هل يحق وهل يمكن ترجمة القرآن؟

خنق أول مترجم للكتاب المقدس للإنكليزية


قام William Tyndale بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الإنكليزية اعتمادًا على اللغة العبرية والإغريقية، فتم القبض عليه بأمر من أسقف لندن وخنقه وحرقه في 6 اكتوبر عام 1536 بأمر من الامبراطور في بلجيكا. فهذه الترجمة اعتبرت تحديًا للكنيسة الكاثوليكية ولقوانين انكلترا التي كانت تضمن هيمنة الكنيسة الكاثوليكية. فقد رفض وجهة النظر الكاثوليكية القائلة بأن الكتاب المقدس يمكن قراءته وتفسيره فقط من قبل رجال الدين المعتمدين. 

 
فقد اعلن: "أنا أتحدى البابا وجميع قوانينه. إذا كان الله يعطيني طول العمر، فسوف اجعل الصبي الذي يدفع المحراث يعرف الكتاب المقدس افضل من البابا". 

وقام أسقف لندن بحرق ترجمته امام الكاتدرائية. إلا أنه تم تخليد ذكره بعد استشهاده. 

فقد أنشيء عام 1913 نصب في المكان الذي خنق وحرق فيه عام 1913 كما أن هناك تمثال له في مكان ولادته. وهناك عدد من المعاهد والمراكز التي تحمل اسمه. 
وتكرس كنيسة انكلترا يوما لذكراه يتم قراءة النص التالي خلاله: يا رب، أعط شعبك النعمة لسماع كلمتك والحفاظ عليها ، تبعا لمثال خادمك وليام تيندال ، ليس فقط لكي نعلن إنجيلك بل نكون مستعدين للمعاناة والموت من أجل اسمك.

وللتذكير، فإن مجمع الفاتيكان الثاني بين 1962 و 1965 قرر ترك اللغة اللاتينية والسماح باستعمال اللغات القومية في الصلوات. واذكر في قريتي في فلسطين عندما كنت صغيرا كنا نصلي القداس باللاتيني.

هل يحق ترجمة القرآن واستعمال الترجمة في الصلاة

ذكر السرخسي أن الإمام أبا حنيفة أجاز ترجمة الفاتحة لأهل فارس مستدلا بما روي أن الفرس كتبوا إلى سلمان الفارسي أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية فكانوا يقرأون ذلك في الصلاة حتى لانت ألسنتهم للعربية

وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، وهو مالكي: "لا تجوز قراءة القرآن بغير العربية، فإن عجز عن النطق باللغة العربية وجب عليه أن يأتم بمن يحسنها، فإن أمكنه الائتمام ولم يأتم بطلت صلاته، وإن لم يجد إماماً سقطت عنه الفاتحة.

ويرى الشافعية بأنه لا تجوز قراءة القرآن بغير لسان العرب سواء أمكنته العربية أم عجز عنها، وسواء كان في الصلاة أو في غيرها، فإن أتى بترجمته في صلاة بدلا عنها لم تصح صلاته سواء أحسن القراءة أم لا

وعند الحنابلة، جاء في المغني: "ولا تجزئه القراءة بغير العربية، ولا إبدال لفظ عربي سواء أحسن القراءة بالعربية أو لم يحسن. ثم قال: فإن لم يحسن القراءة بالعربية لزمه التعلم، فإن لم يفعل مع القدرة عليه لم تصح صلاته". وقال ابن تيمية: "فأما القرآن فلا يقرأه بغير العربية، سواء قدر عليها أم لم يقدر عند الجمهور. وهو الصواب الذي لا ريب فيه، بل قد قال غير واحد: إنه يمتنع أن يترجم سورة أو ما يقوم به

ويرى محمد رشيد رضا

أجمعت الأمة الإسلامية على أن ما فرضه االله على أفرادها من قراءة في الصلاة هو تلاوة القرآن بنصه العربي المنزل. وأجمعت على أنه لا يباح للمسلمين ترجمة القرآن بلغة أخرى يتعبد بها في الصلاة والتلاوة والتشريع، ويطلق عليها اسم كلام االله وكتاب االله والقرآن الكريم. فمثل هذه الترجمة لا ريب فيها أنها تساعد على تفهيم الأجنبي فحوى القرآن، وهذه الترجمة ضرورية في عصرنا بل واجبة لدعوة أمم الأرض وشعوبها

وقد أصدر الشيخ محمد سليمان نائب المحكمة العليا الشرعية بمصر كتاباً تحت عنوان "حدث الأحداث في الإسلام الإقدام عن ترجمة القرآن" سنة 1335 هـ عارض فيه ترجمة معاني القرآن الكريم، ووصفها بأن وراءها غرضاً استعمارياً هو القضاء على القرآن تمهيداً للقضاء على الإسلام.

وذهب فيه إلى القول بأن ترجمة القرآن بالشكل المقترح ممنوعة بإجماع المذاهب الأربعة. وأن لا خلاف في وجوب الاعتقاد بأن القرآن اسم للنظم والمعنى معاً حتى يكفر من أنكر كون النظم منـزلاً

.ونشر فريد وجدي كتابا تحت عنوان (الأدلة العلمية على جواز ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية) يرى فيه ضرورة ترجمة القرآن الكريم، وأنه لا مانع من ذلك من جهة النقل والعقل، لان القرآن الكريم هو آية االله الكبرى للخلق كافة، أنـزله بلسان عربي مبين، وأمر الذين يتولونه أن يبلغوه للعالم بكل وسيلة تصل إليها قدرتهم.

ويقول فيه: إن الاقتصار على كتابة الرسائل عن الإسلام – آما يرى معارضو ترجمة معاني القرآن الكريم – باللغات الأجنبية لا يغني عن ترجمة معاني القرآن في تعريف الشعوب بحقيقة القرآن والإسلاموقد بحثت مشيخة الأزهر هذا الموضوع من سنة 1929م في اجتماعات عديدة بإشراف الشيخ محمد مصطفى المراغي رائد فكرة ترجمة تفسير القرآن الكريم حيث إن ترجمات القرآن إلى مختلف اللغات الأجنبية قد شاعت في هذا العصر، وإنها تحتوي على أخطاء وأغلاط شائنة تتنافى مع ما جاء في القرآن الكريم وسنة الرسول صلى االله عليه وسلم، فأصدرت المشيخة بياناً جاء فيه: أنها أنشأت لجنة مؤلفة من الاختصاصيين في اللغات، نيطت بها مهمة ترجمة تفسير بعض الآيات، فأخذت من تفسير الآلوسي والبيضاوي وغيرهما من التفاسير، وبينت أن المراد من ترجمة معاني القرآن هو تبسيط هذه المعاني وتفسيرها تفسيراً دقيقاً وترجمتها باعتبار أن القرآن لفظ عربي معجز وله معنى، أما نظمه العربي فلا سبيل إلى نقل خصائصه لأن هذا مستحيل استحالة قطعية.وحتى اليوم لم يصدر الأزهر ترجمة للقرآن، ولكن يوافق على نشر ترجمات بعد ادخال تعديلات عليها. ولكنه نشر المنتخب، وهو تفسير مختصر للقرآن بالعربية ومقابلها ترجمة بلغات مختلفة. وهذه الترجمات لا تتفق بين بعضها.

وهناك مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، وينشر عدة ترجمات يطلق عليها اسم ترجمات معاني القرآن الكريم. وهذه الترجمات لا تتفق بين بعضها البعض، فهي ترجمات فردية. وهناك موقع اسلامي ينشر قرابة 50 ترجمة انكليزية يسهل مقارنة كل آية، منها ترجمات لمسلمين مقبولة، وغيرها خلافية صادرة عن مسلمين، وترجمات غير مسلمين، وترجمات حديثة


هل يمكن ترجمة القرآن؟

في سويسرا هناك ثلاث لغات رسمية: الألمانية والفرنسية والإيطالية، وكل القوانين الفدرالية تصدر في هذه اللغات، والترجمات الثلاث معتمدة، ولكن يصدف ان يتم الاعتماد على احدى تلك الترجمات لتوضيح المعنى. وبما ان المشرع مجبور ان يترجم القوانين إلى ثلاث لغات، فهو مضطر إلى جعل اللغة أبسط ما يمكن حتى يسهل ترجمتها دون ابهام.

والترجمة تساعد على اكتشاف الإبهام في النص ولذلك قبل ان ينشر القانون يتم مقارنة الترجمات وتعديلها بحيث تتلاءم فيما بينها. والدستور السويسري مترجم إلى عدة لغات، وانا المترجم العربي لهذا الدستور، ولكن كل تلك الترجمات تشير إلى ان الترجمة ليست معتمدة.

فمثلا الترجمة الإنكليزية تقول بأن الإنكليزية ليست لغة رسمية للحكومة وهذه الترجمة فقد للإفادة وليس لها قوة ملزمة قانونيا.

ولنعد لترجمة القرآن

كتب أحد المعلقين:

القران لا يترجم غير العربيه ومن اراد تعلمه فليتعلم اللغه العربيه اولا فالقران نزل باللغه العربيه فكيف لنا ان نترجمه بغيرها !!!!!!

فأجبته:

تم تبني موقفك من البعض، ولكنه تم تخطيه من جميع الطوائف الإسلامية، واليوم تم ترجمة القرآن إلى عدد كبير من اللغات من مسلمين، خاصة أن غالبية المسلمين لا يفهمون العربية

وقد علق آخر:

هل بالامكان ترجمة القرآن؟

لا أعتقد. لان الترجمة لا يمكن أن تكون الا حسب التفسير، والتفسيرات للقرآن لا تعد ولا تحصى. لذلك ترجمة القرآن أمر غير صحيح. إذا كان المسلمون بحد ذاتهم غير متفقين على فهم ايات القرآن ولكل أية عشرات التفسيرات.

أجبته:

كلامك سليم. وقد قلت ذلك في احد أشرطتي. وعلى المترجم أن يرقع ثوبا باليًا دون ان يخونه لجعله مفهوما نوعا ما ويصاحبه بهوامش توضيحية وعرض ترجمات موازية لكي يبين للقارئ بأن الآية مبهمة ليس فقط له ولكن أيضا لغيره حتى لا يتهم من القارئ بأن نصه غير مفهوم..

والمترجم يصطدم أولا بالنص العربي الذي يعتمد عليه. وفيما يخصنا مصحف الملك فؤاد لعام 1923 براوية حفص وهو متوفر في طبعة شعبية لم تلتزم بأبسط قواعد التحقيق العلمي للنصوص القديمة. فهذا لالنص لا يتضمن علامات الترقيم الحديثة: النقة، الفاصلة، علامة التعجب، علامة الإستفهام، علامة التنصيص. كما انه لا يشير إلى نواقص القرآن والتي اطلق عليها المفسرون الحذف والتقدير، ولا يبين لنا ما اسماه المفسرون التقديم والتأخير، ولا التذييل وغيرها من المشاكل اللغوية.

ولذلك فإن كل مترجم يحاول على قدر استطاعته التعامل مع نص غير محقق وكأنه يتعامل مع مخطوطة قديمة عليه أولا تحقيقها في عقله.

ولذلك اختلفت الترجمات فيما بينها.كما ان المترجم يصطدم بجمل لا تعرف بدايتها ولا نهايتها، ولا يدل رقم الآية إلى نهايتها.

فكثير من الجمل ناقصة يتطلب تكميلها الحاقها بما جاء في الآية التابعة. وهنا تطرح مشكلة ترقيم الآيات.

فترقيم الآيات في رواية حفص كما في مصحف الملك فؤاد يختلف عن ترقيمها في الروايات الأخرى المتدوالة. فعدد آيات مصحف الملك فؤاد 6236 بينما رواية الدوري المتداولة في السودن فعدد آياتها 6204 ورواية ورش المتداولة في المغرب عدد آياتها 6214.يضاف إلى ذلك القراءات المختلفة. فنصف آيات القرآن جاء عليها قراءات مختلفة، وبعض لكماته جاء عليها 15 قراءة مختلفة مع معان مختلفة.

فهل عليه ان يقصي تكل القراءات؟ أم عليه أن يشير اليها في الهوامش؟ وفي هذه الحال، هل عليه ترجمتها للقارئ الغربي، علما أن طبعات القرآن المتوفرة لا تشير لتلك القراءات المختلفة.

مثلا الآية 146 من وسورة آل عمران وفقا لرواية حفص تقولوَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَووفقا لرواية ورش عن نافعوَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.

هناك أيضا الآيات المبهمة. ويقدر البعض أن قرابة 20% من آيات القرآن غير مفهومة، وهو امر لا يعيه إلا المترجم، لأن القارئ العادي يمر عليها مرور الكرام، معتبرا أن عدم فهمها قصور منه وليس عيب في القرآن.

والآيات المبهمة هي خاصة الآيات القصيرة التي تشبه سجع الكهان. وتضاف إلى هذه الآيات الغامضة آيات لا معنى لها تذكرنا بسجع الكهان مثل "وَالصَّافَّاتِ صَفًّا. فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا. فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا. إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ" (56-37: 1-4).

فما معنى الآيات الثلاث الأولى وما علاقتها بوحدانية الله؟ وكيف يمكن ان يقسم الله بمجهول على المعلوم؟ ونفس الأمر يمكن قوله عن الآيات "وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا. فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا. وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا. فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا. فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا. عُذْرًا أَوْ نُذْرًا. إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ" (33-77: 1-7)، "وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا. وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا. وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا. فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا. فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا" (81-79: 1-6)

وغيرها من الآيات التي لا معنى لها ولا فائدة، والتي يمكن تصنيفها في خانة اللغو. وحسناً فعلت اللجنة الموكلة بجمع القرآن العثماني بوضعها في آخر القرآن. قواميس اللغة العربية لا تساعد دائما على فهم كلمات القرآن لأنها وضعت بعده وليس قبله وكان القصد من وضعها إعطاء معنىً للكلمات المستعصية..هذه بعض من المشاكل التي يصطدم بها مترجم القرآن. وفي حالتي، اصطدمت بهذه المشاكل ثلاث مرات عبر ترجماتي للقرآن بالفرنسية والإيطالية والإنكليزية.، باإضافة إلى طبعتي العربية للقرآن بالتسلسل التاريخي حيث قمت على قدر الإمكان تقديم طبعة محققة علميا. وفي كل من ترجماتي وطبعتي العربية للقرآن عرضت النص القرآني وفقا للتسلسل التاريخي قناعة مني بأن هذا التريتب يساهم في فهم القرآن.

وقد قمت بمراجعة الترجمات المتوفرة في تلك اللغات على قدر الإمكان، معتمدا على 50 ترجمة انكليزية، وعشرين ترجمة فرنسية وثماني ترجمات إيطالية. وقد اشرت في الهوامش إلى الإختلاف بين ترجمتي والترجمات الأخرى حتى يعي القارئ صعوبة فهم الآيات. وقد تبين لي بأن كثير من المترجمين حاولوا تقديم نصا مفهوما لقرائهم رغم أن النص العربي ذاته غير ومفهوم للقارئ العربي المدقق (خلافا للقارئ العربي الذي يكرر الآيات تكرار الببغاوات)..

وقد كتبت لأستاذة اللغة العربية في جامعة البندقية:أهنئك على ترجمتك الإيطالية للقرآن والتي تمكنت من الحصول عليها في مكتبة في ترينتو. أقوم الآن بإعداد ترجمة إيطالية للقرآن ولكن بترتيب زمني وفقًا لترجمتي الفرنسية. سوف أشير إلى ترجمتك وسبع ترجمات اخرى للصياغة.

بالتأكيد لن تكون ترجمتي جميلة مثل ترجمتك، لأنها ترجمة حرفية. أود أن أقول إن نسختك الإيطالية أجمل من النسخة العربية الأصلية. من الواضح أنك تكتبي للإيطاليين ، في لغة إيطالية كاملة، وهو ما لا ينطبق على النص العربي..وطبعا هذا الكلام لن يعجب القارئ العربي. فالنص القرآني في نظره نصا بليغا لا يمكن ان يضاهيه أي نص في أي لغة اخرى. وكلامه يشبه كلام عاشق عن حبيبة لم يرها في حياته..

 

 د. سامي الذيب