مملكة إيبلا تروي قصة حضارة حضنت التاريخ السوري العريق

منذ أن تم اكتشاف مملكة إيبلا على يد بعثة إيطالية برئاسة العالم الآثاري الشاب باولو ماتييه عام 1968 م والحقائق تتضح شيئاً فشيئاً عن التاريخ السوري القديم، إننا ومن خلال استعراضنا لمملكة إيبلا وسواها من الممالك والحضارات التي تعاقبت على سورية إنما نسعى للتأكيد على النقاط التالية:

– أهمية التاريخ السوري كأحد أهم روافع الفن والفكر والثقافة والاقتصاد والتنمية المجتمعية.

– تسليط الضوء على المكتشفات المهمة التي ساهم السوريون بتقديمها للبشرية وكان لها أثر واضح في تطور العلوم والفنون والثقافة في أرجاء العالم، فسورية قدمت للعالم أول أبجدية، وأول نوتة موسيقية، وأول محراث، وطحن القمح، وتدجين الحيوانات، وصناعة الزجاج… وغيرها، ومن أوغاريت أبحرت السفن عبر البحر الأبيض المتوسط حاملةً معها العلوم والفنون إلى جميع أرجاء العالم.

– التأكيد على وحدة السكان والجغرافية والحضارة والتراث الثقافي السوري منذ فجر التاريخ الذي سيصل بنا حتماً للوقوف على عظمة سورية وأصالة الإنسان السوري وتجذره بأرضه وسعيه الدائم لمد جسور التواصل الحضاري مع الآخرين ونشر علومه وفنونه وثقافته والمساهمة في منظومة الحضارات الإنسانية.

ولابد في هذا المجال من توضيح أمر مهم جداً وهو أن غنى التاريخ السوري وقيام العديد من الممالك والحضارات في هذه المنطقة لم يكونا وليد صدفة بل كان نتيجة طبيعية لفكر وثقافة الإنسان السوري الذي يستند إلى موروث ثري وخبرة تراكمية كبيرة.

يعود تاريخ إيبلا إلى الألف الثالث قبل الميلاد وتعتبر إيبلا من أهم الممالك القديمة التي قامت في الشمال السوري وبالتحديد على تل مرديخ الذي يقع شرق جبل الزاوية ويبعد عن إدلب مسافة 28 كم، وهو أكبر تل أثري في سورية إذ تبلغ مساحته 560000 م2، تم العثور في بداية أعمال التنقيبات على جذع تمثال من دون رأس من البازلت كتبت عليه نقوش مسمارية باللغة الأكادية تضمنت: «إن ملك إيبلا ( ليم إيبت) يقدم هذا النذر…» عندها تم التأكد أن هذا الموقع هو إيبلا، وقد كشفت التحليلات والأبحاث عن سويات من العصر الحجري النحاسي في الألف الرابع قبل الميلاد وسويات من البرونز القديم والوسيط والحديث ومن عصري الحديد الأول والثاني.

أكدت مكتشفات إيبلا أن الحضارات التي قامت في سورية لم تكن على ساحل البحر أو على ضفاف الأنهار فقط وإنما كانت في المناطق الداخلية أيضاً، كما أكدت أن سورية كانت في الألف الثالث قبل الميلاد مركزاً لمملكة قوية هي إيبلا التي ورد ذكرها في وثائق الإمبراطورية الأكادية (2340-2284) قبل الميلاد وامتد نفوذها السياسي والاقتصادي والتجاري وتواصلها الحضاري ليس على شمال سورية فحسب بل على المنطقة بأسرها، وتضم المدينة بعضاً من المعالم الرئيسية منها القصر الكبير والقصر الجديد والقصر الشمالي وركن معبد عشتار ويحيط بالمدينة سور وعدة آبار تم العثور فيها على كثير من اللقى المهمة من تماثيل وأباريق وكمية من الطاسات وأساور وحلي من معادن ثمينة وأحجار كريمة.

وقد أظهرت الألواح الفخارية التي تم العثور عليها في القصر الملكي في إيبلا أن إيبلا كانت مزدهرة ومتطورة وكانت واسعة النفوذ تزخر بالنشاط والحيوية ويكفي أن نعلم أن عدد سكانها بلغ 250000 نسمة ووصلت إلى البحر واستولت على جبيل وعلى سيناء، كما سيطرت مملكة إيبلا على الطرق التجارية وأصبحت سيدة الممالك التجارية وغدت قوة تجارية واقتصادية لا يستهان بها، وخضعت لها مملكة ماري وفرضت عليها الجزية وقوي نفوذها حتى باتت تهدد مصالح الدولة الأكادية وكانت مملكة إيبلا تمسك بزمام التجارة بين الشرق والغرب وتعقد الاتفاقيات مع الممالك المحيطة بغية تسهيل عمل تجار إيبلا وتشجيع تجار الممالك الأخرى على نقل تجارتهم واستثمار رؤوس أموالهم في إيبلا والعمل فيها، ولابد من الإشارة إلى أن علاقات مملكة إيبلا مع الدول والممالك المعاصرة لها كانت تتفاوت بين عقد التحالفات والمعاهدات وشن الحروب كما عمد ملوك إيبلا إلى الزواج السياسي لتعزيز علاقات الصداقة مع الملوك والحكام الآخرين.

تعتبر إيبلا من أكثر الممالك القديمة تقدماً في الصناعة والثقافة وتعدّ مكتبتها من أكبر مكتبات الحضارات القديمة حيث تم اكتشاف نحو 17000 لوح فخّاري تضمنت معلومات كثيرة عن حياة المملكة السياسية والاقتصادية وسجلاً رسمياً للمدينة، وتوثّق شتى نواحي الحياة في المملكة وتبين من خلال تلك النصوص أن تأسيس اقتصاد قوي كان الشغل الشاغل لأبناء إيبلا وذلك من خلال ثلاث دعائم رئيسية هي: الزراعة والصناعة والتجارة وليس الحرب وشكلت هذه الدعائم الثلاث أساس قوة إيبلا وازدهارها وتوسعها، وكانت أراضي إيبلا والتي تنحصر بين الجبال الساحلية والمرتفعات الغربية خصبة وذات هطل مطري عال وهي مناسبة للزراعة البعلية حيث تمت زراعة الحبوب والزيتون والعنب والأشجار المثمرة، وهو ما أسّس لصناعات غذائية متنوعة كالخمور وزيت الزيتون.. التي كانت تصدر لبلاد الرافدين ووادي النيل، كما اهتم أبناء إيبلا بتربية المواشي كالأغنام والأبقار، وقامت في إيبلا صناعات مختلفة كصناعة النسيج التي تعتمد بشكل رئيسي على الإنتاج المحلي من صوف الأغنام، وتطورت صناعة النسيج كثيراً وانتقلت من إيبلا إلى الممالك الأخرى ودخلت في صناعتها الأصبغة وازدهرت في المدن الفينيقية التي اشتهرت بصناعة النسيج الأرجواني وتوارث السوريون هذه المهنة وبرعوا فيها وتميزوا بصناعة بعض الأنواع كالبروكار، كما نشط أبناء إيبلا بصناعة المفروشات الخشبية وتطعيمها بالمعادن الثمينة كالذهب والفضة.. وكانت تعتمد إيبلا في سياستها على تحقيق الأمن وتوسيع رقعة سيطرتها لتنشيط التجارة واعتبارها ركناً أساسياً من أركان الاقتصاد وساعد على ازدهارها وجود زراعة متطورة وصناعة متقدمة.

تم العثور في إيبلا على قصيدة غزلية مكتوبة على رقيم فخاري لا يتجاوز حجمه قبضة كف الإنسان كتبت بالخط المسماري وباللغة الإيبلائية وهي الأقرب إلى العربية الكنعانية وهذه اللغات هي لهجات متنوعة للغة واحدة أطلق عليها اللغات السامية، يعتقد الباحثون أن تلك القصيدة هي أول قصيدة حب عرفتها البشرية ويعود تاريخها إلى أكثر من 4000 عام وقد تكون أقدم من ذلك بكثير لكنها لم تدون قبل منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، ومن اللافت للنظر أن تكون أقدم قصيدة في الكون هي قصيدة حب اكتشفت في سورية حيث كتبها أحد أبناء إيبلا إلا أنه لم يتم التعرّف إلى اسم كاتبها، وتعتبر هذه القصيدة نصاً أدبياً متكاملاً يحمل كل مواصفات القصيدة إذ إننا نجد الشاعر قد استجمع قواه ووضع أمام محبوبته عواطفه ومشاعره وكل تعابيره الشعرية وصوره الأدبية المتنوعة أما الترجمة العربية للقصيدة فتقول:

حبيبتي…
أيتها المرأة المنقوش اسمها على فؤوس المحاربين..
عندما أحببتك.. أيقنت أن النور
سيكتب على باب بيتي عبارات التمجيد
وسيكتب اسمي على أذيال الشمس..
فماذا أفعل حبيبتي..
كي أكون جديراً بك؟
هل أنشر الأبيض على أبواب المدينة وأسوارها…؟
أعاهد نفسي ألا أحزنك يوماً

وأخيراً نتساءل: كيف انتهت مملكة إيبلا؟ وكيف غربت شمس هذه الحضارة العظيمة وتحولت من الازدهار إلى الاضمحلال والانقراض؟ هناك رأيان حول نهاية مملكة إيبلا، الرأي الأول يقول إن مملكة أكاد هي التي قضت على إيبلا على حين يذهب الرأي الثاني إلى أن مملكة ماري هي المسؤولة أيضاً عن تدمير وإنهاء مملكة إيبلا، لكن ما الذي جعل ملوك ماري وملوك آكاد يهاجمون إيبلا ويستولون عليها بل يدمرونها بشدة؟ وما الدافع الرئيسي الذي يكمن وراء ذلك؟ مع العلم أنه لم يرد ذكر مملكة أكاد في النصوص التي عثر عليها في مملكة إيبلا بل لم يرد ذكر لملوك آكاد رغم شهرتهم الواسعة التي غطت الآفاق، كذلك لم يرد أسباب الصراع وتلك المعارك في نصوص مملكة أكاد وتبقى نهاية مملكة إيبلا ضمن سيناريوهات تدخل في مجال الفرضيات.

بكل الأحوال فإن كثيراً من الباحثين يعتقدون أنه من ضمن الأسباب الرئيسية التي أدت لنهاية مملكة إيبلا أنها غدت قوة اقتصادية كبيرة بسطت نفوذها على مساحات واسعة امتدت من شمال سورية ووصلت حتى بلاد الرافدين وكامل منطقة الجزيرة وشغلت مناطق إستراتيجية على الساحل السوري وسيطرت على الطرق التجارية ووصلت إلى جبال طوروس التي توصف بجبال الفضة لكثرة وجود مناجم الفضة فيها وجبال الأمانوس التي تتوافر فيها أشجار الأرز والسرو والصنوبر والسنديان والدلب بكثافة، وهذه المواقع تشكل مصدراً غنياً ومهماً للأخشاب والفضة والتي كانت مطلوبة بكثرة في تلك الفترة في مصر القديمة وبلاد الرافدين لبناء القصور والمعابد وتشكل عصب الصناعة والاقتصاد، وتشير بعض النصوص في مصر القديمة إلى إرسال عدة حملات عسكرية للحصول على هذه الأخشاب، وبعد تدمير إيبلا في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد عادت ونهضت من جديد في الألف الثاني قبل الميلاد وازدهرت وأصبحت مركزاً تجارياً واقتصادياً مهماً وهذا يؤكد مقولة مهمة جداً وهي أن الحروب والكوارث استطاعت أن تدمر المباني وتحرق المدن لكنها لم تستطع مطلقاً أن تمحو الحضارة السورية وعجزت أن تكسر إرادة السوريين.

 



علي المبيض