تقلص عدد الباحثين في سورية ليس في صالح مستقبلها

بعد تسع سنوات حرب لم يبقَ في سورية سوى عدد قليل من الباحثين..هناك من يقول إن العدد وصل في فترة ما إلى نحو 200 باحث فقط، وهناك من يعتقد أن الرقم بات اليوم أكبر من ذلك..في كلتا الحالتين المعلومة مفاجئة، لاسيما إذا علمنا أن من تنطبق عليهم شروط التسمية، المعتمدة عالمياً، لم يكن عددهم يتجاوز قبل الحرب نحو 800 شخص وفق تقييم جرى آنذاك.هذا يعني بوضوح أن الحرب تسببت بتسرب نسبة ليست بالقليلة من الباحثين السوريين، إما إلى الخارج بحثاً عن مستقبل أفضل، وإما نتيجة الانخراط بأعمال ومهن أخرى دخلها الشهري أفضل، وإما لأسباب أخرى.وأعتقد أن العاملين بالهيئات البحثية الوطنية يدركون جيداً هذه الحقيقة، وما تشكله من خطر مهني جسيم على العمل البحثي أولاً، وعلى مستقبل الكثير من القطاعات المجتمعية والمؤسسات العامة ثانياً.وحتى مع التحسن الذي طرأ مؤخراً على أعداد العاملين في المؤسسات البحثية الوطنية، فإنه يؤخذ على هذا التحسن أنه حدث على حساب التنوع البحثي.. في المدارس والاختصاصات والتراكم المعرفي.ربما تكون هناك وجهات نظر أخرى حول التقديرات الإحصائية المنشورة في مقدمة هذه الزاوية…لكن أياً كان حجم الاختلاف والتباين بين تلك التقديرات، فإن ذلك لا يقلل من حجم المشكلة، التي يواجهها العمل البحثي في سورية، والمتمثلة في محدودية عدد الباحثين الذين تنطبق عليهم فعلياً معايير العمل البحثي، إضافةً إلى ضعف مخرجات البحث العلمي.حاجة البلاد اليوم للباحثين في مختلف المجالات هي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، فما حملته السنوات الماضية من خسائر اقتصادية واجتماعية عميقة يحتاج إلى عقول بحثية تكون أمينة على توصيف الواقع بكل إيجابياته وسلبياته، وتبتكر حلولاً غير تقليدية لمشكلات الحرب وأزماتها.اللافت في هذا الموضوع، أن وزارة التعليم العالي لم تتطرق في خطتها الأخيرة لتطوير البحث العلمي إلى مسألة إعداد الباحثين وزيادة عددهم، رغم اعتماد الخطة أكثر من 57 بحثاً موزعة على 9 قطاعات تنموية رئيسية..وللإشارة.. ليس كل أستاذ جامعي يمكن اعتباره باحثاً.. وليس كل من عمل في مؤسسة بحثية حاز لقب باحث.. وليس كل من أطلق عليه الإعلام باحثاً يستحق هذا اللقب..!.إن الخطوة الأولى في مشروع ترميم واقع البحث العلمي وإصلاحه، تبدأ من زيادة عدد الباحثين في مختلف الاختصاصات والتشدد في منح هذا اللقب، وذلك من خلال إعادة استقطاب الباحثين الذين «سرقتهم» الحرب من عملهم، والاهتمام بالتعاون مع المؤسسات البحثية الدولية لتأهيل وتدريب الباحثين الشباب وتنمية معارفهم وخبرتهم.

 

زياد غصن: تشرين