خطة الولايات المتحدة الأمريكية لرسم المرحلة المقبلة من الحرب القذرة على سورية

الكاتب: بن نورتون (Ben Norton) - ترجمة لينا جبور 


قال بن نورتون في تعليق على المناقشة التي عقدها "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" (CSIS) بخصوص سورية تحت عنوان "سورية في المنطقة الرمادية": أعلن مسؤول السياسة الخارجية في العاصمة واشنطن –والذي أشرف على مجموعة دراسة سورية (Syria Study Group) التابعة للكونغرس– أن الجيش الأمريكي «يسيطر على ثلث الأراضي السورية، بما في ذلك "القوة الاقتصادية"، ثم حدد استراتيجية سادية لمنع إعادة "الإعمار"».

ما تزال الحرب لتغيير "النظام" في سورية قائمة بشكل واضح، رغم أمر الرئيس دونالد ترامب القاضي بسحب القوات الامريكية جزئياً من سورية.

وضعت (CSIS)، إحدى المؤسسات الفكرية التي تمولها الولايات الأمريكية والتي تترأس التخطيط لسياسات طرق تدخل واشنطن، بإيجاز استمرار استراتيجية تغيير "النظام".  

حدّدت دانا سترول، الدبلوماسية الأمريكيّة –التي أشرفت على دراسة لسورية بتكليف من الكونغرس– منذ مدّة طويلة خطةً ذات أربعة محاور لما وصفته بـ "المرحلة الجديدة" من الحرب: "الاحتلال العسكري الأمريكيّ للقوّة الاقتصادية "الغنية بالموارد" في سورية؛ والعزلة الدبلوماسية للحكومة السورية؛ والعقوبات الاقتصادية ضد دمشق وحلفائها؛ ومنع وصول المساعدة من أجل إعادة الاعمار ومنع عودة الخبرات الفنية إليها".

سيؤدي هذا النهج بلا أدنى شك إلى معاناة واسعه النطاق، وإلى حرمان وحتى موت الكثير من السوريين. ولكن حينما عرضتها سترول أمام فريق العمل، لم تأتِ حتى مرَّة واحدة على ذكر التأثيرات المحتملة التي ستترتب على المدنيين.

تم وضع هذه الخطة المقلقة في 31 تشرين الأول/أكتوبر في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية(CSIS) ، وهو مركز فكري عسكري تموله الولايات المتحدة وحلفاؤها، إلى جانب صناعة الأسلحة وشركات البترول والبنوك.

يرأس لجنة المناقشة، التي كانت بعنوان "سورية في المنطقة الرمادية"، رئيسان من مجموعة دراسة سورية، وهي مجموعة عملٍ تضم أعضاءً من الحزبين، عينها الكونغرس لصياغة خطة حرب أمريكية جديدة لسورية. تم اختيار أحد الرؤساء المشاركين لتمثيل الحزب الجمهوري، والآخر لتمثيل الحزب الديمقراطي، تلاقى مسارهما في دعم الحرب المستمرة على سورية، وكانت وجهتا نظريهما متقاربتين إلى حدٍّ كبير.

ويعمل كلا الرئيسين المشاركين المعيّنين من قِبل الكونغرس أيضاً في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP)، وهو مؤسسة فكرية مؤيدة لـ "إسرائيل" انبثقت عن لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC). تألفت مجموعة دراسة سورية الخاصة بهم من المتشددين المؤيدين للتدخل من المؤسسات الفكرية المؤيدة لـ "إسرائيل" بتمويل من واشنطن وممالك الخليج، وتضم كذلك مارك كيرك، السيناتور الجمهوري السابق الذي كان أحد أكبر مُتَلَقِي التمويل من جماعات الضغط الإسرائيلية.

تعمل دانا سترول، الرئيس الديمقراطي المشارك لمجموعة دراسة سورية، منذ مدّة طويلة في الحكومة الأمريكية، وأمضت عدّة سنوات في صياغة سياسة الشرق الأوسط. أشرفت أثناء عملها في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، على مبيعات الأسلحة الأمريكية والمساعدات الخارجية لوزارة الخارجية الأمريكية وذراع القوة الناعمة في واشنطن، وعلى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID).رسمت سترول استراتيجية مستمرة لتغيير "النظام" في كلمتها التي ألقتها في CSIS، ولخصت النقاط التي وردت في التقرير النهائي لمجموعة الدراسات حول سورية في أيلول/سبتمبر.

"إعاقة الإعمار"

اعترفت دانا سترول على مضض أن «هناك شهية محدودة محلياً» لمزيد من التدخل الأمريكي في سورية. لكنها أشارت إلى أن حرب تغيير "النظام" الأمريكية لم تنته بعد.

هذا، وحين اللجوء إلى الخطاب الاستعماريّ الكلاسيكي، أشارت سترول عَرَضاً إلى «أن الجيش الأمريكي يسيطر على ثلث الأراضي السورية، مع شريكه المحلي "قوات سوريا الديمقراطية"».

لقد قامت بتوضيح هذه النقطة للتأكيد أن هذه الأرض السورية ذات السيادة "التي تسيطر عليها" واشنطن هي أيضاً "غنية بالموارد"، «القوة الاقتصادية لسورية، حيث تكمن توضعات الهيدروكربونات ... وكذلك القوة الزراعية».

أوضحت سترول أنَّ الاحتلال العسكري يجب أن يكمله حصار سياسي للحكومة السورية، على الطراز الاستعماري الجديد. ودعت أيضاً إلى استمرار فرض "العزلة السياسية والدبلوماسية على النظام السوري"، فحثت سترول الولايات المتحدة على مواصلة «التمسك بالخط الفاصل للعزلة الدبلوماسية، ومنع السفارات من العودة إلى دمشق». ثم نصحت بتكثيف "فرض العقوبات الاقتصادية". أخيراً، اقترحت سترول الاستفادة من مساعدات إعادة الإعمار كأداة ضد الحكومة السورية.

وأشارت إلى أن المساعدات الإنسانية الأمريكية و"المساعدة في تحقيق الاستقرار" في سورية ذهبت إلى حليفها "قوات سوريا الديمقراطية" التي يقودها الأكراد في الشمال الشرقي، وحثت سترول الولايات المتحدة على إبقاء حالة الخراب في بقية البلاد حتى تحقق هدفها المتمثل في تغيير "النظام".

وصرحت سترول: «تقبع سورية في خراب، وما يريده الروس والأسد هو إعادة البناء الاقتصادي. ويمكن للولايات المتحدة اللعب بهذه الورقة، عن طريق المؤسسات المالية الدولية وتعاوننا مع الأوروبيين».

أكدت سترول أن هدف واشنطن هو عرقلة دمشق ومنعها من إعادة الإعمار قائلةً: «ينبغي لنا أن نشكل سداً لمنع إعادة الإعمار وعودة الخبرة التقنية إلى سورية»."الصراعُ مستمرٌ"

تعكس سياسة ترامب تجاه سورية إلى حدٍّ كبير الاستراتيجية السادية التي حددتها سترول في مجموعة دراسة سورية. أمر ترامب في تشرين الأول/أكتوبر، بالانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية من شمال شرق سورية، ما حرك موجة من الغضب من قبل المسؤولين في واشنطن. وترك في نهاية المطاف، مئات الجنود لاحتلال المنطقة السورية الغنية بالنفط والغاز، لحرمان الحكومة السورية من التمويل اللازم لجهود إعادة الإعمار.

وأوضح ترامب «نحن نحتفظ بالنفط. لقد قلت ذلك دائماً - نحتفظ بالنفط. قد نضطر للقتال من أجل النفط. كل شيء على ما يرام. ربما هناك أحد آخر يريد النفط أيضاً، ولكنه في هذه الحالة سيواجه جحيم القتال. لكن هناك كميات هائلة من النفط».وأضاف: «يجب أن نكون قادرين على أخذ بعضٍ منه أيضاً، وما أعتزم القيام به، ربما، هو عقد صفقة مع شركة إكسون موبيل أو إحدى شركاتنا الكبرى للذهاب إلى هناك والقيام بذلك بشكل صحيح».

جادلت دانا سترول في مناظرة أو مناقشة CSIS، بأنه حتى بمعيّة الوجود العسكري الأمريكي المتغير، «لا تزال هناك أشكال أخرى من النفوذ يستلزم استخدامها».وقالت: «إذا كنا سنحافظ على العزلة الدبلوماسية، والمضي قدماً في فرض العقوبات الاقتصادية، والتشبث بمنع مساعدة إعادة الإعمار، فربما لا تزال هناك أشياء لنفعلها».

وأضافت سترول: «أن الصراع لم يتغير من وجهة نظرنا، وبحسب تقييمنا؛ الصِّراع لم ينته بعد. لكنه يدخل مرحلة جديدة».

وكرر مايكل سينغ، الرئيس الجمهوري المشارك لمجموعة دراسة سورية، وهو أيضاً زميل في مركز أبحاث WINEP المؤيد لـ "إسرائيل"، مؤكداً حجة سترول، «لا يزال لدينا نفوذ»، رغم أن انسحاب ترامب المقترح قد أضعفه.

وأوضح سينغ «لقد كنت أنتقد قرار الانسحاب؛ إذ إنَّ هذا القرار كان خطأً. لكن لا داعيَ للمبالغة في تقدير هذه القضية. لا أعتقد أن روسيا، والنظام السوري، وإيران، أمامهم الآن طريق سهل للانتصار، أو حتى طريق سهل لتعزيز سيطرتهم، سواء أكان ذلك في شمال شرق سورية، أم في أي مكان آخر».

النص الكامل لدانا سترول:

نقدّم في ما يأتي نصَّ تعليقات سترول على منصة مناظرة مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS):

«ناقشنا في قسم توصياتنا أنه، بالمجمل، رغم أن هناك رغبة محلية محدودة في وجود الولايات في سورية، لا تشبه في ذروتها مستوى الموارد أو حتى الاستثمار الدبلوماسي الإيراني والروسي هناك، لا تزال لدى الولايات المتحدة أوراق مقنعة من النفوذ لتلعبها على الطاولة، من أجل رسم نتيجة أكثر ملاءمة وحماية المصالح الأمريكية.

وحددنا أربع أوراق أساسية لذلك، أولاها أن ثلث الأراضي السورية تقع تحت سيطرة الجيش الأمريكي، مع شريكها المحلي "قوات سوريا الديمقراطية". وتتمثل هذه السيطرة بوجود أعداد قليلة من الجنود الأمريكيين، تصل إلى نحو ألف جندي فقط على مدار مدة إعداد تقرير مجموعة دراسة سورية، وعشرات الآلاف من القوات، الكردية والعربية، تحت قيادة "قوات سوريا الديمقراطية".

ويصادف أنَّ هذا الثلث السوري غني بالموارد، وهو القوة الاقتصادية لسورية، موقع توضّع الهيدروكربونات، والتي من الواضح أنها تثير جدلاً كبيراً في النقاش العام هنا في واشنطن هذه الأيام، فضلاً عن القوة الزراعية.

لكننا تجادلنا بأن الأمر لا يتعلق فقط بثلث الأراضي السورية التي يسيطر عليها الجيش الأمريكي ولا بوجودنا العسكري هناك، سواء لمحاربة "داعش"، أم كأداة للتأثير في العملية السياسية الشاملة للنزاع السوري الأوسع. كان هناك ثلاثة مجالات أخرى لبسط النفوذ:

أولاً: العزلة السياسية والدبلوماسية لـ "النظام" السوري... لذلك يجب الحفاظ على العزلة الدبلوماسيّة، ومنع السفارات من العودة إلى دمشق.ثانياً: فرض العقوبات الاقتصادية... وهذا جزءٌ من حملة الضغط الأقصى لإدارة ترامب على إيران، ولكن هناك مجموعة كاملة من العقوبات التنفيذية والكونغرسية على سورية وعلى [الرئيس] بشار الأسد.

وثالثاً: حجب مساعدات إعادة الإعمار... تظل الولايات المتحدة هي أكبر مانح فردي للمساعدات الإنسانية للسوريين داخل سورية وللاجئين خارج سورية. وكان هناك بعض المساعدة في تحقيق الاستقرار في الجزء السوري الذي تم تحريره من "داعش" الذي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" في الشمال الشرقي.يعاني الجزء الباقي من سورية من الدمار، ويريد الأسد والروس إعادة البناء الاقتصادي. وهذا شيء يمكن للولايات المتحدة أن تمنعه أساساً عبر المؤسسات المالية الدولية وتعاوننا مع الأوروبيين.

لذلك جادلنا بأنه في ظل غياب تغييرات سلوكية من قبل "النظام" السوري، يجب علينا أن نقف سداً لإعاقة إعادة الإعمار ومنع عودة الخبرة التقنية إلى سورية.بدا الوجود العسكري الأمريكي في سورية في الشهر الماضي، وكأنه إحدى أكثر أوراق اللعب قوةً، تم إبعاده عن الطاولة بسرعة كبيرة. ولكن تشير الأخبار الآن إلى أن الوجود العسكري سيبقى لبعض الوقت.

تبقى المشكلة في هذا بغض النظر عن الوجود العسكري الأمريكي أو لا، أنه يتم في هذه المرحلة إلحاق الكثير من الضرر بالعلاقات العامة. لذلك إذا كنا نحاول الحصول على حلفاء وشركاء في أوروبا أو خلاف ذلك للعمل مع جيشنا الأمريكي في إكمال الحرب ضد "داعش"، فإن غالبية الدول ستكون غير راغبة أو مترددة في الإسهام بأكثر ممّا سبق، لأنّها لا تستطيع التخطيط بالاعتماد على سياسة الولايات المتحدة. لأن هذه هي المرة الثالثة التي يتم فيها اتخاذ القرارات من واشنطن دون تخطيط مسبق بخصوص إذا كان الجيش الأمريكي باقياً أم غير باقٍ.

لقد تناقشنا مؤخراً أنه لا تزال هنالك إمكانية لفرض النفوذ، إذا تم توفير الموارد بشكل فعّال، وتم تحديد أولويات حكومة الولايات المتحدة على أعلى المستويات.لذلك إذا كنا سنبقي على العزلة الدبلوماسية، وسنستمر في المُضي قدماً في فرض العقوبات الاقتصادية، والتشبث بمنع وصول المساعدة لإعادة الإعمار، فربما لا يزال من الممكن أن تكون هذه الأشياء فعالة ومقنعة، لأنه في رأينا، الصراع لم يتغير؛ وبحسب تقييمنا الصراع لم ينته بعد. إنه يدخل مرحلة جديدة».

 



الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات