غموض رواية المحافظين الجدد حول النفط السوريّ

الكاتب: Ronald Enzweiler  - ترجمة: لينا جبور


تركز السياسة الخارجيّة والعسكريّة الأمريكيّة منذ السبعينيات على الاستيلاء على احتياطيات النفط الهائلة والسيطرة عليها في الشَّرق الأوسط، وهذا أمر لا شك فيه. يتجلى ذلك في دعمها للمملكة العربية السعودية (التي تُعد القاعدة الرئيسة للإرهاب الجهاديّ واضطهاد المرأة الذي تمارسه طالبان)، ودعمها شاه إيران (الديكتاتور المتسلّط الذي أدى إلى تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية في عام 1978)، وذلك بسبب الاحتياطيات النفطية الضخمة التي يمتلكها هذان البلدان. كانت حرب الخليج الأولى بين الكويت والعراق عامي 1990 و1991 تدور حول نفط الشرق الأوسط. بدأت حرب الخليج الثانية في العراق عام 2003 لأسباب كثيرة غير واضحة. ولكن يُعَدُّ اختيارُ الاستمرار في هذه الحرب لمدة ثماني سنوات (مروراً بعام 2011)، إلى حدٍ ما من أجل إعادة إنتاج العراق للنفط ومبيعات الصادرات لتصل إلى معدل 4.5 ملايين برميل في اليوم (ب/ي).

أنفقت الولايات المتحدة على مدار الخمسين عاماً الماضية، تريليونات الدولارات، وخاضت حروباً لضمان استمرار تدفق 18 مليون برميل في اليوم من النفط (نحو خُمس الإمدادات العالمية) التي يتم تصديرها عبر مضيق هرمز إلى الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. (بدْءاً من هذا العام، أصبحت الولايات المتحدة المصدّر الأول لمنتجات النفط الصافية، وتبعا لذلك فإنَّ بلدنا لم يعدْ يعتمد بشكل مباشر على النفط الأجنبي). ولكن لا يتعلّق أي شيء من هذا بالنفط السوريّ.

قُدّرَ احتياطي النفط في أراضي سوريّةَ قبل الحرب بأقلُّ من 0.2% من احتياطي النفط العالمي المعروف. بعد ثماني سنوات من الحرب، تنتج حقول النفط السورية في منطقة دير الزور حالياً 24 ألف برميل في اليوم فقط من النفط. يزيد الإنتاج العالمي الحالي من النفط عن 80 مليون برميل في اليوم. ومع ذلك، يقول ترامب: إنه سيُبقي القوات الأمريكية في سورية إلى أجل غير مُحدّد لحماية حقول النفط السورية في دير الزور. وتزعم روسيا، التي أغضبها استحواذ الولايات المتحدة على حقّ روسيا المشروع في جميع إنتاج النفط السوريّ، أنَّ الولايات المتحدة تسرق 30 مليون دولار شهرياً عن طريق نقل النفط في منطقة دير الزور السورية المتنازع عليها بشكل مفاجئ.

هل تحتفظ الولايات المتحدة حقّاً بقواتها في سورية وترسل دباباتها M1 أبرامز (أو غيرها من المركبات الآلية) وعدة مئات من الجنود الإضافيين إلى سورية لمنع "الأشرار" من جني هذه "الوفرة" البالغة مليون دولار يومياً؟ في هذه الحالة، الأشرار هم: ما تبقى من "داعش" المتدهور بعد موت البغدادي؛ الحكومة السورية الشرعية؛ روسيا كدولة تمتلك الحقوق التعاقدية للنفط السوري؛ والشرير الأكبر من جميع النواحي، إيران. إنَّ كمية الأموال الضئيلة التي ستكسبها الولايات المتحدة من حصد أرباح إنتاج النفط في منطقة دير الزور أقل بكثير من التكاليف التي سيتكبدها دافعو الضرائب الأمريكيون لنشر وصيانة 30 مركبة مدرعة تستهلك الوقود أو ما لا يقل عن 400 جندي (دون ذكر الدعم الجوي المطلوب، وفرق التدخل السريع، والطواقم الطبية والاستخبارات، والأمن، والمتطلبات المعيشية، إلخ) في موقع صحراوي بعيد على طول نهر الفرات في جنوب سورية.

هل قام أي شخص في واشنطن بحساب التكلفة/والفائدة التي قامت خطة غراهام/كين بمراجعتها مقابل الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية، كما أعلن الرئيس ترامب. لماذا لا نعطي الأكراد فقط تكلفة نشر القوات الأمريكية والسماح لهم بالتعامل مع النفط بأنفسهم؟

تبلغ مبيعات إيران حالياً رغم حملة "الضغط القصوى" المعادية التي اتبعتها إدارة ترامب، ما بين 300 إلى 500 ألف برميل يومياً من النفط الخام (مقارنة بمستوى الإنتاج ما قبل العقوبات المفروضة عليها الذي كان يصل إلى 2.5 مليون برميل يومياً من صادرات النفط الخام). ومع ذلك، لتعويض خسارتها في مبيعات النفط الخام، زادت إيران صادراتها من المنتجات النفطية. يبلغ إجمالي مبيعات إيران من النفط والغاز نحو 500 مليون دولار شهرياً. مع رحيل القوات الأمريكية من سورية، هل ستشن إيران حرباً أهلية ضد حلفائها (الحكومة السورية وروسيا) والأكراد لزيادة مبيعاتها النفطية بمقدار 30 مليون دولار شهرياً؟ بالطبع لا، ذلك أن هدف إيران هو إعادة صادراتها من النفط الخام إلى رقم ما قبل العقوبات وهو 2.5 مليون برميل في اليوم.

سيُسهم هذا الإنجاز في زيادة إيرادات إيران لتبلغ 3.5 مليارات دولار شهرياً عن الوضع الراهن. قد تكون إيران أشياء كثيرة [شريرة]، لكن قادتها ليسوا أغبياء. من غير المعقول أن تنخرط إيران في نزاع داخلي في سورية وتعقّد مشاكلها الدولية، من أجل سرقة كمية صغيرة من النفط السوري.

يعتقد المحافظون الجدد في الكونغرس أنه من المحتمل أن تسعى إيران لمصادرة الكميات القليلة من إنتاج النفط في سورية واكتساب المزيد من الازدراء الدولي، الأمر الذي يجعلهم يجددون هذا التأكيد المذهل كلما سنحت لهم فرصة التصريح. على سبيل المثل لا الحصر، فيما يلي مقتطفات من مقالة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 27 تشرين الأول/أكتوبر 2019، مستشهدة بتعليقات السناتور غراهام حول هذا الموضوع:

يؤكد السيد غراهام أيضاً، أن السيطرة الأمريكية على حقول النفط [في منطقة دير الزور في سورية] «ستحرم إيران والأسد من مكاسب مالية هائلة»، على حد تعبيره في بيان الأسبوع الماضي.

لكن السيد غراهام اتخذ هذه الحجة كخطوة أبعد من ذلك، ليقترح أن [عائدات] النفط السوري يمكن أن تذهب إلى خزائن أمريكية، كما لمّح إلى تصريح السيد ترامب ذات مرة بالنسبة لنفط العراق. وأضاف السيد غراهام: «يمكننا أيضاً استخدام بعض عائدات مبيعات النفط لندفع ثمن التزاماتنا العسكرية في سورية».

نعم، يمكن إرجاع حقول النفط السوريّة إلى مستويات إنتاجها قبل الحرب (2010) البالغة نحو 400 ألف برميل في اليوم، ولكن يتطلب ذلك وجود عدة مليارات من الاستثمارات الأجنبية المباشرة. من المحتمل أن يُنجز مشروعٌ مثل هذا على مدى عامين إلى ثلاثة أعوام، ولكن لا يمكن أن يبدأ إلا بعد استعادة السلام، وبعد أن تتعافى سورية وتستعيد سيادتها بشكل كامل مرة أخرى. لقد شاركت شخصياً في إهدار أكثر من مليار دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين الذين يحاولون تنفيذ مشاريع البنية التحتية في مقاطعة قندهار بأفغانستان من 2011 إلى 2014، يمكنني أن أشهد أنه كان من الجنون تنفيذ مشاريع بناء البنية التحتية في منطقة تستعر حربٌ نشطة فيها.

يمكن زيادة إنتاج النفط السوريّ ليصل لنحو 300 ألف برميل في اليوم، ويصبح متاحاً لمبيعات التصدير، إضافة إلى صافي الاستهلاك المحلي في سورية، بمجرد اكتمال برنامج لتحسين البنية التحتية النفطية بمليارات الدولارات في سورية. لقد تعهدت روسيا وإيران بمثل هذه المشاريع –بالفعل وتم التعاقد معها بموجب اتفاقية تعاون في مجال الطاقة في شباط/فبراير 2018 مع الحكومة السورية– وسيستفيد منها الأكرادُ السوريون أيضاً. تبقى هذه المشاريع المتوخاة في هذه الاتفاقية على قائمة الانتظار إلى حين انتهاء الحرب في سورية.

لا تزال الحرب في سورية مستعرة، ونظراً لذلك من غير المتصور أن يتمكن "داعش" (أو أي جماعة إرهابية أخرى) من استعادة حقول النفط السورية؛ وتمويل وإجراء التحسينات اللازمة لاستعادة طاقة إنتاج دير الزور؛ ومن ثم زيادة مبيعات تصدير النفط حسب الضرورة لإعادة تأسيس "الخلافة" التي يمكن أن تهدد أمريكا. الحقيقة البسيطة هي أنه من دون وجود أي جنود أمريكيين على الأرض في سورية، ستقوم القوات الجوية الأمريكية بقصف أي منشآت لإنتاج النفط يبدأ الإرهابيون في بنائها بمجرد ظهورها في صور الأقمار الصناعية –تماماً مثلما فعلت القوات الجوية الأمريكية في عام 2015-2018 لتدمير البنية التحتية لـ "خلافة داعش" التي قامت أصلاً في العراق وسورية.

رغم هذه الحقيقة، مرر الكونغرس الأمريكيّ مراراً وتكراراً قرارات من الحزبين تدين الرئيس ترامب لرغبته في إنهاء حروب الولايات المتحدة التي لا نهاية لها وإعادة جنودها المرهقين إلى بلادهم. بدلاً من ذلك، يزعم الكونغرس أن "داعش" لا يزال يمثل خطراً واضحاً يهدد أمريكا، ويتطلب بقاء القوات البرية الأمريكية عالقة في مستنقع حرب سورية تبعد 7000 ميل عن وطنها الأم.

تتطلبُ استعادة إنتاج النفط السوريّ إلى مستويات ما قبل الحرب إلى الاستثمار والخبرات اللازمة، لذلك أشار ترامب لقول (مطور عقاري ليس له خلفية في مجال النفط) إنه سوف تسعى «شركة نفط أمريكية –مثل إكسون موبيل– إلى الذهاب إلى هناك [سورية] والقيام بذلك بشكل صحيح». فقام مسؤول تنفيذي حقيقي من شركة إكسون موبيل (وهو ريكس تيلرسون، أول وزير متقاعد لترامب والرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل)، بتقييم هذا الاحتمال المشكوك فيه أصلاً ونفيه. ونقدّم في ما يأتي مقتطفات إضافية من مقالة نيويورك تايمز المذكورة أعلاه:

يبقى ثمة سؤال رئيس حول ملكية النفط. قال بريت ماك مكورك، المبعوث السابق للسيد ترامب للتحالف الذي يضم 70 دولة لهزيمة "داعش"، «يبقى النفط السوري، سواء أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا، ملكاً للدولة السورية»، وذلك في حلقة نقاش حول سورية استضافتها مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات يوم الإثنين.

وقال السيد ماكغورك: إنَّ وزير خارجية السيد ترامب الأول، ريكس تيلرسون، «قد درس القضية وخلص إلى أنه لا توجد وسيلة مجدية للولايات المتحدة للاستفادة من المناطق السورية الغنية بالنفط وتعود عليها بالأرباح».

وقال ماكغورك أيضاً: «ربما يوجد محامون جدد الآن، لكن كان من غير القانوني أن تذهب شركة أمريكية للاستيلاء على هذه الأصول واستغلالها».

وأضاف السيد ماكغورك قائلاً: إنَّ الطريقة القانونية الوحيدة لجني الأموال من حقول النفط السورية هي العمل مع روسيا وحكومة الرئيس السوري بشار الأسد لوضع العائدات في حساب الضمان للمساعدة في تمويل إعادة الإعمار في سورية بعد الحرب. لكنه قال: إنَّ روسيا لديها القليل من الاهتمام بهذه الفكرة، حتى قبل أن تلعب أمريكا دوراً متناقصاً في البلاد هذا الشهر. ولم يعرب السيد ترامب عن أي مصلحة عامة في استخدام النفط لتمويل إعادة إعمار سورية.

قال السيد [آرون] شتاين [خبير في شؤون سورية وتركيا في معهد أبحاث السياسة الخارجية] إنه يعتقد أنَّ الهدف الحقيقي لبعض المسؤولين والمستشارين في إدارة ترامب هو الحفاظ على حقول النفط ليس من "داعش"، ولكن من الجيش السوري، بهدف حرمان البلاد من الأموال اللازمة لإعادة بنائها وبالتالي ضمان بقاء سورية عبئاً مالياً على حليفتها إيران.

إن إطالة الحرب في سورية وبالتالي مواصلة البؤس والمعاناة التي يعيشها 18 مليون سوري في بلدهم (بمن فيهم الملايين من الأكراد الذين تعدّهم مؤسسة واشنطن أعز حلفائنا) –إلى جانب أربعة ملايين لاجئ سوري– هي حيلة سخيفة تتذرع بها واشنطن لمواصلة حربها الجيوسياسية مع إيران.

الحقيقة هي أن إيران لا تشكل بأي شكل من الأشكال تهديداً لأمريكا. لا تملك إيران القدرة العسكرية على مهاجمة أمريكا. وافقت إيران على المعاهدة المعتمدة من قبل الأمم المتحدة والتي تم التصديق عليها في عام 2015، وتم التفاوض بشأنها وتوقيعها من قبل جميع القوى العالمية، بما في ذلك الولايات المتحدة. منع هذا الاتفاق إيران من امتلاك أسلحة نووية. وقّعت إيران أيضاً على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لعام 1968 دوناً عن جميع دول الشرق الأوسط التي لم توقع على هذه المعاهدة.الكونغرس مدين للجمهور الأمريكيّ بأن يشرح بلغة واضحة لماذا تحافظ الولايات المتحدة على وجودٍ عسكريٍّ كبيرٍّ في الشرق الأوسط بتكلفة كبيرة لدافعي الضرائب الأمريكيين والتسبب بالمزيد من الخسائر من الجنود الأمريكيين في عمليات قتالية لا تتعلق بالأمن القوميّ الأمريكيّ أو المصالح الاقتصادية. ومهما كان السبب لا علاقة له بالنفط السوريّ.

 


الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات