قبيلة كلب ودورهم في التكوين السياسي لبلاد الشام

بقلم الدكتور اليان مسعد
كانت قبيلة كلب مسيحية قبل الاسلام وتسيطر على البادية السورية ووادي السرحان وبادية السماوة واطراف مدن سوريا الداخلية من دومة الجندل وحتى حلب ولا يخالطهم فيها أحد، فكانت شريكا دائما للتجار. وكانت كلب أقوى قبيلة في العصر الأموى حيث كانت تسيطر على الطرق المؤدية للشام، وكانت لها صلات وثيقة بقريش في مكة قبل الإسلام. .وهنا يبرز الدور السابق لقصي بن كلاب الجد المشترك للامويين والهاشميين, الذي صنع الاتفاقية الكبرى بين أهل مكة وبين القبائل البدوية بالشام, تلك الاتفاقية التي سنعرفها من خلال القرآن الذي ذكرها في سورة (لإيلاف قريش , إيلافهم , رحلة الشتاء والصيف) تلك الاتفاقية التي سيسكّن فيها وحشية البدو وجوعهم الى القتل , ونهمهم للنهب بالتحالف مع العشائر الشامية المتحضرة.. وبتحالف قريش مع قبيلة كلب كانت قوافلهم تسير في الشام لا يتعرض لها أحد. وأحيا الأمويون التحالف القديم مع قبيلة كلب فسهلت كلب للمسلمين غزو الشام والعراق، واشتركت بتسوية انسحاب البيزنطيين النهائي من سوريا  وإعادة صنع الحلم ثانية وتجديد التحالف السابق بين كلب ومعاوية أثناء ولايته على الشام، وبسيوفهم استطاع أن يقيم ملكه.

مذ كان معاوية أميرا على الشام، هذا إلاقليم السوري الذي كونه الاراميون سابقا بتعاقد قرقر العسكري ثم باتفاق السفيرة تحت اسم آرام العليا وآرام السفلى وآرام كولّن (كل ارام) هذا الاقليم الذي استطاع بالماضي الإفادة من ضعفه الاستراتيجي وعدم قدرته على تشكيل دولة مركزية ولكنه فاجأنا باستدارته ليشكل حضارة وثقافة كونية كالآرامية لغة وثقافة عمت العالم القديم من الهند الى اسبانيا، ولاحقا لم يتوسع العرب مطلقا الا على التراب الذي وطئته الثقافة والحضارة الارامية وأن الشام حاولت رغم ضعفها وتفتتها إنشاء دولة موحدة كبيرة من جديد وذلك حين أثرت البتراء وما يسمى الآن بالاردن وحوران وصولاً إلى دمشق والحجاز وسوريا الصخرية الرومانية بتبني هذا الامير واعني معاوية وتسويقه، وكان جاهزا لالتقاط الفرصة فتزوج ابنة بحدل الكلبى أشهر زعيم لقبيلة كلب وانجب منها ابنه يزيد. وكان معاوية كما يبدو عارفاً بالخريطة المذهبية للشام, فتحالف مع المذاهب غير الخالقيدونية, والمونوثيلية وملكانية المدن الخلقيدونيين وكانت قبائل الشام في معظمها مسيحية يمانية تدين باليعقوبية, مثل تحالف غسان وتنوخ و قبائل قضاعة واياد وطي ومن أشهرها على الاطلاق قبائل كلب التي تنسب إليها قرية المزة قرب دمشق والتي كانت تسمى مزة كلب, أما بساتين الحمرية وهي البساتين التي اختفت تحت الجمعيات السكنية بكفرسوسة, فمن الواضح أن الحمرية تعني الحميرية أي التي للقبائل الحميرية اليمنية. أما في الغوطة الشرقية فهناك قرية ماتزال تدعى البحدلية والبحدلية نسبة الى اسم بحدل الشهير أبي ميسون ام زياد ابن معاوية والتي اشتهرت بقصيدتها بخلع معاوية زوجها وتطليقه


لَبَيْتٌ تخفِقُ الأرواحُ فيه أحبُّ إليَّ من قصرٍ مُنيفِ
وأصواتُ الرياحِ بكل فَجٍّ أحبُّ إلي من نَقْر الدُّفوفِ
وبكْرٍ يتْبَعُ الأظْعانَ صَعْبٌ أحبُّ إلى من بَغْلِ زَفُوفِ
وكلبٌ ينبح الطُرَّاق عنّي أحبُّ إليَّ من قِطٍّ ألوفِ
ولُبْسُ عباءةٍ وتقَرُّ عيْني أحبُّ إليَّ من لِبْسِ الشُّفوفِ
وأكْلُ كُسَيْرَة في كِسْرِ بَيْتي أحبُّ إليَّ من أَكْلِ الرَّغيفِ
وخَرْقٍ مِن بني عمي نحيفِ أحبُّ إليَّ من عِلْجٍ عليفِ
خشونَةُ عِيشتي في البدْو أشهى إلى نفسي من العيشِ الظَّريفِ
فما أبْغي سوى وطني بديلا فحسبي ذاكَ من وطن شريِف


 وهذه حكاية استعادة الامويين واهل الشام السريان لألقهم الامبراطوري بدمشق، وضعفت شوكة بني كلب بمجرد سقوط الدوله الأمويه ولكن التنافس ظل قائماً فتجددت الفتنه بين المضريين واليمنيين فاستنجد المضريون بقيس واليمنيون استنجدوا بكلب فقتل بين الطرفين بسبب العصبيه خلق كثير وكان انذاك عامل السلطان موسى بن عبس فارسل هارون الرشيد موسى بن يحي وولاه على دمشق واصلح بين اهلها وسكنت الفتنه واستقام الامر، وكان ذلك في سنة 176 هـ وهي ماتسمى فتنة دمشق، وتابع الكلبيون انتفاضاتهم وموالاتهم لبقايا الامويين، وفي سنة 195 هـ ظهر بالشام السفياني علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاويه وامه نفيسه بنت ابن عباس بن علي بن ابي طالب فهو كريم المحتد من جهة ابيه الاموي وامه الهاشمية وهو الملقب بابي العميطر فدعاهم إلى نفسه واستنجد بكلب فطرد عامل الخليفه الامين سليمان بن ابي جعفر ولكن حركته باءت بالفشل وقتل وفي سنة 249 هـ حصلت وقعه بين الحسين بن حمدان وبين اعراب من بني كلب. وفي سنة 250 هـ وثب اهل حمص بمعاونة قبيلة كلب الذي كان عليهم رجل يقال له عطيف بن نعمه الكلبي بعاملهم وهو الفضل بن قارون فوجه اليهم موسى بن بغا فحاربهم وهزمهم وقتل منهم مقتله عظيمه واسر جماعه من اهلها الاعيان وهرب عطيف ولحق بالبدو وبعدها تشيع بنو كلب في نواحي حلب ودعموا امارة سيف الدولة الحمداني وهو تغلبي وبعد انهيارها هاجر منهم قسم الى جبلة معهم تنوخيين ليلتحقوا بتنوخيين سابقين وكانت ضمن النفوذ البيزنطي وعاملهم التنوخي وقسم هاجر الى مناطق الشوف وقسم الى جبل سنجار بادلب ودعموا التحرك العسكري الذي قاده الامير المكزون السنجاري الغساني ضد الايوبيين في الجبال الساحلية، حيث تمكن بعد معارك وادي العيون وابوقبيس وعين الكروم ان يفرض سيطرته واسقط نفوذهم وطردهم حيث لاتزال لعشيرة كلب بيوتات كثيرة تنتسب لهم باسم عشيرة الكلبية واشهر شخصياتهم المعاصرة على الاطلاق الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد. و ظلت الخلافات بين قيس وكلب مستمره وكانت تقوم المعارك بينهم بين فينه وأخرى وكثيرا ما يستنجد باحدهم ضد الاخر من قبل الامراء والقبائل الأخرى أيضاً ولم يكن هناك نصر أو هزيمه لاحدهم. وجدير بالذكر انه حتى عام 1666 م في عهد الأمير أحمد بن ملحم بالشام عندما عادت الخلافات بين قيس وكلب ثانيه للظهور احرز الأمير أحمد نصراً كبيراً على كلب ومن يساعدهم في واقعة الغلغول فأضعف كثيراً من مركزهم. ولكنهم عادوا للظهور في عام 1707 و استعان و قاد أحد امراء علم الدين بقبيلة كلب واستعادوا له الاماره بالشوف ليعودوا ويهزموا تحت قيادة الامير هرموش مع حلفائهم اليمانية في معركة عين دارة الشهيرة التي اولدت لبنان المعاصر وليحل محلهم القيسيين بزعامة بيت جنبلاط وارسلان ولتنتهي بعد 1300 سنة صفحة الصراع اليماني القيسي التي صنعت فيما صنعت الدولة الاموية وتاريخ سوريا ولبنان السياسي بعد الاسلام..