفزيون حكومي: «يشعر بعض الناس بالغضب مجدداً، ويشعر البعض بالغيرة وينجرف البعض إلى السلطة. أياً كان الأمر، فسيسافر أردوغان إلى روسيا للقاء بوتين».

أظهر التليفزيون الروسي أن السيد بوتين يبدو مسترخياً وهو يلقي كلمته الافتتاحية في سوتشي، متّكئاً إلى الوراء ويداه متشابكتان بارتياح فوق مسند الكرسي. وعلى النقيض من ذلك، جلس السيد أردوغان مستقيماً وهو ينظر إلى نظيره الروسي.

لقد اقترب السيد بوتين، الذي يتلذذ بدق الأسافين في التحالفات الغربية، من السيد أردوغان، الذي كانت علاقاته مترنحة مع أوروبا والولايات المتحدة. لقد التقيا ثمانيَ مرات هذا العام، حسب يوري أوشاكوف، مستشار السياسة الخارجية في الكرملين.

في تموز/يوليو، تحدّت تركيا التحذيرات الغربية، وبدأت باستلام منظومة صواريخ روسية مضادة للطائرات، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى إلغاء عملية شراء تركيا لطائرات مقاتلة أمريكية الصنع. وقد حذّر الناتو سابقاً من أن عملية الشراء قد تكشف الأسرار التكنولوجية الغربية لروسيا، وأن الأسلحة الروسية لا تتوافق مع أنظمة الحلف.

كما أقام السيد بوتين علاقات مع أقرب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، "إسرائيل"، وأشد خصومها، إيران، وهي مؤيد آخر للسيد الأسد.

قال السيد آيزنستات: «ليس لدى روسيا القدرات الاقتصادية أو العسكرية التي تمتلكها الولايات المتحدة، لكنها امتلكت ما يكفي من الدهاء لاستخدام قوتها بوسائل محدودة وفعالة».

حتى هذا الشهر، تمكن المقاتلون الكرد من اقتطاع "منطقتهم المتمتعة بالحكم الذاتي" في شمال شرق سورية، خارج سيطرة الحكومة، وسط فوضى الحرب. لقد وسّعوا أراضيهم بشكل كبير من عام 2015 فصاعداً، عندما أصبحوا الشريك السوري الرئيس للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والذي عمل على هزيمة "داعش".

عندما استولى المقاتلون الكرد على الأراضي التي كان يسيطر عليها "داعش"، تولّوا زمام الحكم هناك، وفي النهاية سيطروا على ربع مساحة سورية تقريباً.

ولكن نظر السيد أردوغان إلى الميليشيا الكردية، المعروفة باسم "قوات سوريا الديمقراطية"، كتهديد للأمن القومي التركي، لأن المجموعة تشعّبٌ لحركة حرب عصابات شنّت تمرداً دام لعشرات السنين في تركيا.

ونتيجة لذلك، سعى السيد أردوغان إلى إنشاء منطقة عازلة على طول الحدود التركية السورية بعمق ما يقرب 20 ميلاً، لمنع المقاتلين الكرد من الوجود في نطاق يسمح لهم بتوجيه مدافع الهاون نحو تركيا.

في يوم الثلاثاء، دفع السيد أردوغان السيد بوتين للموافقة على أجزاء من هذه الخطة: وبموجب الاتفاق، ستقوم القوات الروسية والتركية بدوريات مشتركة في معظم الحدود السورية التركية، على امتدادٍ بحوالي 260 ميلاً وعمق ستة أميال. وسيتعين على القوات الكردية التراجع أكثر - إلى منطقة تبعد 20 ميلاً عن الحدود.

كما سيكون بمقدور الحكومة التركية ووكلائها من السوريين الاحتفاظ بالسيطرة على منطقة أعمق من الحدود، يبلغ طولها حوالي 75 ميلاً وعمقها 20 ميلاً، وهي مناطق استولت عليها وأخذتها من القوات الكردية هذا الشهر.

لكن في المقابل، كان على السيد أردوغان أن يتخلى عن آماله في فرض سيطرة أكبر على منطقة أوسع بكثير – وأن يوافق على السماح لقوات السيد الأسد بالعودة إلى حدودٍ تركوها قبل عدة سنوات.

وقد تعرض السيد أردوغان أيضاً للّوم من قبل السيد بوتين لأنه جازف بإعادة إحياء "داعش". إذ لم يتمكن المقاتلون الكرد الذين تحول انتباههم بسبب الغزو عن القيام بعمليات مناهضة لـ "داعش"، وقد هرب العديد من مقاتلي "داعش" من السجون التي يديرها الكرد.قال السيد بوتين بينما وقف السيد أردوغان بجانبه: «لا بد من التأكد بأن أعضاء المنظمات الإرهابية، بما في ذلك تنظيم "داعش"، الذين يُحتَجَز مقاتلوهم من قبل تشكيلات مسلحة كردية والذين يحاولون الهرب، لن يستغلوا الفرصة التي خلقتها تصرفات القوات التركية».

كما اتصل السيد بوتين بالرئيس الأسد بعد الاجتماع لإبلاغ الزعيم السوري بالتطورات، كما قال الكرملين في بيان: وقد قام القائد السوري بـ "دعم القرارات المتخذة".عندما عبرت القوات الأمريكية الحدود من سورية إلى العراق هذا الأسبوع، واجهت الحكومة العراقية تساؤلات حول ما إذا كان هذا الانسحاب تمويهاً لتعزيز وجود القوات الأمريكية في العراق. فللجيش الأمريكي معسكر كبير في أربيل، عاصمة "كردستان العراق"، والقوات ذاهبة إلى هناك إلى أن يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة للمضي قدماً.بدا وزير الدفاع مارك إسبر مدركاً لمخاوف العراقيين يوم الثلاثاء خلال توقف له في المملكة العربية السعودية عندما قال: «إن الهدف ليس البقاء في العراق بشكل لانهائي. إن الهدف هو سحب جنودنا وإعادتهم إلى موطنهم في نهاية المطاف». وقال إسبر أيضاً إنه سيناقش الأمر مع المسؤولين العراقيين عندما يزور بغداد يوم الأربعاء. 

 

 


الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات