آخر المواضيع المتعلقة

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

صالح علماني... سقوط الترجمان في حضن الزمان

في شتاءٍ يشبه هذا الشتاء من سنة 1948، كانت شاحنة عسكرية تخترق دروباً ترابية نحو بادية حمص محمّلة بضحايا نكبة فلسطين، أولئك الذين توزعتهم المدن السورية. توقفت الشاحنة أمام مدرسة طينية، وأفرغت حمولتها من العائلات المنكوبة. في صبيحة اليوم التالي، ولد لعائلة عمر علماني طفل سيسمّى صالح، قبل أن تنتقل العائلة إلى «مخيم اللاجئين» عند تخوم المدينة. كانت وصية الوالد قبل وفاته، أن يزور صالح علماني (1948- 2019) تلك القرية يوماً ما. وحين أُتيحت له الفرصة متأخّراً أن ينفّذ الوصية، ذهب إلى هناك. كان بناء المدرسة مهملاً، بباب خشبي متهالك، بعد أن تحوّلت إلى اسطبل للبهائم. ألقى صالح نظرة من شقوق الباب إلى الداخل، لتقع عيناه على غرفتين، وتأكّد أنه وُلد في إحداهما، ثم قفل عائداً إلى دمشق. كنتُ أفكر ونحن عائدان في سيارة صديقنا المشترك يعرب العيسى مرشدنا إلى تلك القرية: ماذا لو مات هذا الطفل خلال رحلة الدروب الوعرة؟ سأتخيّل رفوفاً من الكتب النفيسة ستنهار وتختفي من المكتبة العربية. وكأن حياة هذا الترجمان منذورة للترحال من مخيم اللاجئين في حمص إلى مخيّم فلسطين في دمشق وصولاً إلى الأندلس حيث انطفأ أمس هناك. كما سيرتحل بين لغتين كواحد من أفضل المترجمين من لغة سرفانتس إلى لغة الضاد. لكن مهلاً، كيف لنا أن نحصي الآن عدد الكنوز التي أهداها إلى اللغة العربية؟ لا يكفي أن نستعيد نفائس غابرييل غارسيا ماركيز، أول من أغواه في الاتجاه نحو الترجمة. سيروي حكايته مراراً عن تلك الأقدار التي قادته إلى «مئة عام من العزلة»، يقول: «في منتصف السبعينيات، غادرتُ دمشق إلى برشلونة لدراسة الطب ثم هجرت الطب لدراسة الصحافة لكنّني لم أصمد أكثر من سنة واحدة فقط، عملت بعدئذ في الميناء واختلطتُ بعالم القاع كأيّ متشرّد. وبينما كنت أتسكّع في أحد مقاهي برشلونة ذات مساء، قابلتُ صديقاً كان يحمل كتاباً. نصحني بقراءته. كانت الطبعة الأولى من «مئة عام من العزلة» لغارسيا ماركيز. عندما بدأت قراءتها، أُصبتُ بصدمة. لغة عجائبية شدّتني بعنف إلى صفحاتها. قرّرت أن أترجمها إلى العربية. وبالفعل ترجمت فصلين ثم أهملتها بعدما سبقني سامي الجندي إلى ترجمتها عن الفرنسية، لكن ماركيز ظل يشدّني إلى عوالمه فترجمتُ قصصاً قصيرة له، ونشرتُها في الصحف المحلية ثم ترجمت له «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه» (1979). لفتت الرواية انتباه الناقد حسام الخطيب، فكتب أن شاباً فلسطينياً يترجم أدباً مجهولاً لقراء العربية. هذه الملاحظة شجعتني على امتهان «حرفة» الترجمة، مستبعداً مسودة رواية كنت أكتبها، فمزقتها من دون ألم، فأن تكون مترجماً مهمّاً أفضل من أن تكون روائياً سيئاً. هكذا انخرطت في ترجمة كل أعمال غابرييل ماركيز باستثناء «خريف البطريرك». ورغم سهولة قراءة أعماله، إلّا أن ترجمتها صعبة، فهو يغرق في التفاصيل ويمزج الوقائع بالشعر. في المقابل، أشعر أثناء ترجمته بأنني أعيش الرواية كما لو أنني أكتبها. والأمر ذاته سأجده في أعمال ماريو فارغاس يوسا، وآخرين».

بعد نحو أربعة عقود من الترجمة المتواصلة، تمكّن صالح علماني من الإبحار بسفينة الواقعية السحرية إلى شواطئ الضاد بأمان، كما لو أن هذه الأعمال مكتوبة بالعربية مباشرة، وسيضيف حمولة عجائبية إلى رصيد ترجماته. فعدا كتّاب أميركا اللاتينية، سنتعرّف إلى «قلم النجّار» لمانويل ريفاس، و«ساعي بريد نيرودا» لانطونيو سكارميتا، و«أوباباكواك» لبرناردو اتشاغا، و«كلّ الأسماء»، و«قابيل» لخوسيه ساراماغو. عمل صالح علماني كما لو أنه ورشة كاملة متجاوزاً سقف الـ 100 كتاب، وبات القرّاء العرب ينتظرون ترجماته على وجه التحديد لدرجة إهمال اسم الكاتب لثقة هؤلاء القرّاء بأنهم حيال وليمة دسمة من لذة القراءة مهما كان اسم صاحبها. وسوف يحصد معظم الجوائز العربية للترجمة، ولن يكون مستغرباً أن نهديه لقب «مترجم برتبة كولونيل» بعدما أغرق ذاكرتنا بسير جنرالات وكولونيلات بلدان أميركا اللاتينية الذين سنقع على نسخهم العربية من دون عناء، كما في «ليس لدى العقيد من يكاتبه»، و«الجنرال في متاهته» لماركيز، و«حفلة التيس» لماريو فارغاس يوسا.
هذا الثراء في اللغة المصقولة والمشبعة والأنيقة، لن يمرّ بلا مطبات، ذلك أن صالح علماني وضع هذه النصوص تحت ثقل مسطرة أسلوبية واحدة تخصّه أولاً، أكثر مما تخصّ هذا الكاتب أو ذاك. ففي هذه الترجمات، لن نجد فروقات تقنية وأسلوبية واضحة بين ماركيز وإيزابيل الليندي، أو بين ساراماغو ويوسا، وخوان رولفو وإدواردو غاليانو، فجميعهم يخضعون لإيقاع موحّد، وختم بلاغي واحد، ينتصر المترجم فيه لأسلوبه أكثر من انتصاره لفضاء المؤلف الأصلي. يقول مبرّراً أسلوبيته في الترجمة «يرتكب بعضهم آثاماً لا تُغتفر باسم الترجمة الحرفية، إذ لا يتعلق الأمر بوضع كلمة بدل أخرى، بل بتشكيل جغرافية النص جمالياً ومعرفة أسرار اللغتين، اللغة الأم واللغة المترجم عنها». يضيف: «الأسلوب هو المترجم»، معوّلاً على الدقة في التقاط النبض الأصلي للنص، والحدس في اكتشاف المعنى الدقيق للجملة. التفت صالح علماني في السنوات الأخيرة إلى ترميم ترجماته بأعمال لكتّاب ما بعد الواقعية السحرية، متجاوزاً رغبات دور النشر بترجمة أعمال المشاهير فقط، كنوع من تسديد حساب رغبة شخصية مؤجلة. لكن هذه الترجمات لم تنَل حظوة واسعة لدى القرّاء، بسبب سوء التوزيع. في كلّ الأحوال، سيبقى مقعده فارغاً، وغيابه مفجعاً، وسنردّد مع محمود درويش «هذا المترجم ثروة وطنية ينبغي تأميمها».

 

خليل صويلح: الأخبار